رحيل سعيد عقل الصائغ الأمهر وآخر شعراء المدرسة الشامية

السبت 2014/11/29
الرئيس اللبناني ميشال سليمان يكرم المبدع الراحل سعيد عقل

بيروت- غيّب الموت، أمس الجمعة، الشاعر اللبناني سعيد عقل، عن عمر يناهز 102 عام، وقد نعاه العديد من المثقفين والشعراء والشخصيات البارزة مثل الرئيس اللبناني سعد الحريري والناقد الدكتور يوسف نوفل، بعدما أثرى الحياة الفنية والثقافية بالعديد من الأعمال الشعرية، التي ما زالت خالدة في الوجدان.

ولد سعيد عقل في محافظة البقاع بلبنان، وعمل في التعليم والصحافة في جرائد “المعرض” و”لسان الحال” “البرق” و”الجريدة” ومجلة “الصيّاد”، كما يعتبر من أكبر دعاة القومية اللبنانية، حيث ساهم في تأسيس حزب “التجدد اللبناني” عام 1972، كما كان يعتبر الأب الروحي لحزب “حراس الأرز” الذي يتزعمه إتيان صقر. لُقب عقل بالشاعر الصغير لأنه كتب الشعر منذ طفولته، وله العديد من القصائد البارزة مثل قصيدة “سائليني”، “خذني بعينيك”، “يا شام عاد الصيف”، “مرّ بي”، فضلا عن عدد من المسرحيات مثل مسرحية “بنت يفتاح”، “قدموس”.

أصدر عددا من الكتب الهامة مثل كتاب “لبنان إن حكى”، الذي يتطرق إلى أمجاد لبنان بأسلوب قصصي، وكتاب “كأس الخمر” الذي يتضمّن مقدّمات لكتب منوّعة، و”يارا” وكتابي “كما الأعمدة”، و”خماسيات” و”كأس الخمر” وغيرها. كما أنشأ عقل سنة 1962 جائزة شعرية من ماله، تمنح لأفضل شخص يضيف مزيدا من الجمال إلى لبنان والعالم أجمع.

وفيما يتعلق بالمواقف السياسية، فقد كان للشاعر الراحل مواقف مثيرة للجدل، خاصة خلال الحرب اللبنانية، حيث رفض الوجود المسلح للفلسطينيين في لبنان، وعبر عن ترحيبه بالجيش الإسرائيلي خلال اجتياحه للبنان عام 1982.

“العرب” تنشر آراء واستذكارات من أدباء وشعراء ونقاد عرب عن الشاعر الراحل سعيد عقل.

إبراهيم الجبين: سعيد عقل الحوراني المتعصب للبنان

مات سعيد عقل، ولكن “ظمئ الشرق فيا شام اسكبي” لن تموت، مات سعيد عقل الذي رحّب بالجيش الإسرائيلي لطرد الفلسطينيين من لبنان، ولكن “القدس في البال” لم تمت، ذهب جسد سعيد عقل إلى الفناء، وكان يؤمن بأنه خالد خلود اللغة اللبنانية التي اخترع لها أبجدية بحروف لاتينية، وخلود العربية التي طار في فضائها وكرومها المعتصرة.

شاعر عبر القرن العشرين، وعاش مئة وسنتين، دون أن يتخلى لحظة عن كرسيّه الشعري الذي صنعه لنفسه، مستحضرا شخصية الشاعر العربي القديم، الغاضب والرقيق، المتأمّل والمتوثب، تحلّل من كل سلطان على نفسه، فلم يتردد في الإيمان بالقومية السورية، التي سبقها وتابع من بعدها إلى فضاء الوجود، كتب عن دمشق “قلب العروبة” كما كان يسمّيها، قبل صعود التيار القومي العربي، وتغنى، وهو المسيحي، ببستان هشام بن عبدالملك، وكلل الشام بالغار والنار، وقال لها: “أنت الأميرة تعلو باسمك الهامُ”.

“أواه بضعُ غمامات مشرّدةٌ في الأفق بعضٌ رؤى والبعض أحلامُ/ سألتهن أظللتنها صبحا/ شامُ التي وحدها للعود أنغامُ/ ما ألهمتني من صوت خلدت به/ كذا يخلّد شك السيف مقدامُ”.

جنونيٌّ كان حب سعيد عقل لما آمن به، مدن بثّت إشعاعها الحضاري دهورا، وبلاد ملفقة، لحق بها عقل، المسيحي المتعصّب غنّى لمكة رائعته الشهيرة “غنّيت مكة أهلها الصيدا/ والعيد يملأ أضلعي عيدا/ فرحوا فلألأ تحت كل سما/ بيت على بيت الهدى زيدا/وعلى اسم رب العالمين علا/ بنيانه كالشهب ممدودا/ يا قارئ القرآن صلِّ لهم/ أهلي هناك وطيب البيدا/ مَن راكعٌ ويداه أنستاه/ أن ليس يبقى الباب موصودا”، ولم يقبل سعيد عقل أن يختم قصيدته إلا بالمساواة التي اتهم بنقيضها” وأعزّ ربي الناس كلهمُ/ بيضاً فلا فرّقتَ أو سودا/ لا قطرةٌ إلا وتُخصبها/ إلا ويُعطى العطر ذا عودا”.

