رحيل المفكر العراقي الذي آوى الفلسفة بعد أن كانت شريدة

المفكر العراقي عبدالأمير الأعسم رحل تاركا مؤلفات تشكّل مراجع أساسية لكل الباحثين والمشتغلين في الفلسفة "التي آواها بعد أن كانت شريدة".
.
السبت 2019/06/15
رحل تاركا منجزا فكريا مرجعيا

ودّعت الساحة الثقافية العربية المفكر العراقي  عبدالأمير الأعسم، الذي حمل مشروعا فكريا لتشريح العقل العربي، واشتبك في كتاباته مع الفلاسفة العرب والمسلمين الكبار، وعرّف بمصطلحاتهم ونصوصهم، كما اشتبك مع مفكري العالم العربي والإسلامي المعاصرين ببحوث كثيرة نُشرت في مجلات علمية متخصصة، وفي مؤلفاته الفلسفية، أو أُلقيت في ندوات ومؤتمرات ومحاضرات.

 توفي المفكر والباحث العراقي البارز الدكتور عبدالأمير الأعسم يوم الخميس 13 يونيو الجاري عن عمر 79 عاما إثر نوبة قلبية. وبرحيله خسر العراق والعالم العربي قامة فلسفية كبيرة أثرَت المكتبة العربية بأكثر من 40 كتابا، منها: “ابن الريوندي في المراجع العربية الحديثة”، “أبو حيان التوحيدي.. كتاب المقابسات”، “مقاربات فلسفية في تشريح العقل عند العرب”، “المصطلح الفلسفي عند العرب”، “دراسات في الاستشراق”، “من تاريخ الفلسفة العربية في الإسلام”، “الرسائل الفلسفية الصغرى”، و”من أعلام الفكر العراقي المعاصر”.

ولد عبدالأمير الأعسم عام 1940 في منطقة الكاظمية ببغداد، وأكمل دراسته الجامعية الأوّلية في جامعة بغداد، ونال شهادة الماجستير من قسم الدراسات الفلسفية بجامعة الإسكندرية، والدكتوراه في الفلسفة من جامعة كامبريدج ببريطانيا تحت إشراف المستشرق الشهير آرثر جون آربري، رئيس قسم الدراسات الشرقية.

توثيق للأفكار الفلسفية الثقافية والأدبية التي كانت منتشرة في الدوائر الثقافية في بغداد
توثيق للأفكار الفلسفية الثقافية والأدبية التي كانت منتشرة في الدوائر الثقافية في بغداد

يعرّف الأعسم في كتابه “أبو حيان التوحيدي.. كتاب المقابسات” على الفيلسوف التوحيدي عبر حركة نشر المصادر القديمة التي بدأها منذ القرن الثامن عشر، عدد من المستشرقين والباحثين الغربيين في التراث العربي، ولاسيما المستشرقين. ويلفت انتباهنا إلى أن الدراسات التي تناولت التوحيدي في القرن العشرين لم تعطه حقه، نظرا إلى تركيزها على البعد الأدبي من شخصيته، فهو فيلسوف أولا وأخيرا، ولا تجوز دراسة أدبه ومؤانساته وحواراته ومقابساته إلا بوصفها نصوصا فلسفية تستخدم الأدب والنثر وأساليب لغوية للتعبير عن ذاتها.

ويؤكد الأعسم أن التوحيدي يقدم في كتابه “المقابسات” تاريخا وتوثيقا للأفكار الفلسفية الثقافية والأدبية التي كانت منتشرة في الدوائر الثقافية في بغداد، دون أن يعني ذلك أن التوحيدي لم يبث فلسفته وتحليلاته في مطاوي الكتاب، فهو فيلسوف يعرض فلسفته بطريقة فريدة تمزج بين الأدب والفكر والأسلوب الفني، كما أنه مؤرخ للحركة الفكرية في عصره، وشخصية التوحيدي هي مزج بين هذا وذاك.

