رحيل فاتن حمامة وجه القمر المنير أبدا

الاثنين 2015/01/19
مصر والعالم العربي فقدا قامة وقيمة فنية مبدعة، طالما أثرت الفن المصري بأعمالها الفنية الراقية

القاهرة - كالأحداث الجلل، كالانتفاضات والثورات، تجعل ما قبلها مختلفا تماما عمّا تلاها، هي فاتنة نهر الحب، التي رحلت عن عالمنا كـ”حمامة” بيضاء، عقب أن غيّرت بظهورها مفاهيم السينما والفن، مؤسسة مدرستها الخاصة التي لا ينافسها فيها أحد. هي المعجزة، حكاية العمر كله، سيدة القصر، وأيامنا الحلوة، التي لا تطفأ شمسها، ملاك الرحمة الأبيض، سيدة الشاشة العربية الفنانة فاتن حمامة، التي ستظل حاضرة بأعمالها الخالدة في تاريخ السينما المصرية، وفي ذاكرة المصريين والعرب أيضا.

تعرضت فاتن حمامة لأزمة صحية قبل وفاتها استدعت نقلها إلى المستشفى، وخرجت بعد أن تماثلت للشفاء، ثم تعرضت لوعكة صحية مفاجئة توفيت على إثرها، حدث الكثير من التضارب في خبر وفاتها ما بين مؤكد للخبر وناف له، وذلك بسبب رغبة أسرتها في التحفظ وعدم الإدلاء بأي تصريحات، حتى تم تأكيد الخبر من قبل وسائل الإعلام المصرية الرسمية.

وفور تأكيد الخبر، نعت رئاسة الجمهورية المصرية فاتن حمامة، وجاء في بيان الرئاسة “تنعى رئاسة الجمهورية ببالغ الحزن والأسى الفنانة الكبيرة فاتن حمامة، التي وافتها المنية اليوم، وتتقدم لأسرتها وذويها وكافة محبيها من أبناء مصر والوطن العربي بخالص التعازي والمواساة”.

وأضاف البيان” إن مصر والعالم العربي فقدا قامة وقيمة فنية مبدعة، طالما أثرت الفن المصري بأعمالها الفنية الراقية. وستظل الفقيدة التي أضفت السعادة على قلوب جموع المصريين والمواطنين العرب بإطلالتها الفنية وعطائها الممتدّ وأعمالها الإبداعية، رمزا للفن المصري الأصيل وللالتزام بآدابه وأخلاقه”.

شغف مبكر


فاتن حمامة حالة استثنائية في تاريخ السينما المصرية، وفي تاريخ الفن ككل، ولدت في 27 مايو 1931، بدأ ولعها بعالم السينما في سن مبكرة عندما كانت في السادسة من عمرها، حين فازت بمسابقة أجمل طفلة في مصر، أرسل والدها صورة لها إلى المخرج محمد كريم الذي كان يبحث عن طفلة تقوم بالتمثيل مع الموسيقار محمد عبدالوهاب في فيلم “يوم سعيد” عام 1940، ليكون الفيلم الأول لها، والذي تلاه عدد من الأفلام البارزة، مثل فيلم “رصاصة في القلب” عام 1944، مع الموسيقار محمد عبدالوهاب أيضا.

فيلم "صراع في الوادي" الذي التقت فيه حمامة بعمر الشريف

ومع فيلمها الثالث “دنيا” أصبحت حمامة وجها راسخا في السينما المصرية، لتدخل فيما بعد المعهد العالي للتمثيل عام 1946، وتنتقل إلى لعب عدد من الأدوار التي تركت بصمة واضحة لها في المجال السينمائي.

كانت علاقة فاتن حمامة بالممثل البارز يوسف وهبي محطة أساسية وناقلة في حياتها الفنية، إذ اشتركت معه في فيلم “ملاك الرحمة” عام 1946، والذي لعبت فيه دور ابنته، وبعدها بثلاث سنوات اشتركت معه في فيلم “كرسي الاعتراف”، لتنتقل إلى أدوار البطولة، بعدما نجحت في جذب اهتمام المخرجين، في الفيلمين “اليتيمتين” و”ست البيت”. واصلت حمامة أداءها لأدوار البطولة في أفلام غلب عليها الاتجاه نحو الواقعية، مثل فيلم “لك يوم يا ظالم” الذي اشترك في مهرجان كان السينمائي.

وكذلك اشتركت في أول فيلم للمخرج يوسف شاهين “بابا أمين” عام 1950، ثم في فيلم “صراع في الوادي” 1954 الذي كان منافسا رئيسيا في مهرجان كان السينمائي.

كذلك اشتركت في أول فيلم للمخرج كمال الشيخ “المنزل رقم 13” الذي يعتبر من أوائل الأفلام المعتمدة على الألغاز، وفي عام 1963 حصلت على جائزة أحسن ممثلة عن الفيلم السياسي “لا وقت للحب”.

