رحيل دوريس ليسينغ حاملة نوبل للآداب تاركة وراءها ثروة أدبية

الاثنين 2013/11/18
ظلت ليسينغ تتأمل الكون ببصيرة شبه صوفية

لندن- لطالما استحضرتُ كلمات الكاتبة البريطانية فيرجينيا ولف في كتابها "الأمواج" (1931)، وهي تعلن "الانهيار مصيري. سوف يهزأ بي الهازئون طيلة حياتي. سوف أكون رِمية تطرحها الأيدي يميناً ويساراً بين هؤلاء الرجال والنساء، بوجوههم المرتجفة، بألسنتهم الكاذبة، كقطعة من الفلين في بحر هائج، كشريطة من العشب أرتمي بعيداً كلما انفتح الباب". هكذا تبدأ حيوات ترسمها الروائية البريطانية دوريس ليسينغ (1919-2013)، ولكنها تنتهي كحياة ليسينغ ذاتها، حياة انقضَت بوفاتها ظهر أمس: حافلة غير هيابة، تشاكس الجميع، رفقاء وسلطة، بل وحكومات، نسوية وغير نسوية في آن واحد، ومن المعجِز كيف يسع هذه الشخصيات أن تتلون وتتكيف لتبزغ من أسفل التراب وتسير على قدمين ثابتتين.

حين نالت ليسينغ جائزة نوبل عام 2007 وصفتها لجنة التحكيم السويدية بأنها "كاتبة أخضعت بشكوكها وحسها المتقد وقدرتها على الابتكار حضارة منقسمة للفحص والتمحيص". لم تترك ليسينغ نوعاً أدبياً إلا وطرقته لتخلف لنا ستين كتاباً في القصة القصيرة والرواية القصيرة والرواية والشعر والنقد والمسرح بل والأوبرا. اعتمدت كتبها غير القصصية على التزامها الجاد بالشؤون السياسية والاجتماعية معبِّرة عن الصدام بين الثقافات والظلم الفادح الناجم عن التفرقة العرقية والصراع بين عناصر متضاربة داخل شخصية الفرد والانقسام بين ضمير الفرد ومصلحة الجماعة.

تشجب قصصها القصيرة ورواياتها الدائرة في أفريقيا – المنشورة في العقد السادس من القرن العشرين – طرد المستعمرين البيض للسود من أراضيهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، كما تفضح عقم ثقافة البيض في أفريقيا. كانت روديسيا الجنوبية وجنوب أفريقيا قد منعتا ليسينغ عام 1956 من دخول أراضيهما لمدة خمسة وعشرين عاماً بسبب موقفها الرافض للسياسات العنصرية ومعارضتها لحكومة أقلية بيضاء. المفارقة أن جنوب أفريقيا رحبت بها حين زارتها عام 1995 باعتبارها كاتبة تناصر قضايا نبذتها بسببها منذ أربعين عاماً. وعندما قلدتها الملكة إليزابيث الثانية ملكة إنكلترا وسام "مرافق الشرف" عام 1999. صرحت ليسينغ بأنها رفضت عرض بريطانيا منحها لقب سيدة الإمبراطورية البريطانية لأن "الإمبراطورية لم تعد موجودة." أمَّا "مرافق الشرف" فيعني "أنكَ لا تُسمى بأي شيء – وهو ما لا يتطلب الكثير. يروقني ذلك".

غالباً ما يصطبغ أدب ليسينغ بصبغة سيرتها الذاتية

متعة وألم

غالباً ما يصطبغ أدب ليسينغ بصبغة سيرتها الذاتية، إذ نبع عدد من روايتها من طفولة تعيسة كابدتها وعلاقة مضطربة جمعتها بوالديها ونشأتها الأولى في أفريقيا. تتراءى علاقتها بالدين غائمة إلا حين وصفت طفولتها في مدرسة للراهبات بأنها "مزيح غير متساو من القليل من المتعة والكثير من الألم". وضعت ليسينغ حداً لتعليمها الرسمي في الثالثة عشرة، وقد أعلنت ذات مرة أن الطفولة البائسة تنتج على ما يبدو أدباء، "لا شك أني لم أفكر وقتئذ في أن أكون كاتبة – ما دار ببالي سوى أن أهرب، طيلة الوقت".