أصدر عقل عددا من الكتب الهامة مثل كتاب كما الاعمدة

وغنى لعمّان والأردن، والعراق وزار بغداد في العام 1996 متحديا هيمنة حافظ الأسد على لبنان وشعبه ونخبته، وقال شعرا في خالد بن الوليد الذي هدم بشار الأسد ضريحه: “أقول خالدُ شجّ الشعر متنفعا/ وخطّ طارقَ فوق البحر رسّامُ/ يا شام لبنان حبي غير أني/ لو توجع الشام تغدو حبي الشام”.

في مدينة زحلة على طريق الشام، رأى سعيد عقل العالم أول مرة، طفلا لعائلة حورانية من بلدة خربا ذات الأكثرية المسيحية، وعاش في نشأته الفقر وجذوة الثلاثينات، فتلقفته عوالم الصحافة، وبعد سنوات قليلة كان سعيد عقل يوقع كتابه الأول “بنت يتفاح” في العام 1935، على شكل عمل مسرحي شعري، ثم أصدر “المجدليّة” خالطا اللاهوت الذي عشقه بالشعرية العربية الجزلى، وذهب مع الأربعينات إلى “قدموس” حافرا في الهوية السورية الفنيقية، ليستكمل عقل بذلك خروجه من حورانيته ودخوله في لبنانيته إلى آخرها، ويتحوّل إلى مبشّر بالأمة اللبنانية، ثم “رندلى” ثم ” مشكلة النخبة” ثم ” كأس الخمر”، وبدأ مع “يارا” تجربة الشعر المحكي التي أبدع فيها كما أبدع في الفصحى، وأصرّ على طباعة كتابه “خماسيات” باللغة اللبنانية التي ابتكرها، ليلحقه بـ”خماسيات الصبا” بالعربية الفصحى، ثم انفتح على الفرنسية ليكتب بها شعره في ديوان “الذهب قصائد”، وذهب في أسئلة الوجود بعيدا في قصيدته “مشوار جينا عالدني مشوار”.

نظر سعيد عقل إلى نفسه، على أنه جبل من جبال لبنان، وامتدادٌ لكلمات الكتاب المقدّس، وعدّ نفسه أستاذ الفنون والآداب بمصاف كبار شعراء العالم وفلاسفتهم، فصدّقه اللبنانيون، ومجّدوه، وساهم غناء فيروز له روائعه الشعرية في تكريس ذاته المترفعة.

كتب سعيد عقل في كل شيء، في اللحظات السريّة للمراهقات، وفي الشمم المشرقي والروحانيات، وفي العشق والأمومة والتاريخ والعزلة الإنسانية، وبقي الموضوع الوحيد الذي لم يتغيّر في شعره ونثره، ذاته هو، التي لم يتسامح مع تناولها يوما فلم ير في شاعر منافسا ولا في مفكّر ندّا له.

سعيد عقل الشاعر الأصيل، عاش عنصريا فاشيا، وفقد ذاكرته مبكرا، فنسي أنه ابن نقاش مهاجر من قرى درعا السورية، من أسرة بني الحاج نعمة، كما هم معظم أهالي زحلة الذين أتوا من حوران خلال القرنين الماضيين، كآل صوايا ومعلوف وأبي خاطر وكذلك آل طراد المعروفون، ذهبت أسرة سعيد عقل، للعمل والحياة في لبنان قديما واستقرت هناك، لتحصل على جنسيتها اللبنانية بعد قيام الدولة اللبنانية، ولكن الحفيد سعيد عقل أصبح لبنانيا متعصبا كره العرب والفلسطينيين وسواهم، ورفع راية هوية لبنانية قال إن عمرها آلاف السنين.


كاتب من سوريا


منصف الوهايبي: شاعر المدرسة الشامية


سعيد عقل هو شاعر ينتمي إلى ما أسميه انا شخصيا "المدرسة الشامية في الشعر". وهي امتداد حديث، في رأيي، لما عهدناه من شعر أبي تمام والبحتري وصولا إلى إلياس أبي شبكة وعلي الجندي ونزار قباني، وقد لا يخفى أن هذه المدرسة اشتغلت على جمالية الصورة الشعرية واعتنت بها كما راوحت في تمظهرها بين الشفهية والكتابية أي إنها سعت إلى تحقيق ما يمتع الأذن والعين معا في الآن نفسه.

