رحيل جاك لوغوف آخر المؤرخين العمالقة

الأحد 2014/04/20
جاك لوغوف: مفكر ألم بمختلف علوم عصره

باريس – لم يصح الفرنسيون يوم الفاتح من أبريل الجاري على كذبة هذا الشهر الأثيرة، بل على خبر فاجع ينعى رحيل جاك لوغوف (1924- 2014) المؤرخ الذي رغّب الناس في التاريخ بإخراجه من رحاب الأكاديميات إلى الفضاء العام ونشر مختلف أطواره في كتب عديدة أو على أمواج “فرنسا الثقافية” مرة في الأسبوع منذ 1966، والمثقف الذي لا يغثّ عليه مجال من مجالات العلوم الإنسانية، والمرجع الأساس عالميا في كل ما يتعلق بتاريخ العصر الوسيط.

عرف لوغوف عالميا كأكبر متخصص في تاريخ العصر الوسيط، فقد شغف به منذ طفولته حينما كان يطالع بنهم روايات والتر سكوت ومؤلفات ميشليه، ثم اختاره بدافع مهني،كما يقول، لأن ذلك العصر فيه من المصادر والمراجع بالقدر الذي يلبي حاجات البحث، خلافا للعصر القديم الذي يحتاج فيه المؤرخ إلى استنتاج ما جرى انطلاقا من حجر أو عظم على طريقة علماء الآثار أو الحفريات، أو العصر الحاضر الذي يغرقنا بمعلومات ووثائق تفيض عن الحاجة. مثلما عرف بمنهجه الذي يتعامل مع التاريخ في شموليته، لا يكتفي بسرد الأحداث والمعارك والتواريخ والمعاهدات، بل يتعداها إلى رصد مختلف مظاهر الحياة في زمن ما، كأنماط التفكير وأنماط العيش والعادات والتقاليد والفن المعماري…

وقد بدأ تطبيق مقاربته تلك عمليا بداية من 1981 في كتابه “مولد المطهر”.واختياره المطهر لم يكن وليد الصدفة، لأن المطهر، الذي ظهر في القرن الثاني عشر كثالث مكان مفرد في الآخرة، هو عنصر شامل كما يقول، بمعنى أنه يمكن تفسيره عبر تطور العقلية الدينية، ومن خلال دراسة البنية الاجتماعية الناشئة وتصورات تلك الفترة. وبما أن المطهر مكان وسيط يُحتسب فيه العقاب على قدر جسامة الذنب، فقد كان من أولوياته، كمؤرخ، البحث عن الكيفية التي تتم فيها عملية التوسط تلك داخل المجتمع، واستخلص ظهور تنامي ذلك المفهوم داخل البنى الاجتماعية، الحضرية منها بخاصة، ببداية تشكل فئة جديدة وسطى هي البرجوازية.

وبذلك أمكن للوغوف أن يكتشف أن العصر الوسيط مرحلة أساسية في تكون المجتمع الغربي وثقافته. ففيه نشأ العنصر المؤسس للهوية الجمعية أي المسيحية. وفيه بدأ تكوُّن الدولة وفكرة السيادة. وفيه أيضا ظهرت اللغة الفرنسية، وبدأ التطور العمراني وتشكل المدينة العصرية، التي صارت مركز السلطة، وظهور الجامعات كظاهرة مدينية أوروبية. بل إن أوروبا نفسها في نظره نشأت في العصر الوسيط. وهو إذ يعيد لهذا العصر اعتباره، لا يغفل عن ذكر مساويه، كمحاكم التفتيش والتعذيب والاسترقاق، بل إنه لا يتمنى أن يعيش فيه ولا أن يصبح أسطورة.