انجذبت ليسينغ في الأربعينات إلى أعضاء شاركوها نفس الأفكار في نادي الكِتاب اليساري، جماعة من الشيوعيين "قرؤوا كل شيء على حين لم يظنوا القراءة شيئاً مميَزاً". كما انضمت إلى الحزب الاشتراكي البريطاني، ولكن حقيقة الحركة الشيوعية تكشفت لعينيها إبان سحق انتفاضة المجر وبعد الحرب العالمية الثانية فنبذتها تماماً عام 1954. وحين صارت عضواً في اللجنة الإدارية لجمعية الكُتاب في لندن، قالت مازحة إنهم "توقعوا مني الخداع والنفاق اللذين يميزان الشيوعيين!"

ومع هذا التحرر من الوهم يسرد كتابها "عصفت الرياح بكلماتنا" (1987) مسيرة المقاومة الأفغانية إبان الاحتلال السوفيتي، "في مواجهة أسلحة دمار متطورة وما يزيد على 100000 جندي روسي، واصل مقاتلو المقاومة الأفغانية – المجاهدون – كفاحهم في سبيل الحرية". انخرطت ليسينغ عبر السنوات مع المقاومة الأفغانية من خلال منظمة الإغاثة الأفغانية، وفي سبتمبر/أيلول 1986 طارت إلى مدينة بيشاور في باكستان، وهناك رأت ما وصفته بأنه "حال مأساوي" يعيشه الشعب الأفغاني.

حالة لا تناسبني

لم تؤمن ليسينغ يوماً بمؤسسة الزواج، "إنها حالة لا تناسبني". انتقدت عصر أمها مُر الانتقاد، "هناك جيل كامل من النساء تراءت حيواتهن وكأنها توقفت حين رزقن أطفالاً. أصبح أغلبهن عصابيات – بسبب، على ما أظن، التناقض بين ما تعلمن بالمدارس أن في مقدورهن عمله وما جرى لهن في الواقع".

هاجم النقاد ليسينغ بأنها غير أنثوية في تصوير الغضب والعدوان الأنثوي بروايتها "المفكرة الذهبية" (1962). ولأنها كانت تتسم دوماً بشجاعة الرد، أفحمتهم قائلة، "البادي أن ما تفكر فيه العديد من النساء ويشعرن به ويكابدنه بث عظيم الدهشة في نفوس الكثيرين". كما استنكر أحد النقاد أن آنا ولف، بطلة الرواية، تحاول أن تعيش بحرية رجل. نقطة أكدتها ليسينغ، فقد اعتقدت أن تلك المواقف في كتابات الرجل مُسَلم بها، مقبولة كأسس فلسفية سليمة، طبيعية تماماً، وليست بالقطع مواقف كارهة للمرأة أو عدوانية أو عصابية. وفي الوقت ذاته لم تسلم ليسينغ من نقد الأكاديميين من دعاة المساواة. الحق أنها لم تكون نسوية كما كانت الكلمة تعني وقتذاك. لا ريب أن "المفكرة الذهبية" كانت بمثابة إنجيلاً نسوياً رائداً غير أن ليسينغ رفضت مبدأ المساواة بين الجنسين مؤكدة أنها ليست من مؤيدي هذه المساواة، ولم تكن من مؤيديها في يوم من الأيام. وقد عبَّرت عدة مرات عن عدم قبولها للحركات النسوية، "تلك النساء اللاتي أصبحن مريعات مع رجالهن". وفي مناسبات عدة ناقشت ما يعانيه الرجل في أوروبا من تهميش النساء له!