ويحتوي المقابسات على نقاشات وحوارات حول موضوعات فكرية وفلسفية وكلامية كثيرة، حيث يتوقف عند الحوارات التي تتعلق بالعلاقة بين المنهج والنحو، كما يتوقف عند موضوعات الفلسفة اليونانية ومدى تقبلها في الأوساط الثقافية العربية الإسلامية، ولاسيما المناقشات التي دارت حول الطبيعة وما بعد الطبيعة، والأخلاق والسياسة والعلوم والزهد والتصوف.

حاول عبدالأمير الأعسم في كتابه “المصطلح الفلسفي عند العرب”، النظر في بعض رسائل الحدود والرسوم، ودراستها وتحقيقها تحقيقا عالميا، وهي “الحدود” لكل من جابر بن حيان، الخوارزمي، ابن سينا، الغزالي، و”الحدود والرسوم” للكندي، وضم إليها “كتاب المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين” لسيف الدين الآمدي، وحققها تحقيقا يشهد له بالبراعة الفائقة والقدرة العجيبة، وأوضح أهميتها في تطور المصطلح الفلسفي، فجاء عمله أصيلا، لأنه يمهد لوضع المعجم الفلسفي أولا، ولوضع المعجم العربي الكبير ثانيا.

ووضع الأعسم في كتابه “مقاربات فلسفية في تشريح العقل عند العرب” خلاصة فكره وخبراته المتنوعة بالعقل العربي، والمشاريع الفكرية العربية المعاصرة وأعلامها الكبار، وأعمل في كل ذلك عقليته الفلسفية الجادة، ورؤيته النقدية من أجل الكشف عن أوجه القصور العديدة في فكرنا العربي المعاصر بما تنطوي عليه من مشروعات أو محاولات فلسفية. إن مجمل الأبحاث في هذا الكتاب تدور حول مركزية العقل عند العرب، بمختلف الأوجه الفكرية التي يتداولها المفكرون العرب في زماننا. ولم يكن القصد من هذه الأبحاث، كما يقول في مقدمته، أن تروّج لمشروع فكري معين، بقدر الاهتمام بالكشف عن مسائل بدت له في أوقات متباينة أنها بحاجة إلى بحث بهدف الإجابة عن إشكالية محددة.

رؤية نقدية من أجل الكشف عن أوجه القصور العديدة في الفكر العربي
رؤية نقدية من أجل الكشف عن أوجه القصور العديدة في الفكر العربي

ودخل الأعسم في كتابه الأخير “من أعلام الفكر العراقي المعاصر”، الصادر عام 2017، فضاء معرفيا جديدا ليسجَّل انطباعاته وقراءاته وذكرياته عن مجموعة ممن عدّهم أعلاما في الفكر من العراقيين، سواء ممن تتلمذ عليهم أو ممن رافقهم وزاملهم في نشاطه الفكري وعمله الأكاديمي. ومما يلفت النظر أنه اختار بينهم البعض من تتلمذوا عليه، وهذا الاختيار، حسب رأي الشاعر حميد سعيد، دليل موضوعية وموقف أخلاقي، ليس في هذا الاختيار فحسب، بل في جميع من اختارهم وكتب عنهم من الأعلام.

وكان الأعسم مدققا إلى حد كبير في من كتب عنهم، فلم يخبط خبط عشواء، وما ادّعى معرفة بشخص وهو ليس على تماس به، حياتيا أو فكريا، ولم يعتمد على روايات الآخرين، وكان منفتحا فكريا وأخلاقيا، وهو يكتب عن هؤلاء الأعلام، وفيهم من كان على خلاف معه، فكرا أو موقفا. كما أنه لم يقيّد خياراته بأي قيد، سوى حدود موضوعيته، فقد مثّل هؤلاء الأعلام أجيالا مختلفة، وهم من مدن عديدة وانتماءات فكرية متباينة قد تكون متناقضة.

رحل المفكر عبدالأمير الأعسم، لكنه خلّف مؤلفات تشكّل مراجع أساسية لكل الباحثين والمشتغلين في الفلسفة، التي آواها بعد أن كانت شريدة، على حد تعبير زميله المفكر العراقي الراحل مدني صالح.

14