وسعيد عقل هو بالأساس شاعر غنائي كبير كما هو شأن نزار قباني، حيث مدار شعره هو مدار وجداني بالأساس وقد ترك أثرا بالغا في اللغة الشعرية، وخلق معجما جديدا لشعر الحب وحتى للغنائية بمفهومها الرومنطيقي بما هو ذاتي، ولئن احتفظ عقل بالإيقاع التقليدي والكلاسيكي للقصيدة العربية إلا أنه طعمه بروح جديد.

سعيد عقل رحل جسدا لكن قصائده ستظل في الوجدان والذاكرة


شاعر من تونس


جميل مروة: تخيل سعيد عقل


ما زرعه سعيد عقل يتلوى بفعل أعاصير الجهل ومواسم التسويف التي تضرب مجتمعنا لعقود سبع جعاف. فأثر سعيد عقل ونواصع أفكاره يتساوى إندثارها وألواح الطين المسمارية التى نقبها الغريب من الأرض التي ورثنا، ومجتمعه البعيد هو المستفيد من خير غلة المنقب، ونتاج قرون من البشر الذين سكنوا هاذي الديار التي ورثتا. تقول لي تخيل! نعم، أتخيل تلميذا جلودا طموحا في مكتبة في السويد أو البرازيل أو الصين منكبا على أعمال سعيد عقل، ولا أرى حتى سراب اهتمام من مجتمعنا.


صحافي من لبنان


بدرالدين عرودكي: حين يتعالى الشاعر على أهوائه

ربما كانت شخصية سعيد عقل أكثر شخصيات الشعراء العرب المعاصرين إشكالية.

إذ قلّ أن استثار شاعر عربي معاصر في نفوس معاصريه هذا القدر من المشاعر وردود الفعل المتناقضة مثلما أمكن لشعره ولمواقفه أن يفعلا.

فهو يبدع “غنيتُ مكة” و”سائليني يا شآم” و”قرأت مجدك” و”يا شآم” شعرا عربيا محضا في أجمل تجلياته، ويسمو بالعامية العربية في لبنان إلى أرهف ضروب التعبير، ويكتب -نثرا هذه المرة- بحجة الوقوف ضدّ الإرهاب ممجّدا من كان يجسّده بامتياز، مناحيم بيغن؟ بل وأدهى من ذلك: هو نفسه الذي غنى الحضارة والسماح وقوافل الأبطال يستقبل مفتوح الذراعين من جاء يحتل غازيا بلده ومدينته!

ذلك وجه من وجوه هذه الإشكالية. لكن الوجه الأشد إثارة أن هذا الشاعر الذي استكانت له اللغة العربية فكانت طوع بنانه، واستخلص منها الدرر والجواهر فوسعت قصائده الأرض العربية وتناقلتها الأسماع بصوت فيروز شدوا في كل مكان من أرجاء العالم الواسع، هذا الشاعر نفسه هو من كان يريد أن تنكمش اللغة العربية لتصير لغة لبنانية، وأن ينجز القطيعة معها باستبدال حروفها!

لكنّ القطيعة في الحقيقة كانت قائمة في الأساس بين سعيد عقل الشاعر وسعيد عقل المواطن، بين العبقرية الشعرية في أجمل تجلياتها وبين الضحالة السياسية في أشدّ مظاهر تهافتها، بين فضاء يتسع لما يتسع له الشعر الفريد وبين زنزانة الخوف والانكماش تعمي البصر والبصيرة.

يصعب عليك أن تفلت من لغته الشعرية وهي تأسرك بنسيجها وبإيقاعها. ذلك ما تركه سعيد عقل وراءه، وهو ما يمكن أن يبقى على كل حال.

لن يعبأ التاريخ بمواقفه وبتصريحاته ولن يتوقف عندها طويلا. لكنه لن يغادر كل ما تفجرت به قريحته الشعرية.

“فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

عقل لم ير في شاعر منافسا ولا في مفكّر ندّا له


كاتب من سوريا مقيم في باريس


صلاح فائق: عندما يخاف الشاعر

كان شاعرا كبيرا وانتهى عنصريا وبقي هناك. السبب في انحرافه هو الدين والخوف من فقدان الامتيازات الطائفية. والشاعر يخاف عندما لا يعود شاعرا. هذا ما حصل لسعيد عقل. فهو منذ تورطه في التطرف الطائفي والديني، لم يكتب شعرا. لذلك هو ميّت من زمان.