علاقة لوغوف بذلك العصر بدأت عام 1957 بكتاب عنوانه “المثقفون في العصر الوسيط” أثار إعجاب أستاذه موريس لومبار المتخصص في الإسلام القروسطي، فأثنى على تلميذه النابه الذي يحذق، إلى جانب تخصصه، عدة لغات كالألمانية والبولندية والإنكليزية، وتوسط له لدى فرناند بروديل الذي أعجب هو أيضا بالكتاب، فمنح صاحبه وظيفة أستاذ مساعد بالمعهد التطبيقي للدراسات العليا، الذي تأسس في عهد الإمبراطورية الثانية لاستقبال الباحثين غير الأكاديميين، أي من أدركتهم حرفة البحث في سن متأخرة، أو خارج المؤسسات الرسمية. وبعد تقلبه بين المعهد التطبيقي وإدارة مجلة “الحوليات”، بعث عام 1975 مؤسسة مستقلة، هي معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، بقي على رأسها طوال سنتين قبل أن ينصرف إلى تأليف كتب تخرج العصر الوسيط من الظلمات إلى النور مثل “حضارة الغرب القروسطي” و”من أجل قرن وسيط مختلف” و”المخيالالقروسطي”… واصل فيها سعيه إلى تاريخ شامل، يضم سائر العلوم الأخرى، متمثلا فكر “الحوليات” حينما كان برفقة جورج دوبي ومارك فيرّو وإمانويل لوروا لادوري. هذه “المدرسة”، التي نشأت عام 1929 بجهودلوسيان فيفر ومارك بلوك لتغطية حقل معرفي كان حكرا على مؤرخي القانون والاقتصاد، قدمت دراسات طريفة بأقلام مؤرخين شبان سوف يكون لهم شأن في ما بعد، مثل فرناند بروديل وفيليب أرييس وبيير شونو. ولكن عيبها أنها صارت متعالية، تروم فرض فلسفتها على الآخرين.

عرف لوغوف عالميا كأكبر متخصص في تاريخ العصر الوسيط

أما لوغوف، وإن ظل وفيا لتقاليد “الحوليات” فقد دافع مع بعض زملائه عن “تاريخ جديد” يسعى إلى دراسة المجتمع في شتى أبعاده، مادية كانت أم ذهنية أم روحية، تحدوه رغبة، مثل لوسيان فيفر قبله، في نشر مبدأ الثقافة العامة، فلا يمكن في نظره أن نشتغل على التاريخ دون الاهتمام بالقانون والجغرافيا والأدب والفلسفة والعادات والعقليات والحساسيات… لذلك لم يلغ لوغوفالبيوغرافيا كما فعل زملاؤه، بدعوى أن الزمن تجاوزها، بل أمعن في التوسل بها وأثبت قدرتها على التأريخ لمرحلة ما من خلال كتابه الضخم عن “لويس التاسع” أو القديس لويس عام 1996، ثم كتاب ثان عن “سان فرنسوا داسيز” عام 1999.

إن ما يميز لوغوف عن غيره من المؤرخين إلمامه بمختلف معارف عصره وفنونه، يحدثك عن التيارات الفلسفية والأدبية وعن الحركات الفنية والمذاهب الدينية، وعن أصل الأجناس والنشوء والارتقاء حديثه عن وقائع التاريخ وأبطاله، فعمله الأكاديمي كان دائما مشفوعا بتأمل عميق في وظيفة المؤرخ وصدقه ونزاهته، رغم إقراره بأنه يستحيل أن يكون المؤرخون موضوعيين، “لأن التاريخ، في رأيه، يثير الأهواء، ومن الصعب أن نغض الطرف عن مجريات الواقع الراهن”.

مثلما يتميز بحرصه على تعريف القارئ العادي بتاريخ العالم وحضاراته المتعاقبة. في الآونة الأخيرة، صدرت تحت إشرافه الأعداد الأولى من سلسلة أنيقة من ثلاثين مجلدا تحت عنوان “تاريخ وحضارات” ضمن منشورات “لوموند”.

ولما سألته الجريدة نفسها عن تبنيه هذا المشروع(في حديث أجرته معه في 23 يناير الماضي ) أجاب : “هذه السلسلة تلبي أمرا جوهريا في مجال نشر علم التاريخ، ذلك أن وضع جملة من المعارف بين أيدي أكبر عدد ممكن من القراء غير متبحرين في العلمضروري لتربية إنسان هذا العصر وتكوينه. خصوصا وأن تدريس التاريخ يشهد تراجعا في بلدان كثيرة من بينها فرنسا، وهو في نظري خطأ جسيم، لأن التاريخ ضروري، سواء للفرد أو للجماعة، لفهم العالم ودورنا في مسيرته".

