رحيل شيخ النقاد العرب عبدالمنعم تليمة

باتت الساحة الثقافية والأدبية العربية تعاني مؤخرا في ظل غياب الرواد، وتراجع أدوارهم التأسيسية إلى النسيان والنكران من قبل الجدد، حيث أن الكثير منهم يجهلون من سبقوهم في عالم الأدب والفكر والثقافة، ويجهلون منجزاتهم، لذا لا يحصل التواصل المرجو بين الأجيال المتعاقبة.
الأربعاء 2017/03/01
السوريالية نوع من أنواع الواقعية

القاهرة - عن عمر ناهز الثمانين عامًا، غيَّب الموت، مساء الاثنين، الناقد الأدبي المصري عبدالمنعم تليمة، تاركًا غصة في الأوساط الثقافية المصرية والعربية التي اعتبرت رحيل شيخ النقاد العرب خسارة جديدة تضاف إلى خسارات المشهد الثقافي، خاصة بعد جهوده المضنية التي بذلها طوال حياته في التأسيس لعلم الجمال الفني، ودوره في تأسيس أجيال من النقاد العرب الذين نشأوا في صالونه الثقافي.

بعد تخرجه من قسم اللغة العربية بكلية الآداب، عام 1960، حصل تليمة على درجة الماجستير في الأدب العربي الحديث، ثم الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث عام 1966. فضلًا عن دراسته لمجالات عامة في التربية وعلم النفس، وحصوله على ليسانس في الآداب الكلاسيكية اليونانية واللاتينية عام 1985. وقد عمل تليمة في الجامعة التي تدرج في مناصبها حتى وفاته.

ورغم قلة مؤلفات تليمة، إلا أنه في كتبه القليلة قدَّم جهودًا هامة في التأسيس لعلم الجمال الفني ونظرية الأدب، كما أنه وعبْر صالونه الثقافي الذي أسسه منذ ما يقرب من ستين عامًا، استطاع أن يحرك الركود في الساحة الثقافية المصرية باستقباله للكثير من المبدعين والنقاد، ومناقشاته البناءة التي أسست لأجيال من النقاد بعده.

ثلاث مراحل

في آخر حوار له مع مجلة “الجديد”، تحدث تليمة عن مراحل تكوينه الأدبي والثقافي وعن العوامل المؤثرة في نشأته وتكوينه الفكري متطرقًا إلى المراحل الفكرية التي مرَّ بها قائلًا “مررت بثلاث مراحل متميزة؛ المرحلة الأولى بطبيعة الحال أقرب إلى الكلاسيكية، وقد بدأت بدراسة القرآن الكريم وتفاسيره المتعددة، ومن ثمّ إلى علوم اللغة العربية والموروثات الشعبية في كُتّاب القرية، وهي مرحلة مؤثرة جدًا، لأنها ساهمت في التأسيس لتكويني في علوم القرآن والعلوم الدينية وعلوم اللغة، أما المرحلة الثانية فهي الدراسة الجامعية والتي اتصلت خلالها بالتكوينات الثقافية والإبداعية لليونانية واللاتينية القديمتين والحضارات الحديثة، وبعد ذلك جاء اتصالي بالإبداعات الشرقية المختلفة بعد سفري إلى اليابان، وخلصت جهودي للبحث بشكل متعمق في علم الجمال ونظريات الأدب”.

عاش تليمة حياة عامرة بالعطاء على المستوى الإنساني والعلمي، واستطاع من خلال كتابيه “مقدمة في نظرية الأدب”، و”مدخل إلى علم الجمال الأدبي” أن يعطي تصوراته العميقة عن مدارس الفن ووظائفه الجمالية والنفعية، متحدثًا عن واقعية الفن وارتباطه الوثيق بالواقع من خلال تجاوزه لمحاكاته إلى طلب الفن فيه.

تليمة لم يقدم للمكتبة العربية مؤلفات كثيرة، ولكن كتبه القليلة كان لها تأثير مبهر في تشكيل العقلية العربية

ومن خلال منهجه “العلمي التاريخي” عمد تليمة إلى تأصيل مصدر الأدب ومراحله في اغترابه تارة عن الواقع وتارة أخرى عن المجتمع.

لم يكن تليمة منعزلًا يومًا عما يحدث حوله في مصر أو العالم العربي، ولم يقتصر دوره على منجزه العلمي في النقد الأدبي أو في صالونه الثقافي الشهير، لكنه قضى جل حياته في النضال السياسي حيث اعتقل إبّانه مرتين، ويقول عن تلك الفترة في حديثه مع “الجديد” إنه “في عام 1977، وعقب ما سماه الرئيس الراحل أنور السادات ‘انتفاضة الحرامية’ تم اعتقالي لمدة أربعة أشهر ونصف الشهر مع أعداد كبيرة سيقت إلى المعتقلات دفاعًا عن نظام السادات، ولكن لم أحاكم في هذه المرة لأنني وضعت في المعتقل دون ارتكاب أي جرم، وفي ديسمبر 1966 وحتى يناير 1987، جرى اعتقالي في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وقت مشاركة الرئيس في المؤتمر الإسلامي بالكويت، وفي محاولة منه لخدمة المشاركة المصرية في المؤتمر الإسلامي قام وزير الداخلية باعتقال مجموعة ناشطين من التيار الثوري ليوصل رسالة مفادها أن مصر ضد الشيوعيين”.