شاعر من العراق مقيم في الفلبين


تحسين الخطيب: الشاعر قاتلا: سعيد عقل وآخرون

كيف يمكن لشاعر يرى أنّ مكانه هو في “جبين الشمس”، وأنّ “أضلع الأحرار آباد صغيرات”، أن يرحّب بالهجوم الإسرائيلي على لبنان في العام 1982، ثم يؤيّد القضاء على الوجود الفلسطيني فيها؟ كيف لشاعر، كسعيد عقل، وُلد على سرير هو “ضفّة النهر”؛ شاعر يرى أنّه “شفّاف الوجود”، وأنّ “زلزلة تهدر في كيانه”، أن يدعو إلى “تطهير عرقيّ”، صاخب ومدوّ، للفلسطينيين، نكاية بوجودهم المسلح في “قلب الله”؟

هل كان موقفه، ذلك، تعبير عن “التيه” الذي تقاذفت فيه المقادير “عزّة” الشاعر و”قِياده”، وعن “الحَيرة” التي دفعته إلى أن “يهادن دهره”؟ ولكن، هل ينبغي لنا قراءة منجز الشاعر النصيّ، ومن ثَمّ تعيين منزلته وقدره، بمعزل عن مواقفه الأخلاقيّة والإنسانيّة؟ ثمّة من ينتصر لهذا الرأي؛ وهم، في الغالب، من وجهة نظري على الأقلّ، ممّن لا يُحسنون (ولا يستطيعون) التمييز، بوضوح، بين الجلّاد والضحيّة.

ربّما، بعيدًا عن صنيع سعيد عقل الشعري (أو، ربما قريبًا منه، بدرجة أو بأخرى) فإنّه، في دعوته لقتل “الآخر” ومباركته لها، دفاعًا عن فكرة “ما” تضرب عميقًا في وعيه ولاوعيه على حد سواء، لا يختلف عن شعراء آخرين، في التاريخ الحديث، وقفوا مع الفاشية والنازية، ضدّ آمال الإنسان وتشوّفه إلى الحريّة.

والقائمة لا تبدأ البتّة من ذكر اسم عزرا باوند، الشاعر والناقد الأميركي، أحد رموز الحركة الحداثيّة، والذي مدح موسوليني وأيّد هتلر؛ ولا تنتهي بسعدي يوسف، الشاعر العراقي المقيم في لندن، الذي لا ينظر إلى ثورات الشعوب العربيّة، الآن، إلّا بوصفها “مؤامرة خارجيّة” تريد القضاء على كل ما هو عربي و”مُشرق”؛ ولا حتّى بأدونيس، الشاعر السوري المقيم في باريس، والذي وقف (ولا يزال) مع الطاغية الذي يذبح أبناء شعبه، ولم ينبس ببنت شفة ضدّ أنهار الدماء المسفوكة، ليل نهار، في طول بلاده وعرضها.

فإذا كان صاحب “الأناشيد”، قد تم تصويره، آن حلّ بنابولي، في إيطاليا، وهو يؤدي التحيّة الفاشيّة إلى طواقم الصحافة التي كانت في انتظاره. فإنّ “الشيوعيّ الأخير” قد تحوّل، في الآونة الأخيرة، إلى مجرّد شتّام، ينافح، بشدّة، عن كلّ استبداد، في كتابات لا يريد منها سوى أن يظلّ في الواجهة، كما ظلّ صاحب “أغاني مهيار الدمشقي” واقفًا يلوّح على “أبواب” نوبل، ولكن بدون طواقم تصوير هذه المرّة.


شاعر ومترجم من الأردن


سليمان البوطي: الشاعر رسول أم رسالة

مات سعيد عقل. خبر تناقلته وسائل الإعلام، وكأي خبر يصلك عن طريق الإعلام، هو خبر فيه شيء من الصدق وكثير من الأكاذيب، شيء من الحقيقة وكثير من الأباطيل. نعم مات سعيد عقل، ولكن أي السعيدين مات، نحن نعلم أن الشاعر أيما شاعر هو انقسام أو تعدد، بين جسد يتقاسمه الناس من زوجة ومحيط طبيعي وأمصال له من بشر، يصافحهم يمازحهم، يزجي معهم وقتا بطيئا هو عمره الذي عليه تمضيته مدة وجوده على الأرض. إلا أن لهذا الجسد بعداً آخر، هو ليس بعدا روحيا، فكل الآخرين يملكون روحا، إنه بعد شفاف يقبع بين الجسد والروح، إنه ذو كيان محسوس، وإنه كذلك لا كيان ، لأنه لا سماكة له ، تشعرك بوجوده بالأحاسيس كأي مادة. إنه الشعر، شيء ما تشعر به ، ملامس روحانية. سعيد عقل، مات وسعيد عقل لم يمت. هو شاعر، وشاعر خاص، شاعر ارتبط اسمه وترابطت روحه، باسم بلد يماثله، باسم الشآم. والشآم بلد مثله مثل أي بلد ذو وجود جغرافي، إلا أنه أيضا بلد روح، بلد المسيح ، الذي آوته وأمه ربوة من رباه.