راو عظيم قادر على إحياء الماضي كان يحسن تحويل التاريخ إلى حكايات فاتنة

وفي رأيه أن المؤرخين يمكن أن يقدموا شيئين : أولا، معرفة الموروثات، لأن التاريخ في جانب منه يحيا بها. ثانيا، لأن معرفة التاريخ والإلمام بالفكر التاريخي يساعداننا على أن نستعمل بوجه أفضل ما يشكل معطى أساسيا لوجودنا فرادى وجماعات، أي الزمن. “نحن نتطور ونتغير بتغير العالم. وهذه التغيرات يجمّعها التاريخ ويؤلف بينها. “

فهو لا يكتفي بمعاينة الماضي، بل يحاول أيضا تأمل الحاضر واستشراف المستقبل، خصوصا في هذا الكون المعولم الذي صار ينبئ بهيمنة حضارة واحدة. وفي هذا يقول : “لقد دخلنا مرحلة جديدة من التاريخ، أداتها الأساسية الحاسوب. نحن نواجه آلة لم تنتشر بعد في كل مكان، ولم يبلغ استعمالها أقصاه بالدرجة نفسها في مختلف أنحاء العالم. لأول مرة في التاريخ نجد أنفسنا أمام آلة سوف تنتشر عالميا، أكثر من التلفون والتلفزيون، بشكل قد ينسج حضارة رقمية. نحن اليوم في مرحلة التحسس، ولا بد أن ننتظر بعض الوقت لكي نعرف إن كانت ستتوصل إلى خلق حضارة جديدة.” ولو أن الحضارة بالنسبة إليه، بخلاف الثقافة التي تتلخص في مجموعة من السلوك والعادات، تقوم على الجمال والعدل والنظام. فأي عدل وأي نظام في عالم يرزح تحت هيمنة حضارة واحدة !

وكان لوغوفإلى ذلك قارئا نهما، وطُلَعَة لا حدود لفضوله العلمي، متواضعا لا يرفض تقديم مؤلفات غيره، ولا تبنّـي أشغالهم والإسهام في التعريف بهم وفرضهم أكاديميا، كما فعل مع جاك غوديو ماسيمو مونتاريو جوزينب فونتانا وفرانكو غارديني وباولو غروسي…

قال عنه المؤرخ بيير نورا : “أخرج لوغوف العصر الوسيط من الليل البهيم، وأجلى نوره الداخلي. وتوصل إلى جعل التاريخ علم إناسة. هو آخر العمالقة، مؤرخ من فصيلة مارك بلوك وفرناند بروديل، وهو فوق ذلك رجل كريم، وهذا أمر نادر في الوسط الثقافي.”

وقال المؤرخ جان كلود شميت : “لقد بسط لوغوف سلطانه على مادته. وطريقته لولوج النصوص القروسطية مدهشة، مذهلة. كان قادرا أن يخلق من كلمة واحدة، مشهدا كاملا، وكونا بأسره.”أما صديقه أمبرتو إيكو الذي وجد فيه السند التاريخي القويم عند تحويل روايته الشهيرة “اسم الوردة” إلى شريط سينمائي بالعنوان نفسه وإخراج الفرنسي جان جاك أنّو،فقد نعاه في مقال بجريدة “لاريبوبليكا” الإيطالية جاء فيه : “هو راو عظيم قادر على إحياء الماضي، كان يحسن تحويل التاريخ إلى حكايات فاتنة، بوصفه أديبا وافي الشروط.” وأثنى على نضاله ضد العنصرية، ودعوته إلى التسامح بين مختلف الشعوب، ضمن الأكاديمية العالمية للثقافات التي حرر بنفسه ميثاقها. فيما وصفه بلوك بـ “المؤرخ الغول” أو “غول التاريخ”، ولعله استمدّ ذلك من قولة عرَّف بها لوغوفالمؤرخَ : “المؤرخ الجيد يشبه غول الخرافة. حيثما شمّ رائحة اللحم البشري، أدرك أنّ طريدته هناك.”

14