رحيل عمر حجو بعيدا عن حلب

الجمعة 2015/03/06
اقترنت صورة الرجل الحلبي بصورة عمر حجو

رحل صباح أمس الأول الأربعاء الموافق للرابع من شهر مارس الجاري الفنان الحلبي عمر حجو عن سن تناهز الرابعة والثمانين، بعد أن راكم أعمالا كثيرة يصعب تجاوزها عند مراجعة الذاكرة الفنية السورية.

الحديث عن عمر حجو هو بالضرورة حديث عن عاصمة الشمال السوري (حلب) أهم منابع الفن السوري على مرّ السنين. لقد بقي عمر مخلصا ووفيا لمدينته، فكثيرا ما تتجسد وتختلط، في ذهن المشاهد العربي عامة، والسوري خاصة، صورة الرجل الحلبي بصورة عمر حجو.

بدايات حجو كانت مع بدايات المسرح في التوسع اجتماعيا إبّان أربعينات حلب، حيث كان الهواة والرواد يؤسسون لحضور فن جديد، في تلك الأجواء عرف عمر المسرح؛ المعرفة تعني المعايشة اليومية، فدرسه على طريقته خبرة وواقعا معيشا دون الاطلاع على تجارب وكلاسيكيات المسرح الغربي.

بعد تأسيس الشاب الحلبي لفرقته بحلب، بدأ بتقديم عروض البانتو مايم حتى نهايات عام 1958، وقد التصق اسمه كمؤسس لمسرح “الشوك”، الذي يعدّ واحدة من أهم التجارب المسرحية في مسيرة المسرح السوري، بدءا من أول عروضه وحتى عرض “المرايا” عقب هزيمة يونيو 1967، كان مسرح “الشوك”، بأطروحاته وبطابعه الشعبي، قريبا من الواقع وصراعاته الحامية حينها في السياسة والثقافة والاجتماع.

كما أنه تجربة من أهم التجارب التي عادة ما تغيب عن ذهن دارسي المسرح السوري والتي تحضر اليوم، ألا وهي تجربة المسرح “الجوال” في أواخر الستينات، حيث كان عمر حجو يجول القرى السورية بعربته المسرحية، ويقدم العروض المسرحية التي كان يبدأها ياسين بقوش بإحدى الحكايات، لينتهي العرض إلى حوار مع الفلاحين وعائلاتهم عن العمل ومدى صدقية وملامسة الإشكالية المطروحة لهم ولهمومهم. تلك التجربة الرائدة ألغيت بقرار من السلطات السياسية حينها، وحرمت الفنان الحلبي من التواصل مع من يحب ويرغب في مخاطبتهم دوما.

عمر حجو ممثل عاش ومات مؤمنا بأن المسرح يخلق بين الناس وللناس فقط

اتجه حجو إلى الدراما التلفزيونية، فقدم شخصيات متنوعة ومتعددة، وتميز في الأعمال الكوميدية بشخصية الرجل الحلبي، وهنا يطول الحديث عن الأعمال التي قدمها عمر، حيث قدم شخصيات من لحم ودم يعرفها الجميع، لكنها تبقى قادرة على إذهالهم دوما لما يتميّز به عمر من اقتدار على تقديمها.

دائما وأبدا يقودنا الحديث عن عمر إلى استعادة تجربة مسرح “الشوك” والمسرح “الجوال” وغيرهما من التجارب التي لا بدّ من التوقف عندها، وإنصاف صاحبها الذي رحل صبيحة الأربعاء ممثلا منهم وعنهم.

ممثل عاش ومات مؤمنا بأن المسرح يخلق بين الناس وللناس فقط، بل وأكثر من ذلك إن أب الفنون يبنى ويدرّس وينظر منه وله بين الناس، دون سواهم.

رحل عمر بعد أن كان بعيدا عن المسرح السوري، الذي ساد اعتقاد خاطئ بأنه فن نخبوي خلال العقود الثلاثة الماضية، وهذا ما لا يعتقده عمر أبدا.

إن مواراة جثمانه بعيدا عن المدينة التي طالما لازمت أعماله ولهجته وأنفاسه، لا تزيح أبدا ارتباطه فيها قلبا وقالبا ولو بعد مئات السنين. عمر حجو كان ممثلا ولا شيء آخر، عشق مهنته ولم يتطفل على غيرها من إنتاج وإخراج أو ما شابه، لقد ظل وفيا للبدايات التي بدأت هناك في عاصمة الشمال السوري التي افتقدت مؤخرا واحدا من أهم أصواتها الفنية.

17