كان شعر سعيد عقل مفعما بالرمزية، وكانت قصائده خالية من التفجع؛ تتسم بالفرح وتخلو من البكاء

مات الجسد وبقيت الروح، ومع الروح بقي شغافها، بقي الشعر. ما الذي يهمنا من عقل؟ غنه ذاك الجوهر الباقي على الأيام ، إنه الشعر. وشعر سعيد، هو قاسيون وحرمون وقد تعانقا وتسامقا نحو السماء، ليعطيا العالم معنى الوجود:

“أنا حسبي أنني من جبل، هو بين الله والأرض كلام”

سعيد هو التراب والحجر وقد تراقصا مع أزهار الغوطة:

“وأين في غير شام، يطرب الحجر”

وأين تضبح أوراق الأرز الإبرية أخادة كهدايا للعيون إلا في الشآم

“شآم، لفظ الشآم، اهتز في خلدي

كما اهتزاز غصون الأرز في الهدب”

سعيد عقل ، ستبقى في ذاكرتنا إلى جانب نزار ، مابقي حرمون إلى جانب قاسيون، وسيأتي يوم يكون فيه لكما عرس شامي في القلمون.

سعيد عقل، الجسد، الذي كره الفلسطينيين ودعا إلى طردهم وقتلهم، راح بددا، وبقيت فلسطين، أما سعيد الروح والشعر، فباق مابقي الخليل والجليل، وقاسيون وحرمون وقلمون، ومابقي طفل أموي شامي.

“يلحق الدنيا ببستان هشام”


ناقد من سوريا مقيم في السعودية


ماجد كيالي: رحل "الفيلسوف" وبقيت القصائد

لكل من اسمه نصيب، لكن قد يصعب تعيين ذلك في حالة سعيد عقل، في قلقه، وتقلباته، ونزقه، وتطرفاته، في عروبيته وعنصريته، في حديثه عن الجمال وفي توحشه. فهذا الشاعر الذي قدم أجمل وأروع القصائد بالعربية الفصحى انقلب على ذاته، وعلى تراثه، وبات ينادي بالمحكية اللبنانية، علما أن هذه لا تستقيم في لهجة واحدة، إذ لهجة أهالي الجبل غير الساحل واللهجة الطرابلسية غير البيروتية.

الفكرة أن عقل لم يقدم نفسه كشاعر فقط، إذ بات يعرض نفسه كفيلسوف، وكمفكر، في تهويماته عن خصوصية لبنان، و”القومية” الفنيقية. بعد أن كان عروبيا، فهو الذي استجاب لدعوة د. قسطنطين زريق وكتب نشيد الجمعية القومية “العروة الوثقى”، أواخر الثلاثينات، وقال فيه: “للنسورْ ولنا الملعبُ والجناحان الخضيبان بنورْ… العُلا والعَرَبُ. ولنا القولُ الأبي والسماحُ اليعرُبي. ولنا صَهْلَةُ الخيلِ من الهندِ إلى الأندَلُسِ”. ولعل هذا يذكر بتهويمات القذافي، وتقلباته، ولا ننس هنا أن هذا الأخير لم يقصر في تقديم نفسه كفيلسوف وكمفكر وكروائي.

أيضا عقل هو صاحب المغناة الفلسطينية الشهيرة لفيروز، والتي كتب فيها:

“سيفٌ فَلْيُشْهَرْ في الدنيا ولتصدعْ أبواقٌ تَصْدَعْ. الآن الآن وليس غداً أجراس العودة فلْتُقْرَعْ. أنا لا أنساكِ فلسطينُ. أنا في أفيائك نسرينُ”. والتي هدد فيه إسرائيل: “سندكُّ ندكُّ الأسوارَ نستلهم ذاك الغارْ ونعيدُ إلى الدارِ الدارَ نمحو بالنارِ النارْ. فلتصدعْ فلتصدعْ. أبواقٌ أجراسٌ تُقْرَعْ. قد جُنَّ دمُ الأحرارْ”. صاحب هذه المغناة صار يطالب بقتل الفلسطينيين في لبنان، ويرحب بالجيش الإسرائيلي، ويفتخر بمجزرة صبرا وشاتيلا، ويتبنى وجهات نظر تنم عن عنصرية، مطيحا بكل قيم الحق والخير والجمال التي يفترض أن يتبناها كشاعر.

كان من الشعراء العرب المثيرين للجدل من أبناء جيله وحتى اﻷجيال التي سبقته وتلته

رحل سعيد عقل عن هذه الدنيا، بعد عمر طويل، وسيذهب معه تراثه المليء بالتناقضات والروح العنصرية، أما قصائده التي تحدث فيها عن الحب والسعادة والجمال فستبقى معنا.