قلت كل شيء

طفقت ليسينغ في العقد الثامن من القرن العشرين تتأمل الكون ببصيرة شبه صوفية، وعكست روايات الخيال العلمي "اجتماع للهبوط إلى الجحيم" (1971) و"مذكرات ناجية" (1974) و"سلسلة سهيل في آرجوس: سجلات" (1983-1979) ارتباط ليسينغ الروحي بالمفكر الصوفي الأفغاني الأصل إدريس شاه الذي تشدد كتاباته في التصوف على تطور الضمير والإيمان بأن التحرر الفردي لن يتحقق إلا بعد أن يفهم الناس العلاقة بين أقدارهم وقدر المجتمع. نعته ليسينغ بعد وفاته قائلة: "بدا كتابه "الصوفيون" أكثر الكتب التي قرأتُها في حياتي إدهاشاً، وكأنني كنت في انتظار قراءة ذلك الكتاب طيلة حياتي. من المبتذل أن أقول إن كتاباً غيَّر حياة فرد غير أن ذلك الكتاب غيَّر حياتي".

انتهت علاقة ليسينغ بالكتابة بعد رواية "ألفريد وإيميلي" (2008)، "لم يبق شيء لم أقله". تسبر في الرواية حياة والديها التي حطمتها الحرب العالمية الأولى، إذ انتهت بفقدان أبيها لساقه وصحته، وتشربت في سنواتها الأولى ذكريات أبيها المريرة عن الحرب كمن تتشرب "سُمَّاً".

مؤلفات ليسينغ
الإصدارات الروائية

"العشب يغني" عام 1950، "خمس: روايات قصيرة" عام 1953، "زواج ملائم" عام 1954، "مارثا كويست" عام 1952، "مويجة من العاصفة" عام 1958، "محاط بالأرض" عام 1965 و"مدينة بأربع بوابات" عام 1969.

المجاميع القصصية

"كان هذا بلد الزعيم العجوز" عام 1951، "عادة الحب" عام 1957، "رجل وامرأتان" عام 1963، "قصص أفريقية" عام 1964، شتاء في يوليو" عام 1966، "القطط بالأخص" عام 1967، "قصة رجل لا يتزوج "عام1972 ، "لندن تحت الملاحظة" عام 1992، "جواسيس عرفتُهم" عام 1995.

روايات الخيال العلمي

"اجتماع للهبوط إلى الجحيم" (1971) و"مذكرات ناجية"(1974) و"سلسلة سهيل في آرجوس: سجلات" (1983-1979) ، "الصيف الذي سبق الظلام" (1973) "مذكرات ناجية من الموت" عام 1974 ، "رد: كوكب مستعمَر 5، شيكاستا" عام 1979 ، "زواج المناطق ثلاثة وأربعة وخمسة" عام 1980، "التجارب السيريانية" عام 1980، "تعيين ممثل للكوكب 8" عام 1982، "العملاء العاطفيون في إمبراطورية فوليان" عام 1983، " مذكرات جارة طيبة" عام 1983 تحت اسم مستعار هو جين سامرز، " إن استطاع الكبار" عام 1984 تحت اسم مستعار هو جين سامرز، "الإرهابي الطيب" عام 1985 رواية" الطفل الخامس" عام رواية "لعب اللعبة" عام 1995 ،"الحب، مرة أخرى "عام 1996. رواية "مارا ودان: مغامرة في يناير" من عام 1999. رواية" بن، في العالم" عام 2000، رواية" أحلى حلم" عام2001.، "قصة الجنرال دان وابنة مارا، جيريو وكلب الثلج" عام 200، "الشق" عام 2007 روايتها الأخيرة "ألفريد وإيميلي" عام 2008.

لقد شكلتها الحرب. شوهتها تشويهاً، "والظاهر أننا ننسى." تتخيل ليسينغ في الجزء الأول من الكتاب حياة سعيدة لوالديها لو لم تندلع الحرب، ويتبع ذلك الجزء تأمل ثاقب لعلاقتهما الحقيقية في أعقاب الحرب وانتقالهما إلى أفريقيا.

لقد أخذت ليسينغ بأسباب حياة مهنية أشبه بالرحلة الحافلة بالمفاجآت طيلة الطريق، اختبرت عملية لا تنقطع للتخلص من الأوهام والأفكار المسبقة. لم تلجأ إلى الصراخ النسوي الخليق بكتابات نظيراتها، ولم تتبن قط موقف الضعيف، وإنما رسمت صوراً لنساء يتخذن القرارات في هدوء ويتحملن نتائجها بلا اكتراث، فجسدت الغاية من الحركة النسوية بدون الحركة ذاتها بكل ما عابها من نقائص وشطحات في منتصف القرن العشرين.


