رحيل تيلرسون.. عملية إنقاذ عاجلة للسياسة الخارجية الأميركية

أقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزير الخارجية ريكس تيلرسون وعيّن مكانه مدير وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو، منهيا بذلك علاقة العمل التي دامت 13 شهرا.
الأربعاء 2018/03/14
أخذ على حين غرة

واشنطن- أنهى الرئيس الأميركي دونالد ترامب شهورا من “الحرب الباردة” بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، التي كان يتولاها ريكس تيلرسون، قبل إعلان ترامب عن إقالته الثلاثاء.

ولم يتفق ترامب وتيلرسون في أغلب القضايا التي تشكل السياسة الخارجية الأميركية، لكنهما استمرا في علاقة عمل كانت قائمة على السير في مسارين متوازيين لا يلتقيان أبدا.

كما شكلت المشاعر الشخصية، التي يكنها الرجلان لبعضهما البعض، محورا هاما في نظرة كل منهما للآخر. والعام الماضي قالت تقارير إن وزير الخارجية وصف الرئيس في جلسة خاصة بـ”الأحمق”. ولم ينف تيلرسون الاتهامات خلال مؤتمر صحافي اتسم بالارتجال في أغلبه.

لكن هذه المشاعر عكست أيضا رؤى الجانبين في ما يتعلق بقضايا كالملف النووي الإيراني والأزمة الخليجية وأوروبا وسلاح كوريا الشمالية النووي وروسيا وعملية السلام. وقال مسؤولون أميركيون إن تيلرسون “شكل صداعا في رأس واضعي السياسة في البيت الأبيض، وعمل بطريقة شخص يقود سيارته في الاتجاه العكسي للسير”.

في مؤتمر صحافي مرتجل في حديقة البيت الأبيض، برر ترامب للصحافيين قرار إقالة تيلرسون، الذي كان في خضم جولة أفريقية عندما صدر القرار، بأن هناك مشكلة ”خاصة بالكيمياء” بين شخصيته وتلك الخاصة بتيلرسون

عقيدة أوباما

مشكلة تيلرسون أنه أراد إدارة سياسة خارجية تنتمي إلى عصر الرئيس السابق باراك أوباما، في عهد ترامب. ويقول دبلوماسيون “لم يكن ممكنا نجاح هذا المزيد مهما كانت الطريقة التي ينفذ بها”. واختار ترامب بدلا من تيلرسون مدير المخابرات المركزية الموالي له مايك بومبيو. وهذا أكبر تغيير في إدارة ترامب منذ توليه منصبه قبل أكثر من عام.

واختار ترامب جينا هاسبل نائبة بومبيو لتكون المديرة الجديدة للمخابرات المركزية. وبومبيو أحد الصقور الداعين لتبني استراتيجية “حادة” في مواجهة إيران، إلى جانب مستشار الأمن القومي هاربرت ماكماستر ووزير الدفاع جيمس ماتيس.

جينا هاسبل.. أول مديرة لـ"سي آي إيه"

أصبحت جينا هاسبل أول امرأة على رأس وكالة الاستخبارات الأميركية “سي آي إيه” غير أن دور هذه المسؤولة عن العمليات في السجون السرية يمكن أن يعقّد مهمتها.

دخلت هاسبل جهاز المخابرات المركزية الأميركية عام 1985. وتدرجت في المناصب إذ شغلت منصب نائب مدير الخدمة الوطنية السرية بوكالة الاستخبارات وكذلك كانت كبيرة الموظفين لدى مدير مركز مكافحة الإرهاب بالوكالة أيضا.

ومنحها الرئيس جورج بوش الأب الامتياز في مكافحة الإرهاب وميدالية الاستحقاق الاستخباراتية. وقدم ثلاثة مدراء سابقون لسي آي إيه ومسؤولون آخرون بينهم جيمس كلابر، المدير السابق للاستخبارات، دعمهم لهاسبل. وفي المقابل أبدى عضوان ديمقراطيان في مجلس الشيوخ تحفظهما على التعيين.

وقال السيناتور رون ويدن وزميله مارتن هينريش إن “مسيرتها لا تؤهلها لهذا المنصب”. ومن أبرز ما جاء في السيرة الذاتية لهاسبل، التي تنتظر موافقة الكونغرس على تعيينها قبل أن تبدأ مهام عملها:

* يتهمها البعض بالمسؤولية عن إدارة برنامج الاستجواب “المكثف” للمتهمين بالإرهاب، وهو ما يرقى إلى درجة التعذيب حسب تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي.