كاتب من فلسطين


الجليدي العويني: اكتشفناه مبهورين

سعيد العقل الذي مكنته الحياة منها طيلة قرن من الزمان وزّع علينا أشهى الثمرات في نصوصه المشتهاة لغة ولهجة. هذه القامة الطويلة التي ترجلت مطيعة لحكم الطبيعة عاشت عقودا وستضل خالدة لقرون. هذا الرجل الذي ولد في جارة الوادي عاش بيننا نهرا دافقا بما أبدع ، هذا المسيحي الذي اكتشفناه مبهورين وهو يأتينا على صوت فيروز منشدة:

“غنيت مكة أهلها الصيد/ والعيد يملأ أضلعي عيدا/ فرحوا فلألأ تحت كل سما/ بيت على بيت الهدى زيدا/ يا قارئ القرآن صل له،/ أهلي هناك وطيب البيدا/. هذا الذين استندنا إلى أشعاره في فورة حسّنا القومي، وأرانا كيف يمكنك أن تكون قوميّا وأنت شديد الإخلاص والانتماء إلى وطنك، وكيف يمكنك أن تتخلى عن هذه القومية متى كانت مهلكة للوطن. غضبنا منه طبعا وهاجمه كثيرون منا، وتحمّل هو كل ذلك بحكمة الشيوخ وسخرية الشباب. وأدركنا حين صرنا كهولا أنه سعيد العقل فعلا وأنه منبع للشعر، منبر للحكمة ، مصدر للفصاحة بفصحاه ولهجته. رحم الله هذا الذي “أين ما صلى الأنام رأت عينه السماء تفتحت جودا”هذا الذي “لو رملة هتفت بمبدعها شجوا لكان لشجوها عودا”.


شاعر من تونس


شكري الباصومي: رحب بالجيش الإسرائيلي

عاش شاعرنا مئة وزاد عليها اثنتين ولم يسأم سأم ابن أبي سلمى. جمع الناس حول شاعريته واختلفوا حول فكره واتجاهاته، المسيحي الذي دعا الى العامية بديلا عن العربية لم يقنع إلا بالفصحى، أو هكذا قيل. غنت له فيروز وماجدة الرومي.

المسيحي غنى لمكة وأغضب القوميين العرب واتهم بالتصهين. وزع حياته بين الشعر الجميل والفكر المضاد للسائد. يخترق بشعره أبكار المعاني ويستحضر الصور البديعة لكن توجهاته الفكرية والسياسية جلبت له المتاعب وكادت تحجب موهبته. ويروى أنه: “أسس مسرحية شعرية اسمها ‘بنت يفتاح’ على قصة توراتية. استل هذه القصة من التوراة، ونظمها شعراً. عندما قرأ أنطون سعادة، زعيم الحزب القومي السوري، ‘بنت يفتاح’، فقد عقله، إذ كيف ينظم شاعر قومي سوري شعراً في تحية حكاية مستلة من كتاب اليهود، وهم أعداء الأمة السورية؟ أمر سعادة يومها بطرد سعيد عقل من الحزب”. انتهت الرواية ولم تنته متاعب سعيد عقل.

وكانت لسعيد عقل مواقف سياسية مثيرة للجدل خلال الحرب اللبنانية، حيث كان ضد الوجود المسلح للفلسطينيين في لبنان، كما رحب في الصفحة الأولى لجريدته التي أصدرها باسم “لبنان”، بالجيش الإسرائيلي خلال اجتياحه للبنان عام 1982.


كاتب من تونس


صالح دياب: صائغ ماهر

قرأت مجموعات سعيد عقل الشعرية الفصحى في سن الشباب، في المكتبة الوطنية بحلب ، كان ذلك في مرحلة مبكرة كنت أكتب فيها الشعر العمودي. فصاحة قصيدته وبلاغتها المترافقتان مع النضارة والشفافية تركتا ترددات آثرت بي. لغتها الباروكية جعلتني أقف مندهشا أمامها. الكلمات المختارة بعناية صائغ ماهر، والجمل التي تشبه سبائك الذهب كانتا تأسرني أسرا. كان الشعور بجمال القصيدة كاملة يلامسني. كنت أقف متأملا المعمار والتزيينات والنقوش، ثم أقول يا للمعلم الكبير. كنت أدخل في عالم كريستالي، حيث الأبهة اللغوية، والبذخ التعبيري، والافتتان بالصوغ والتشكيل، سمات خدرت ذائقتي وجعلتني أشعر أنني في ممرات ملونة، باهرة لكنها في الوقت نفسه، أشعرتني أن هناك ما يشبه البرودة والطقس القارس بسبب غياب حرارة الحياة عن تلك اللغة.

