رحيل عاشق سناء جميل وقديس الصحافة المصرية

الكاتب الصحافي المصري الراحل لعب دورا كبيرا في نشره لثقافة التسامح الديني بين المسلمين والمسيحيين من خلال أحاديثه ومواقفه.
الأربعاء 2018/03/28
متسامح إلى درجة مذهلة

القاهرة - رحل الكاتب الصحافي المصري لويس جريس الاثنين، عن عمر ناهز 90 عاما تاركا خلفه إرثا كبيرا من العمل الثقافي الذي شغل عقول الكثير من المصريين والعرب، وعرف بأنه عاشق للفنانة الراحلة سناء جميل وقديس الصحافة في مصر.

ولد لويس لوقا جريس في 27 يوليو 1928 في مركز أبوتيج بمحافظة أسيوط في جنوب مصر، والتحق في البداية بكلية العلوم في جامعة الإسكندرية، إلاّ أن عشق جريس للصحافة أجبره على تغيير مساره المهني بحصوله على بكالوريوس الصحافة والآداب من الجامعة الأميركية عام 1955، إلى جانب نيله دبلوم دراسات عليا من جامعة ميشيغان 1958، وعمل مراسلا لمجلة "روز اليوسف" و"صباح الخير" من مقر الأمم المتحدة في سنتي 1971 و1972، كما تولى رئاسة تحرير مجلة “صباح الخير”.

استطاع جريس أن يتفوّق على زملائه من الصحافيين مستغلا لغته القوية ولباقته المعتادة والظروف التي خدمته بكونه صحافيا معتمدا بالأمم المتحدة ليجري حوارات مع مشاهير العالم حينها، أبرزها حواره مع الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو والأسقف مكاريوس والمناضل غيفارا.

وقال يحيى قلاش نقيب الصحافيين المصريين السابق، إن جريس من الجيل المؤسس لنقابة الصحافيين في مصر، وقد شارك في المعارك التي خاضتها دفاعا عن حرية الرأي والتعبير، لافتا إلى أنه “كان دائم التجديد لكيفية استغلال الفنون الصحافية للوصول إلى الطبقات الفقيرة”.

وأضاف، لـ”العرب”، إن جريس ينتمي إلى مدرسة الاستنارة والحرية في تناول الموضوعات، وكان أحد الصحافيين الذين حققوا نجاحات كبيرة من خلال عملهم الإداري داخل مؤسسته، وهو ما انعكس على أوضاع مؤسسة “روز اليوسف” الاقتصادية خلال الفترة التي تولى إدارتها.

نموذج للزوج العاشق المحب
نموذج للزوج العاشق المحب

وأوضح أن جريس كان جزءا هاما من تاريخ مؤسسة “روز اليوسف” التي تأسست في العام 1925، وكان قريبا من جميع الرموز التي قادت هذه المؤسسة وشاهدا على إدخال العديد من الفنون الحديثة للصحافة المصرية.

ولعب جريس المسيحي القبطي، دورا كبيرا في نشره لثقافة التسامح الديني بين المسلمين والمسيحيين، وحملت أحاديثه ومواقفه انعكاسا لما يجب أن يحمله كل مصري تجاه الآخر البعيد عن عقيدته، وكانت أشهر تلك المواقف حديثه حول دور القرآن في نشر ثقافة حب المسيح ودفاعه عن الأذان في المساجد، قائلا “إنه يطرب القلب والآذان”، عكس كلام الكثير من الكتاب المسلمين الذين عارضوا رفعه، وكان في مقدمتهم الأديب الراحل يوسف إدريس.

وأكد رشاد كامل، رئيس تحرير مجلة “صباح الخير” سابقا، وأحد تلاميذ الكاتب الراحل، أنه عمل معه منذ العام 1976، وأن التسامح وحب الغير كانا من السمات المميزة لجميع مواقفه وكتاباته التي رفض أن تنشر في كتب خاصة به، وفضّل نشرها كقصص قصيرة داخل مجلة “صباح الخير”.

وأوضح، لـ”العرب”، أن جريس كان رئيس التحرير الوحيد الذي يفضّل مقالات زملائه وتلاميذه على ما يقوم بكتابته، وفي العديد من المرات كان يهتم بنشر مقالات لشباب من المحرّرين في المساحة المخصّصة له، لأن الكفاءة في نظره كانت المعيار الوحيد بالنسبة إليه.

وأردف قائلا “قيمة جريس الحقيقية كانت في احتضانه للمواهب الشابة ومساندتها ودعمها حتى تصبح قامات كبيرة تتولى أرفع المناصب الصحافية، ولم يحدث أن رأيناه غاضبا أو مستاء من أحد حتى لو كان صاحب حق، وكان متسامحا إلى درجة مذهلة، ولم يحدث أبدا أن عاقب شخصا بسبب رأيه أو وجهة نظره”.

ولم تتوقف شهرة لويس جريس عن كونه صحافيا مرموقا فقط، لكن قصة حبه وعشقه غير المشروط للفنانة الراحلة سناء جميل ظلت حديث العامة لسنوات طويلة استمرت حتى بعد وفاتها عام 2002. واعتبره البعض نموذجا للزوج العاشق المحب بعد أن جعل الارتباط بسناء جميل، هدفا في حياته يصبو إليه، حتى حقّق غايته بالزواج منها عام 1961، واستمر الزواج لفترة جاوزت الأربعين عاما.

ويحكي لويس جريس في أحد حواراته الصحافية عن قصة زواجه من جميل، فيقول "دعوتها في عيد ميلادها، إلى الخروج معا للعشاء في أحد مطاعم القاهرة، فوافقت لكنها طلبت مني الذهاب إلى قهوة الفيشاوي بالحسين وأكلنا كبدة ومخّا وشربنا شايّا أخضر، وهذه الليلة لم تكلفني وقتها إلاّ نحو 60 قرشا، في حين لو أننا ذهبنا إلى أحد المطاعم لكنت قد دفعت نحو 5 أو 6 جنيهات، وبالتالي شعرت أنها حريصة على الجلوس معي، لكن دون أن ترهقني ماديا".

15