* كانت تدير سجنا تابعا للسي آي إيه في تايلاند عام 2002، والذي ارتبط اسمه بقضية استخدام أسلوب الإيهام بالغرق لمن يشتبه بصلتهم بالإرهاب.

* ذكرت تقارير أميركية أنها تورطت عام 2015 في تدمير أشرطة فيديو حول تقنيات استجواب مفرط مع العديد من المعتقلين في تايلاند.

والمحرك الرئيس الذي يقف خلف هذه الاستراتيجية هو توقف المؤسسات الأميركية عن حصر التهديد الإيراني في الاتفاق النووي، إلى جانب ضرورة دمج البرنامج الصاروخي والنفوذ الطائفي والميليشيات الممولة من قبل طهران ضمن الاتفاق النووي. وقال دبلوماسي غربي “ترامب يريد ببساطة ألا يبقيه كاتفاق نووي فقط، وتيلرسون كان يصر على أن يظل اتفاقا نوويا”.

كان تيلرسون على ما يبدو معوقا كبيرا أمام كفاح إدارة ترامب لإقناع حلفائها الأوروبيين باستراتيجيتها. وتوصل المسؤولون في لندن وباريس وبرلين، بعد نقاشات مضنية، إلى قناعة بأن الخيارات أمامهم من أجل الحفاظ على الاتفاق ومنعه من الانهيار تكاد تنحصر فقط في الاستجابة لرغبات ترامب.

لكن فلسفة أوباما، المؤسسة لنظرة تيلرسون الذي ليس لديه أي خبرة دبلوماسية أو سياسية تذكر، انعكست خلال أزمة المقاطعة التي فرضتها السعودية ومصر والإمارات والبحرين على قطر في يونيو من العام الماضي.

وكان مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية يعملون مع نظرائهم القطريين على تشجيع الدوحة على المضي قدما في سياساتها، دون منح أي اهتمام يذكر لعلاقة قطر بتنظيمات تصنفها الولايات المتحدة “إرهابية”.

وقام تيلرسون بجولتين خليجيتين العام الماضي، قوضتا الوساطة التي يقودها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح. ويقول مراقبون إنه في كل مرة كان يزور فيها تيلرسون الخليج كانت الأزمة تزداد تعقيدا، إذ تبالغ بعدها الدوحة في التمسك بموقفها وتضاعف مقاومتها أمام الضغوط لتقديم أي تنازلات لها معنى.

وأضافوا “لم يعجب تيلرسون، الذي ينتمي إلى المدرسة التقليدية للهيمنة في السياسة الخارجية الأميركية، أن بعض دول المنطقة تتصرف بشكل مستقل، وأن التنسيق الوحيد الذي حدث قبل تبني المقاطعة على قطر كان مع البيت الأبيض، وجرى تهميش الخارجية”، وأكدوا “يبدو أن الدبلوماسيين الأميركيين، وبينهم تيلرسون، استقبلوا الإجراءات الخليجية من منطلق شخصي”.

وليس من الواضح ما إذا كان بومبيو لديه وجهة النظر نفسها التي يتبناها البيت الأبيض، لكن تصريحات ترامب توضح توافقهما في كل شيء تقريبا. وقال ترامب “أنا وبومبيو على نفس النغمة طوال الوقت”.

وذكر مسؤول أميركي أن ترامب يعمل بانسجام مع بومبيو، وهو عضو جمهوري سابق في الكونغرس من كانساس، وأراده في المنصب قبل محادثات الرئيس المرتقبة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والمفاوضات التجارية. وبدا أن تيلرسون أخذ على حين غرة عندما أعلن ترامب أنه سيجتمع مع الزعيم الكوري الشمالي.

ولطالما عارض تيلرسون “عرض القوة” النووية الذي انتهجه ترامب منذ توليه منصبه بشكل رسمي في يناير من العام الماضي. ولم ترق هذه السياسة على ما يبدو لتيلرسون، الذي كان يفضل النهج التقليدي، المعتمد على الوساطة الصينية والاكتفاء بفرض العقوبات، على سياسة “حافة الهاوية”.

