رحيل الفرنسي برنار نويل.. شاعر وأديب متمرد على الأنظمة والحروب

الروائي الفرنسي برنار نويل توفي عن عمر يناهز 90 عاما مخلفا رصيدا كبيرا من الأعمال بين الشعر والرواية والنقد الأدبي والتشكيلي.
الخميس 2021/04/15
شاعر حارب الرقابة والقمع والعنف

باريس - توفي الشاعر والروائي الفرنسي برنار نويل عن عمر يناهز 90 عاما، وفق ما أعلنته دار “بي أو إل” للنشر التي تتولى إصدار أعمال الكاتب الذي يملك في رصيده مجموعة وفيرة من المؤلفات في الشعر والأدب والفن والسياسة.

وأعربت “بي أو إل” عبر تويتر عن حزنها لإعلان وفاة برنار نويل الذي بدأ يتعامل معها منذ عام 1988.

ووصفته بأنه “كاتب وشاعر ملتزم وروائي ومؤرخ ومراسل وعالم اجتماع وناقد فني وناشر”، مذكّرة بأنه أصدر 25 كتاباً ضمن منشوراتها.

ولد نويل عام 1930 في سان جينيفييف سور أرجانس (جنوب غرب فرنسا)، وتربى على يد جدّه وجدّته، ودرس الصحافة في باريس، وقادته عوالم دراسة الصحافة التي تركها والحركة الثقافية الكبيرة التي عرفتها العاصمة الفرنسية منتصف القرن العشرين إلى الأدب ليقدم تجربة مختلفة المشارب جعلته واحدا من أبرز الكتاب الفرنسيين في الشطر الثاني من القرن العشرين.

واكتسب نويل شهرته بعد الضجة التي أثارتها روايته “لو شاتو دو سين” الإباحية التي أصدرها عام 1969، وتدور أحداث الرواية في جو جنسي وعصبي، حيث نتابع خلالها الراوي الذي يهبط على جزيرة، ويخوض سلسلة من المغامرات الماجنة. من خلال هذا الجو الجنسي الجريء والفاضح أراد نويل الرد على عنف وانحلال المجتمع الفرنسي.

وأدت هذه الرواية إلى مقاضاته بتهمة إهانة الأخلاق الحميدة، وأصدر بالفعل حكم بإدانته عام 1973،

لكنه حصل لاحقاً على عفو في عهد الرئيس فاليري جيسكار ديستان. وعلى امتداد سنوات اعتبر نويل أن كتابه هذا الذي حوكم من أجله هو “خطيئته الأصلية”، ولكن من المفارقات أن هذا الكتاب هو أيضا الذي حرره من الكثير من قيود الماضي، وهو الذي جعل منه كاتبا.

نويل جمع بين كتابة الشعر والرواية والمسرح والنقد والفكر بهدف تحرير البشر من النظام التجاري الذي يستعبدهم

وكرّست الأكاديمية الفرنسية مجمل أعماله الشعرية بمنحه جائزتها الكبرى للشعر عام 2016.

وشكّلت محاربة الرقابة والقمع والعنف وكذلك حب الرسم ثوابت في مسيرته الأدبية التي يمكن أن نفهما بالرجوع إلى مسيرته الحياتية حيث كان مثل العديد من الشباب في جيله، متمرداً على الحروب، من هيروشيما إلى حرب فيتنام، ومن جرائم ستالين إلى الحرب الجزائرية.

وبتعبير الناقد السوري عارف حمزة فقد ظلّ نويل “مخلصاً لصدمته من وحشيّة الإنسان ونزعته المتطرّفة في عمل كلّ ما هو مدمّر في سبيل محو طبيعة الإنسان في دواخله”.

نشر نويل نحو أربعين عملا أدبيا يكشف فيه عن حساسية أصيلة وسريرة إبداعية نادرة مهمومة بفداحة الشرط الإنساني . وقد توزعت أعماله بين الشعر والرواية والنقد الأدبي والتشكيلي.

وقدم الشاعر والمترجم المغربيّ محمّد بنّيس أبرز أعمال نويل إلى العربية، من بينها “كتاب النسيان” الصادر عن دار توبقال، الذي شرع نويل في كتابته عام 1979 ولم ينشر في فرنسا إلاّ في عام 2012.

Thumbnail

كما قدم بنيس كتاب نويل “الموجز في الإهانة” وفيه مقالات تهتم بتحليل وإدانة غسْل الدماغ الذي تُعمِّمه وسائلُ الاتصال بالغواية لا بالخشونة، في عهد يمكن للاقتصاد فيه أن يحول كل شيء، حتى الثقافة، إلى سلعة، وكل واحد منا، نحن الذين يُنظر إليْنا كمُستهلك، له ميلٌ إلى أن يبتلع بسرعة ما يقدَّم إلى عينيْه، بل إلى أن يطلبَه من جديد.

كما تحدث نويل في هذا الكتاب عن الشعب الفلسطيني، المحروم من حقوقه منذ سبعين سنة بالرغم منْ جميع القرارات الدولية، لكنَّه مثالٌ كاملٌ للإنكار العام الذي يسمح لعهدٍ عالميٍّ للإعلام والرقابة على المعنى بأنْ ينمو ويتطوّر.

وفق رؤى رافضة ومتمردة على السائد سار نويل في تجربته الشعرية كما في مقالاته ونقده، ولكن يبقى شعره، كما يرى النقاد، تلك المنطقة التي يجتمع فيها الإحساس العالي والدفق الوجداني بالروح الفلسفية والنظرة المكثفة والعقل اليقظ، حيث نجد في شعره تأملات تشبه إلى حد كبير الفلسفة.

ورغم اعتبار الكثيرين لنويل وريثا للنزعة السريالية، فإنه لم ينخرط في مدارها ولم يحمل مشروعها، رغم أنه كان على مقربة من جورج باتاي، لكنه عرف كيف يعطي النزعة الروحية بعداً ملحمياً في نصوصه الشعرية.

تجربة فريدة خاضها الشاعر في تأثيره الثقافي، فعمله لم يكن يعرف الانغلاق في حد من الحدود، إذ نجده الشاعر والروائي والراوي والكاتب المسرحي والناقد الفني والمفكر، ذلك أن هدفه الأساسي هو “خلق المعنى” وبالتالي اختراع فضاء محرر من النظام التجاري الذي يستعبد البشر.

14