بعد سنين حين وقعت في يدي مجموعته الشعرية المحكية “يارا”، الممنوعة في سوريا. واجهت صعوبة في قراءاتها، لكونها مكتوبة بالحرف الأجنبي. أذكر كيف كنت مضطرا إلى كتابة كامل القصائد باللغة العربية كي أفهمها. هنا، أيضا، كنت في المشغل الشعري المحكي للشاعر، الذي لا يختلف عن مشغله الشعري الفصيح. الجماليات التعبيرية نفسها تتكرر هنا. حرارة الكلام وامتلاؤه بالحياة لم يحرفا الشاعر عن خياراته الجمالية. إنها القصيدة المنحوتة نحتا بالإزميل نفسه الذي نحت فيه قصيدته الفصحى. النضارة ذاتها، الصفاء المطلق ذاته، اللغة المصفاة ذاتها، الرمزية ذاتها، والأبهة اللغوية ذاتها. كانت هناك متعة ولذة في قراءة قصيدته لكنها تظل مصحوبة بصقيعية مصدرها قتل أي وظيفة انفعالية للغة المستخدمة.

عقل أعطى حياته لكتابة الشعر بالفصحى أن يدعو إلى التخلي عن اللغة التي أعطت له حضوره

أما دعوة الشاعر إلى التخلي عن الفصحى فأحسب أن عقل لم يحملها على محمل الجد. ولو كان صاحب الدعوة جديا، فلماذا لم يطبقها بدءا من نفسه ويهجر الفصحى نهائيا ويكتب الشعر بالمحكية، مستخدما الحرف الأجنبي. الشعور بالتفوق والغرور الثقافي، وتحقير الآخر، والتموضع على الذات الوطنية أو الطائفية بوصفها مركز العالم، وتوصيف فئة معينة كمعلم وهاد للفئات الأخرى كلها ذهبت هباء.

كنت أتساءل كيف يمكن لشاعر كعقل أعطى حياته لكتابة الشعر بالفصحى أن يدعو إلى التخلي عن اللغة التي أعطت له حضوره. ثم لا يكتب سوى كتاب صغير بالمحكية. نافيا بذاته إمكانية تحقيق هكذا دعوات.

أما دعوته لقتل الفلسطينيين على الهوية هو الذي غنى بلاد الشام في قصيدته فتشير إلى إمكانية أن يتحول معلم وشاعر كبير إلى عنصري ومحرض كبير على القتل. كيف يمكن قراءة شعره دون التفكير بأطروحاته العنصرية التي لا تطال اللغة العربية التي وجد عبرها فحسب، بل والطروحات الأخرى التي وصلت إلى حدّ المطالبة بقتل الأبرياء على الهوية، فقط لأنهم ولدوا في منطقة جغرافية خارج لبنان. أما الجائزة الشعرية التي سميت باسمه فلم يكن لها أي حضور ملحوظ في المشهد الشعري العربي ولا اللبناني ولم ينلها إلا أشباه شعراء ونكرات.

الآن بعد مرور حقبة من الزمن على دعوات عقل السياسية، نجد أن هذه الدعوات ليست وقفا عليه وحده بل هناك أمثلة كثيرة تدعو إلى سحق وقتل وإلغاء الفئات الأخرى داخل البلد نفسه، وداخل الطائفة نفسها، في عالمنا العربي.

شعر سعيد عقل حلقة مهمة في تاريخ الشعر العربي الحديث. شكلانيته الجمالية التي تمتح من الرمزية والرومانسية ساهمت في دفع القصيدة العربية ونقلها إلى مناطق جديدة، خاصة به، وصنعت بصمته الشعرية الخاصة. إنها إحدى التجارب الأجمل في تاريخ الشعر العربي.


شاعر من سوريا مقيم في آرل – فرنسا




رشيد الخديري: وداعا سعيد عقل

دعني أستعير هذه العبارة من جون كوكتو: “الشعراء لا يموتون، بل يتظاهرون بالموت فقط”، نعم، قد ودعنا في السنوات الأخيرة شعراء نقلوا الشعرية العربية إلى الكونية أمثال محمود درويش، سركون بولص، سميح القاسم. اليوم، نفقد الشاعر والمفكر سعيد عقل الذي يعتبر أحد الرموز الشعرية والفكرية في الأدب العربي، وخاصة اللبناني، سعيد عقل سيبقى بدون شك شامخ بنصوصه ومؤلفاته، فقد استطاع أن يرقى بالنص الشعري العمودي الكلاسيكي إلى مراتب عليا رغم تغيرات المنجز الشعري العربي، كما عرف عنه حبه للموسيقى والغناء وكتب أغنيات كثيرة للوطن والسلام ستظل راسخة في كل الأذهان، لا يسعنا إلا أن أقول وداعاً سعيد عقل، كن على ثقة أنك تسكن وجداننا وذاكرتنا، وستظل منتصب القامة تمشي بيننا بكل شموخ، وسنحكي لأطفالنا وأحفادنا عنك، وعن نصوصك الخالدة أبد الدهر.
من يصدقون أنهم رواد مدرسة من المدارس ليسوا شعراء كبارا، الكبار هم الذين يجعلون كل أنواع الشعر تصفق لهم