وتقول تقارير أميركية إن تصريحات تيلرسون التي كانت تتبنى التهدئة طوال الوقت، لم تسر على نفس الخط الذي رسمه ترامب، وأثارت امتعاض كبار مستشاريه في البيت الأبيض. ومنذ ذلك الحين “تم تهميش تيلرسون، ولم تعد تصله كل التقارير الاستخباراتية عن تطورات الأوضاع في ما يتعلق بكوريا الشمالية”.

وتسبب ذلك في تسرب إحساس لدى الموظفين في الخارجية بأنهم أصبحوا يعملون كجزيرة منعزلة. وتسبب هذا الشعور في تراجع حاد في أسهم تيلرسون ضمن طبقة الدبلوماسيين.

وقال دبلوماسيون حاليون وسابقون في نوفمبر الماضي، في وسط شائعات بأن تيلرسون في اتجاهه للخروج، إن تعيين بومبيو من الممكن أن يكون مرحبا به، باعتبار أن علاقته القريبة بترامب من الممكن أن تكون سببا في تعزيز دور الوزارة في المستقبل.

وقال كريس مورفي العضو الديمقراطي في لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، إن “تيلرسون عمل بشكل منتظم ومقصود على إضعاف الدبلوماسية الأميركية”، مضيفا أن “ترامب لا يريد أكثر من شخص يستمر في فعل الشيء ذاته، لكن بطريقة أسرع يشوبها التملق لشخص الرئيس”.

الضغط على الحلفاء

بات الأوروبيون في وضع صعب، إذ كان ينظر لتيلرسون في أوروبا باعتباره شخصا يدرك الأهمية الكبيرة التي يمثلها حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ولا يرى ضرورة كبيرة لإعادة النظر في الانفاق الدفاعي الأوروبي الآن.

كما عارض تيلرسون قرار ترامب بفرض رسوم على صادرات الصلب والألمنيوم. ورأى الأوروبيون في تيلرسون بشكل عام حليفا أساسيا في واشنطن. ونفس الشيء ينطبق على تركيا، التي عكست زيارة وزير الخارجية الأميركي السابق إليها الشهر الماضي غياب قدرته على وضع حد لتحدي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المستمر لواشنطن.

ولن يكون تولي بومبيو المنصب في مصلحة تركيا. وقال إيلان غولدنبرغ الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد، لوكالة بلومبرغ، “بومبيو لديه نظرة متشددة للسياسة الخارجية تقوم على الأبيض والأسود، وهكذا يرى ترامب العالم أيضا”. وأضاف “عبر ذلك استطاع بومبيو أن يتقرب من ترامب”. ولا يبدو أن بومبيو يضع تركيا في المربع “الأبيض” لتصنيف الدول وفقا لنظرته.

اختلف تيلرسون (65 عاما) مع عدد من سياسات ترامب؛ على سبيل المثال، كان يفضل بقاء الولايات المتحدة في اتفاق باريس للمناخ، وكان أقل صرامة تجاه إيران بشأن المسائل المتعلقة باتفاق منعها من الحصول على أسلحة نووية

وقال موقع “أحوال”، الصادر باللغات التركية والإنكليزية والعربية، إن رد فعل بومبيو على محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة على حكم أردوغان في صيف عام 2016، كان عبر وصف نظام أردوغان  في تغريدة على تويتر بـ”الدكتاتورية الإسلامية الشمولية”.

ويوصف بومبيو بأنه شخص “حاسم ومقاتل ومخلص”، وهي صفات من الممكن أن تتوافق مع شخصية أردوغان، أو ربما يحدث العكس وتتسبب في نشوب “حرب دبلوماسية” بين الجانبين، في وقت تعتقد الولايات المتحدة أن أردوغان بدأ يستهدف مصالحها في الشرق الأوسط.

وسيمثل ذلك ضغطا كبيرا على أنقرة، وسيضيق كثيرا من حرية الحركة التي تتمتع بها، خصوصا في الملف السوري. ومن المرجح أن يشكل تعيين بومبيو بدلا من تيلرسون انقلابا في طريقة عمل وزارة الخارجية وفي رؤية البيت الأبيض لدورها في المستقبل.

وقال تومي فيتور المتحدث السابق باسم مجلس الأمن القومي خلال عهد أوباما، وأحد أكبر المعادين لسياسات ترامب الآن، “تيلرسون ربما كان أسوأ وزير خارجية في تاريخ الولايات المتحدة. لقد عمل على تفريغ الوزارة من أي دور وتسبب في إضعاف الروح المعنوية للموظفين ولم يقدم شيئا يذكر لبلده”.

7