رحيل سعيد الكفراوي ناسك القصة القصيرة وآخر المخلصين لها

الكاتب المصري ظل مخلصا للكتابة ولفن القصة رغم الإنكار لفترة طويلة من الزمن، إلى أن تمكن من حفر اسمه وترسيخ تجربته الأدبية الهامة في مصر وخارجها.
الاثنين 2020/11/16
كاتب استمد قوته من صدقه

القاهرة – توفي الكاتب المصري سعيد الكفراوي يوم السبت 14 نوفمبر الجاري عن عمر ناهز 81 عاما، بعدما أثرى الساحة الأدبية عامة وفن القصة القصيرة خاصة بأعمال مميزة تُرجم بعضها إلى عدد من اللغات الأجنبية.

ونعاه أدباء وصحافيون من مصر وخارجها في رسائل حزينة عبر مواقع التواصل الاجتماعي منهم الكويتي طالب الرفاعي رئيس مجلس أمناء جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية الذي كتب على تويتر “سقط اليوم غصن كبير من شجرة القصة القصيرة العربية”.

وأضاف “سعيد الكفراوي ليس قاصا مبدعا حافظ على صلته الوطيدة بفن القصة، لكنه ذاكرة إنسانية مصرية عربية عظيمة”.

كما أشار الكاتب المغربي ياسين عدنان إلى حوار له مع الراحل أسره فيه بأنه عاكف على كتابة رواية، قائلا “تلك الرواية التي لم تُنْشَر قطّ. وأخشى ألا تصدر أبدًا”. معتبرا رحيل الكفراوي “خسارة فادحة للقصة القصيرة العربية التي تفقد اليوم ناسكها”.

أعمال أدبية ترجمت للغات الأجنبية
أعمال أدبية ترجمت للغات الأجنبية

أما الكاتب والمترجم السوري بدرالدين عرودكي فقال “سعيد الكفراوي، أحد كبار علامات القصة القصيرة العربية، والشخصية الساحرة التي تحكي روعة مصر التي أحب. كان سعيد الكفراوي في مواجهتي في المجمع الأسبوعي الذي أتاح لي فيه وحيد طويلة فرصة لقائه ولقاء أحبة أعرفهم جميعًا، وأعرف أنهم يبكون مثلي رحيل سعيد”.

وكتب الروائي المصري عزت القمحاوي “تعب سعيد الكفراوي من توديع الأصدقاء، كان أول من يحضر مع أول توجع لصديق، ولا ينصرف إلا بعد الشفاء أو بعد أن يطمئن على نومته. العزاء لحوريس وعمرو، ولكل محبي سعيد الكفراوي. المرض هو الحالة الأسوأ لنا ولمن نحبهم. لكن الموت مؤلم، خصوصا موت من يترك لنا مع كتابته هذه الابتسامة التي نصفها حزن”.

وولد الكفراوي عام 1939 في قرية كفر حجازي بالمحلة الكبرى وبدأ كتابة القصة القصيرة في حقبة الستينات، وهو الفن الذي ظل مخلصا له على مدى عقود رغم اتجاه معظم أبناء جيله لاحقا إلى كتابة الرواية. كوّن مع عدد من أصدقائه ناديا أدبيا في قصر ثقافة المحلة وتعرض للاعتقال لفترة قصيرة في 1970 بسبب قصة كتبها آنذاك.
من أبرز مجموعاته القصصية نذكر “زبيدة والوحش” و“أيام الأنتيكة” و“مدينة الموت الجميل” و“سدرة المنتهى” و“مجرى العيون” و“البغدادية” و“يا قلب مين يشتريك” و“بيت للعابرين”.

كما رأس تحرير سلسلة “آفاق عربية” التي تصدر عن الهيئة المصرية للكتاب وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2016، وقبلها جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي في مجال القصة القصيرة من سلطنة عمان.

الكتابة الحقيقية الصادقة
الكتابة الحقيقية الصادقة 

الكتابة عند الكفراوي ليست بالفعل السطحي، وفي حوار سابق مع مجلة “الجديد” الثقافية اللندنية قال الكفراوي “أباشر الكتابة بعدما يتكوّن بداخلي إحساس غامض بالموضوع، ثمة شيء موجود وملموس على مستوى المشاعر، رسم الشخصيات والمكان والإحساس بالزمان، بهذا الإحساس الغامض أدخل على الكتابة. النص لا أعرف خاتمته لكن يفرضها التطور في الكتابة وفي حركة الشخوص والمعاني”.

وأضاف “تستمد الكتابة تلك القوة من صدقها، نتعب على تجسيد الناس حتى يستمدّوا حقيقتهم ويعيشوا طويلا على الورق، الكتابة الحقيقية صادقة كي تستمر الشخصيات والأحداث والزمان والمكان طويلا على الورق وتقرأها الأجيال بشغف”.

وتابع الكاتب “أنا من جيل لم أنتظر شيئًا من الكتابة. كل الكُتّاب هجروا إلى الرواية وأنا قابع في تلك المنطقة مع قليلين منذ أن أطلق جابر عصفور صيحة ‘زمن الرواية‘. في السنوات القليلة القادمة أتمنّى أن أكتب كتابة خالصة ليس هدفها أيّ شيء سوى نص إنساني، كان إبراهيم أصلان يقول ‘دعونا لا نحدث الناس عن الحرية والعدل ولكن نساعدهم أن يعيشوا في حرية وعدل‘. الكتابة الخالصة لمعنى نبيل هو ما أتمنى أن أختم حياتي به”.

وحول تتويجه بجائزة القصة القصيرة في سلطنة عمان قال الكفراوي “أكتب القصة منذ ستينات القرن العشرين مع جيل حصل على هذه الجائزة في وقت باكر بينما لم يلتفت إلي أحد خاصة بعد هيمنة فكرة ‘زمن الرواية‘ إلى أن جاءت هذه الجائزة متأخرًا لتكون بمثابة امتنان لرجل قضى حياته كلها في الكتابة القصصية، تلك الجائزة مهمة لأنها لا تمثل مؤسسة كما أنها تتسم بالنزاهة والمصداقية، ولها دور كبير في لفت انتباه الإعلام للكاتب”.

ولذا ظل سعيد الكفراوي مخلصا للكتابة ولفن القصة رغم الإنكار لفترة طويلة من الزمن، إلى أن تمكن من حفر اسمه وترسيخ تجربته الأدبية الهامة في مصر وخارجها، فكان المثال الحي على المثابرة والمشروع الأدبي الصادق الذي لا يروم من الكتابة سوى الكتابة.

15