اختيرت حمامة كأفضل ممثلة في عام 1996، أثناء احتفال السينما المصرية بمناسبة مرور 100 عام على نشاطها، وتم اختيار 18 فيلما من أفلامها ضمن 150 فيلما من أحسن ما أنتجته السينما المصرية.

بعد غياب طويل عن العمل الفني، قامت بأداء آخر عمل لها عام 2000 وهو المسلسل التلفزيوني “وجه القمر”، والذي انتقدت فيه العديد من السلبيات في المجتمع، والذي اختيرت بعده كأحسن ممثلة.

وفي عام 2007 اختارت لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة في القاهرة ثمانية أفلام ظهرت فيها فاتن حمامة ضمن قائمة أفضـل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

سيدة الشاشة العربية تخطت حدود مصر إلى العالم العربي كله، ووصلت إلى أبعد نقطة في العالم العربي

تزوجت فاتن حمامة باثنين من أعلام ورواد السينما المصرية، الزواج الأول كان في العام 1947 من المخرج عزالدين ذوالفقار، عقب تصوير فيلم “أبو زيد الهلالي”، وأسسا معا شركة إنتاج سينمائية قامت بإنتاج فيلم “موعد مع الحياة “، والذي كان سببا رئيسيا في إطلاق لقب “سيدة الشاشة العربية” عليها، إلا أنها انفصلت عن ذو الفقار وتزوجت فيما بعد من الفنان عمر الشريف، عقب فيلمهما المشترك “صراع في الوادي”.


روايات أدبية


بلغت حمامة ذروة النضج الفني والأداء التمثيلي المتميز، في أدائها لعدد من الأدوار المعقدة والمركبة، وهي أفلام مأخوذة عن روايات لعدد من أبرز الأدباء، ويأتي فيلم “دعاء الكروان”، الذي اختير كواحد من أحسن ما أنتجته السينما المصرية، المستند على رواية لعميد الأدب العربي طه حسين كمثال بارز على ذلك.

وتلاه فيلم “نهر الحب” الذي كان مستندا على رواية ليو تولستوي “آنا كارنينا”، وفيلم “لا تطفئ الشمس”، و”لا أنام” عن روايات للكاتب إحسان عبدالقدوس، وفيلم “لا وقت للحب” عن رواية يوسف إدريس.

ستظل فاتن حمامة حاضرة بأعمالها الخالدة في تاريخ السينما المصرية


علاقتها مع السلطة


كثيرا ما أثارت فاتن حمامة الكثير من الجدل حولها، في تعاملها مع السلطات الحاكمة لمصر، كانت أبرز المحطات أثناء فترة حكم الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر حيث غادرت مصر لمدة خمس سنوات احتجاجا منها على بعض القوانين آنذاك، كما طلبت منها المخابرات المصرية أن تتعاون معها إلا أنها رفضت، ورغم مغادرتها مصر إلا أن الرئيس عبدالناصر كان حريصا على عودة الفنانة الراحلة إلى أرض الوطن، ومنحها وساما فخريا في بداية الستينات، ولكنها لم تعد إلا بعد وفاته.

من جهة أخرى، كان آخر ظهور لسيدة الشاشة العربية في مايو الماضي، مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والتي أبدت تأييدها الكامل له، وفي حملته الانتخابية التي ألقى فيها كلمة عن السينما المصرية توقف ليسأل عن فاتن حمامة، ثم مضى إليها وصافحها وسط تصفيق الحضور. في السبعينات،اختلف نهج فاتن حمامة في التمثيل، حيث بدأت بأداء أدوار ذات طابع نقدي بشكل أكبر، وكان على رأسها فيلم “إمبراطورية ميم”، الذي حصلت فيه على جائزة تقديرية من اتحاد النساء السوفيتي.

وكان فيلمها التالي “أريد حلا” بوابة لإصلاح قوانين الطلاق في مصر، بعدما ناقشت في الفيلم المشاكل المُسببة لها تلك القوانين.

في الثمانينات، قدمت الفنانة الراحلة فاتن حمامة مع المخرج خيري بشارة فيلم “يوم حلو يوم مرّ”، الذي لعبت فيه دور أرملة في عصر الانفتاح، ليتبع ذلك عملين من أبرز الأعمال الدرامية في التسعينات وهم “ضمير أبلة حكمت”، وأخيرا “وجه القمر”.


الجوائز


حازت على عديد الجوائز، مثل شهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأميركية بالقاهرة‏ 1999، ونجمة القرن من قبل منظمة الكتاب المصريين 2000، ووسام الأرز من لبنان، ووسام الكفاءة الفكرية من المغرب، ووسام المرأة العربية من قبل رفيق الحريري، وشهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأميركية ببيروت‏ 2013.

إقرأ أيضاً:


فاتنة الشاشة وسيدتها عاشت للفن الرفيع ورحلت في صمت


كتاب عرب: الرثاء لا يليق بوجه طفولي فاتن


فاتن حمامة تسدل الستار على 'عصر السينما'


أحببت في فاتن حمامة فتنة تمثيلها

14
مقالات ذات صلة