ويضيف “كان نضالي في الأساس ضد بعض سياسات الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والراحل أنور السادات، ولكني أعتبر الرئيس مبارك خارج السياسة، فقد أقحمه السادات فيها عندما عيّنه نائبًا له. في نضالنا مع عبدالناصر كنا نقول إن مقتله هو غياب الحريات الاجتماعية والشخصية والسياسية وغيرها، ومع الرئيس السادات كان مأخذنا عليه هو فتح الحريات على آخرها وسياسات الانفتاح ولكن لمن يقدر، وبالتالي كان الأغنياء هم المستفيد الأكبر وليس الفقراء”.

ملامح الخصوصية

الناقد المصري عادل درغام نعى تليمة قائلًا “رحيل عبدالمنعم تليمة خسارة علمية وخسارة إنسانية، لأن هذا الناقد الكبير والمفكر المؤثر ليس عالما فحسب، وإنجازه ليس في مجال التأليف النقدي أو الجانب التنظيري في مجال النظرية الأدبية فقط، وإنما إسهامه الحقيقي يتمثل في المنجز الإنساني وفي طريقته في تكوين وتشكيل الباحثين الذين يقتربون منه ويتأثرون بطريقة حياته وآلية مقاربته للحياة، وطريقة تفكيره، وسموه الإنساني وسلوك الكبار الذين عاش تليمة وفيا لهم”.

ويضيف “تليمة لم يقدم للمكتبة العربية كتبا كثيرة، وإنما ألف عددا محدودا من الكتب، ولكن هذه الكتب القليلة كان لها تأثير مبهر في تشكيل العقلية العربية، وفي إضفاء مسحة لها ملامح الخصوصية، ففي كتابه ‘مقدمة في نظرية الأدب’، يلح انطلاقا من أيديولوجيته الخاصة على ارتباط الفنون ارتباطا وثيقا بالحياة، وأن الفنون -ومنها الأدب بأنواعه العديدة- نشاط إنساني، وهذا النشاط الإنساني له وظيفته الاجتماعية، فالنموذج الفني أو الأدبي الذي يشكله الفن في مستواه الابتكاري يرتبط بالقدرة على الكشف عن المخبوء في النفس الإنسانية وتجلية وجوده في مراميها العديدة”.

وهذه النظرة، كما يرى درغام، في ما يخص النظرية الأدبية جعلته ينحو منحى مغايرا في التأثير، ليس من خلال المؤلفات العديدة كما يفعل البعض، وإنما من خلال التجربة المباشرة والكاشفة عن الدفق الإنساني.

الناقد الأدبي حسام نايل يتحدث عن الراحل قائلًا “الموت أخباره صادمة ومفاجئة كعادته دائمًا. وهربًا من ارتفاع ضغط الدم رأيتني أعود إلى عام 1995، السنة النهائية في الليسانس. أرى الآن قاعة الدرس مكتملة، كل الطلبة حاضرون. ساحر النقد الأدبي الماركسي يقف بجوار كرسيه أمامنا. يشير إلى أحد الطلبة بإغلاق الباب حتى يبدأ المحاضرة. ثمة ركن صغير خصصه الأستاذ للمدخنين. نجلس جميعنا وكأن على رؤوسنا الطير. ويبدأ السحر: سحر المعرفة”.

ويقر نايل بأن “المرحلة الثانية الطويلة في علاقتي بتليمة بدأت بصالون الخميس من كل أسبوع. كان هذا منتصف عام 1996 حتى عام 2000 تقربيًا. هناك بدأت عوالم جديدة وغريبة من المعرفة تتكشف لي: قراءات تحليلية معقدة للكتب المقدسة، تأويلات وتفكيكات، آراء في الأحداث العامة، حتى تشبعت تمامًا ببعض المعارف المستنيرة التي أعانتني أثناء الماجستير والدكتوراه، وجعلتني غير محصور تمامًا في النطاق الضيق للنقد الأدبي. وللأسف كانت آخر زياراتي له عام 2015”.

أما الناقد المصري يسري عبدالغني فقد نعى تليمة قائلًا “كان الدكتور تليمة من رواد المزج الموضوعي بين الأصالة والمعاصرة، كان بحق المعلم والموجه والحامل للقيم الجميلة، التي تعلي لواء الحق والخير والجمال، وما لا يعرفه الكثيرون أنه بالإضافة إلى كونه أستاذًا جامعيًا وناقدًا ومؤرخًا أدبيًا، كان خبيرًا فاعلاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وله جهد مشكور في أعماله. تليمة درس وبحث في علم الجمال الأدبي، وفي فن السيرة الذاتية، وفي تاريخ الثقافة والمجتمع فأثرى بحق مكتبتنا العربية”.

الشاعر والفنان التشكيلي محسن البلاسي يقول بدوره عن الراحل “كان قد عرفني عليه أستاذي الناقد الأدبي دكتور صلاح السروي، في حديث لي معه تطور حوارنا حول الأدب وعلم الجمال، إلى أن وصل الحديث إلى سؤال كنت قد سألته له وأنا أرتعش إجلالا وتقديرا وخوفا من هذا التاريخ وضآلتي أمامه وكان هذا هو نص السؤال الذي غير مساري البحثي وفتح أمامي دروبا لا تنتهي من الأسئلة والبحث حول مفهوم الواقعية والرمزية والسوريالية بل حول مفهوم الخيال والفن، سألته عن الفن المعتمد على الرمزية وصلته بالواقع، فأجابني بأن مذهبه هو الموازاة الرمزية، والسوريالية نوع من أنواع الواقعية، وكان حديثه الممتد معي حول هذه المسألة قد غيّر مساري الأدبي والفني ومفهومي عمّا كنت أقدمه”.

15