مقاطع من قصة " هجوم معتدل للجراد "


انتقلت أسرة ليسينغ عام 1924 إلى المستعمرة البريطانية روديسيا الجنوبية وقتذاك، طلباً للثراء عن طريق زراعة الذرة. اشترت الأسرة مزرعة مكونة من 15000 آكر إلا أنها لم تدر أرباحاً على عكس التوقعات، ومن هذه التجربة استوحت قصتها "هجوم معتدل للجراد" (1955).

... ثم ركضوا ثانية مبتعدين، والرجلان معهم، وخلال عدة دقائق أبصرت مارجريت دخان النيران يتصاعد من كل أرجاء المزارع. حين أتت تحذيرات الحكومة، تجهز ركاما من الخشب والعشب في كل حقل محروث. بزغت الذرة للتوّ في سبع رقع من تربة جرداء محروثة لتتبدى طبقة رقيقة من اللون الأخضر الزاهي فوق الأحمر الغامق الصارخ، وحول كل رقعة علت الآن ببطء سحب سميكة من الدخان. رمى الرجال أوراق شجر مبتلة في النيران ليجعلوا الدخان لاذعا أسود. كانت مارجريت ترصد التلال. تقدمت هناك الآن سحابة طويلة منخفضة بلون لا يزال بالصدإ أشبه، تتضخم إلى الأمام ومن الجانبين وهي تشاهدها. كان الهاتف يرن:

– إنهم الجيران يقولون أسرعوا، أسرعوا، ها قد أتى الجراد! لقد التهم بالفعل محصول العجوز سميث عن آخره. أسرعوا، أشعلوا نيرانكم!

لا شك أنه بينما تمنى كل مزارع أن يغفل الجراد عن مزرعته ويتابع مسيرته إلى التالية، كان من الإنصاف مع ذلك أن يُحذر الآخرين؛ لا بدّ للمرء أن ينافس بنزاهة. تعالى الدخان في كل مكان من عدد لا حصر له من النيران على امتداد خمسين ميلا فوق الريف. ردت مارجريت على المكالمات، ووقفت بين المكالمة والأخرى لتراقب الجراد. أظلم الهواء ظلمة غريبة لأن الشمس كانت تتوهج بأشعتها، كانت أشبه بظلمة نيران المروج حين يزخر الهواء بالدخان ويهبط ضوء الشمس مشوّها بلون برتقالي قاتم ساخن. كما قبضت على الصدور بثقل العاصفة. أقبل الجراد سريعا. عتمت الآن نصف السماء. وخلْف الحجب الضاربة إلى الحمرة في المقدمة – طليعة السرب – ظهر السرب الأساسي في سحب ملتزة سوداء تكاد تمتدّ إلى الشمس نفسها.

كان الجراد يقع عندئذ كالبَرَد على سطح المطبخ. بدا للآذان وكأن عاصفة هوجاء تهب، أطلت مارجريت خارجا فأبصرت الهواء مظلما بشبكة من الحشرات، جزت على أسنانها وجرت خارجة إليها؛ لا يُعجزها أن تفعل ما يفعله الرجال. كثُف الهواء فوق رأسها – الجراد في كل مكان. ارتطم الجراد بها فأزاحته عنها – مخلوقات ثقيلة بنية تشوبها حمرة، ترمقها بعيون كالخرز مثلها مثل عيون الرجال العُجز فيما تلتصق بها بأرجل مشرشرة صلبة. حبست أنفاسها اشمئزازا ومرقت من الباب راجعة إلى المنزل. بل إن إحساسها هناك كان أقرب إلى إحساس مَن يتعرض لعاصفة هوجاء، إذ ارتج السقف الحديدي بفعل الصخب، وأتت من الأرض جلبة الحديد المقروع كما الرعد.