شاعر من المغرب

محمد عيد إبراهيم: فقط شعره

سعيد عقل من أهم الشعراء العرب، حيث يُعتبر الشاعر الرمزي الوحيد بين الشعراء العرب، وقد اهتم عقل باللغة إلى حد كبير، ففي كلماته أناقة بالغة، وقد استفاد به كثير من شعراء الحداثة، مجلة (شعر) مثالاً، وهو أب لتيارات أخرى ترى في اللغة صنماً جميلاً لا بد من الاحتفاء به، وفرصة وفاته، بعدما طال به العمر أكثر من قرن من الزمان، عليه رحمة الله، تستدعي أن نعيد قراءته والاستمتاع به، خاصة بعدما زال الظرف الحياتيّ الذي كان يمنعنا من الاحتفال به، حيث تطرّف كثيراً في آرائه السياسية خلال الفترة الأخيرة، إلى درجة الاحتفاء بشارون مثلاً في بيروت، إلخ.. وبغضه الفلسطينيين إلى درجة بشعة، لكن هذا كله راح بموته. علينا أن نذكر شعره، وشعره فقط، عقل شاعر كبير وتأثر به الكثير منا نحن الشعراء، ولا يجب أن نغمطه حقه أبداً، أنا شخصياً علمني أشياء كثيرة في صنعة الشعر، وقد يعود بعض أناقتي في اللغة إليه، ويكفينا أن نعلم بل ونعلّم الآخرين أن الشاعر يبقى شاعراً مهما اختلفنا معه في مصيدة حياته، لأن الشعر هو الباقي، تنفصل القصيدة عن صاحبها وتعيش حياة لوحدها بمعزل عنه، فما بالك لو مات شاعرها، فهي تدور في فضاء أيقوني لامع ينير لنا الدرب إلى الجمال والحرية.


شاعر ومترجم من مصر


سليمان جوادي: شاهد على تراجع العرب

أكثر الشعراء العرب المثيرين للجدل من أبناء جيله وحتى اﻷجيال التي سبقته وتلته، كما أنه شاهد على أن العرب تراجعوا كثيرا من حيث حرية التعبير والفكر، فلو أن سعيد عقل طرح أفكاره الجريئة في زماننا هذا ﻷقيمت له المشانق ولتمت تصفيته ببرودة دم. نعم هو شاهد على تقهقرنا وردتنا الفكرية. شخصيا لم أكن ألتقي مع كثير من أفكاره وخاصة دعوته لتبني العامية اللبنانية كلغة رسمية ولغة دراسة، لكنني عندما أرى عظيم تأثير هذه اﻷفكار لدى إخواننا اللبنانيين أعترف للرجل بمدى قوة حجته. لم يعجبني كذلك موقفه المتطرف من القضية الفلسطينية واعترافه الضمني بإسرائيل. لكن هذا ﻻ يمكن أن يمحو من بالي جمال وعذوبة أشعاره وخاصة تلك التي تغنت بها فيروز ولعل أروعها على اﻹطلاق “غنيت مكة” و”يا زهرة المدائن”.


شاعر من الجزائر


علي سفر: نصمت أمام قصائده

إذا أردت ألا أتوقف عند مسألة مهمة جدا عندي كسوري، وهي أن أجمل ما كتب عن سوريا وعن دمشق من قصائد كانت بقلم سعيد عقل، فإنني سأتوجه مباشرة إلى صورة الشاعر كمبشر، أو تلك النفحة التي تتصل بالاشتغال على الذات الوطنية في الشعر.

سابقا كان توصيف أو تبويب المنتج الشعري لدى الكلاسيكيين يتم عبر إلحاقه بالموضوع، مما يقسم الشعر إلى شعر وطني أو غزلي الخ.. ربما كان سعيد عقل وبوصفه كلاسيكيا مجدداً واحداً من هؤلاء الذين كرسوا في شعرهم هذا التبويب، وكان شاعراً يكتب القصيدة العمودية أو الكلاسيكية، ولكننا في تمعن دقيق لطبيعة قصائده سنلحظ أن تكنيكه الشعري، وطريقة اشتغاله على الصورة، كان أكبر من الشكل الذي بقي فيه. ربما نحيل الأمر إلى شعريته التي اغتنت بمعطيات الواقع (دور النهوض بالمشاريع الوطنية من استقلال لبنان وحتى مشروع القومية الفنيقية) ولكن حتى وإن فصلنا بين المسألتين، سنكتشف أننا أمام شاعر حقيقي، تختلف مع رأيه، وتتشاجر معه، ولكن سنصمت أمام شعره، فمثل هذا الجمال في قصائده يستحق أن يتأمله الإنسان كثيراً.


شاعر وروائي من سوريا

16