عندما مدت ناظريها إلى الخارج، ألْفت جميع الأشجار غريبة الشكل ساكنة بلا حراك، تتكتل بالحشرات وقد ثقُلت أغصانها بحِملها حتى الأرض. بدت الكرة الأرضية كالمتحركة مع زحف الجراد في كل بقعة؛ لم يسعها على الإطلاق رؤية الأرض، لا حدّ لكثافة السرب. وفي اتجاه الجبال، لاح المشهد للناظر شبيها بالأمطار العاتية؛ وعلى حين كانت تراقب، توارت الشمس تماما وراء هجوم جديد للحشرات. كانت نصف ليلة، ظلام لا يبرأ من التشويه. ثم وردت من الأدغال طقطقة حادة – انقصف غصن، ثم آخر. وفي أسفل المنحدر مالت شجرة بطيئة ثم استقرت ثقيلة على الأرض. أقبل أحد الرجال وهو يجري عبر وابل الحشرات. نحتاج إلى المزيد من الشاي والمزيد من المياه؛ أمدته مارجريت بهما. أبقت النيران مؤججة وملأت الصفائح بالسوائل، ثم حلت الرابعة بعد الظهر والجراد يتدفق فوق الرؤوس منذ ساعتين.
تركت وراءها ثروة أدبية تتكون من 60 كتابا

جلست مارجريت وآيات القنوط تحل عليها، ثم دار ببالها، طيب، لو أنها النهاية حقا، فلا حيلة لنا. ما العمل الآن؟ سوف نُرغم نحن الثلاثة على الرجوع إلى البلدة. لكنها سددت في هذه اللحظة لمحة خاطفة إلى ستيفِن، عجوز فلح الأرض أربعين عاما في هذا البلد وعرَف الإفلاس مرتين من قبل، ففطنت أن شيئا لن يَحمله على الذهاب ليشتغل بائعا في المدينة. توجع قلبها له؛ كلله إنهاك أي إنهاك وبانت تجاعيد القلق عميقة من أنفه حتى فمه. العجوز المسكين. رفع جرادة دخلت بصورة ما في جيبه ليمسكها في الهواء من رِجل واحدة. "لديكِ قوة زنبرك من الصلب في هاتين الرجلين"، خاطب الجرادة بلهجة تنمّ عن الود. ثم، ورغم أنه ظل خلال ثلاث الساعات الماضية يكافح الجراد ويسحق الجراد ويصرخ في الجراد ويجرفه في أكوام هائلة لتحرقه النيران، صحب مع ذلك هذه الواحدة إلى الباب وقذفها خارجا بيد حذرة لتنضمّ إلى رفيقاتها وكأنما يُفضل ألا يمس شعرة من رأسها. بث المنظر قدرا من العزاء في نفس مارجريت؛ وإذا بها يتولاها شعور بابتهاج عار من المنطق. فقد استحضرت أنها ليست أول مرة يعلن فيها الرجلان خلال ثلاث السنوات السابقة أنهما هلكا هلاكا نهائيا بلا سبيل إلى الإصلاح.

جعلت مارجريت تبكي. يئست من الوضع كله كل اليأس. إن لم يكن موسما سيئا، كان الجراد؛ إن لم يكن الجراد، كانت ديدان الجيش أو نيران المروج. هناك دوما شيء. تراءى حفيف جيوش الجراد كغابة كبيرة في خضم عاصفة. غاب سطح الأرض تحت تيار بني صقيل يجيش؛ وكأنه غارق في الجراد، يغمره طوفان بني تعافه النفس. بدا وكأن السقف قد يغور تحت ثقله، وكأن الباب قد يستسلم تحت ضغطه لتعجّ به هذه الحجرات – وكان الظلام الدامس يرخي سدوله. أطلت من النافذة ليرتقي طرفها إلى السماء. قلت كثافة الهواء؛ ظهرت فجوات زرقاء في السحب الداكنة المتحركة. برُدت المسافات الزرقاء وتضاءلت؛ لا بدّ وأن الشمس تغرب. تبينت عبر ضباب الحشرات أشكالا تدنو. أولا ستيفِن العجوز وهو يسير قدما بخطى شجاعة ثم زوجها وقد عراه الهزال والإنهاك من فرط التعب، وخلفهما جاء الخدم. اكتسوا جميعا بالحشرات. كف صوت الأجراس. ما ترامى إلى أذني مارجريت إلا الحفيف المتواصل لعدد لا عدّ له ولا حصر من الأجنحة.

16