رحيل فالح عبدالجبار ومحنة السوسيولوجيا العراقية

الراحل فالح عبدالجبار دأب منذ وقت مبكر على تأصيل مشروعه النقدي، وعلى أنْ يكون هذا المشروع قريبا من معطيات الواقع والفكر في الدرس الثقافي.
الثلاثاء 2018/02/27
أنموذج المثقف الليبرالي واليساري

إن رحيل فالح عبدالجبار هذه الأيام يعد خسارة كبيرة للدرس السوسيولوجي العربي والعراقي، ولمشروع التجديد في معالجاته الفكرية السوسيولوجية والأنثربولوجية، وفي مقاربة الإشكالات المفهومية للدولة والأمة والمواطنة والهوية والجماعة والقبيلة، والتي تُعدُّ من أكثر القضايا تهديدا للاجتماع العربي.

لقد دأب الراحل منذ وقت مبكر على تأصيل مشروعه النقدي، وعلى أنْ يكون هذا المشروع قريبا من معطيات الواقع والفكر في الدرس الثقافي، والذي جعله من أكثر الباحثين اهتماما بالحراك المدني للمجتمع الليبرالي العراقي، ولطبيعة التحولات والتشظيات والصراعات التي عاشها العراقيون في مرحلة “الاحتلال الأميركي” وما أفرزته من وقائع ومعطيات مسّت اللاوعي الجمعي، وتمظهرات الهويات “القاتلة والمقتولة”.

المرجعيات الماركسية وأطروحات الليبرالية هي المجال المعرفي المؤسِس في مشغل عبدالجبار النقدي، وفي مواجهته لتمظهرات الصراع الديني بنسخته الطائفية، فضلا عن دراسته للتكوينات السياسية والاجتماعية في العراق، ولطبيعة الاحتراب السياسي والأهلي، ومعالجاته العميقة لتاريخية الأزمة ما بين “الدولة والأمة” عبر إعادة النظر بتداول ما يتعلق بهما من مفاهيم وأفكار، وعبر مأسسة أطروحات العقد الاجتماعي، وأنسنة موضوعات تلك الهويات وتجاوز عقد العزل التي تعيشها إلى منطقة الحوار والمشاركة ومواجهة تحديات الواقع الجديد.

من أكثر الموضوعات التي أثارت جدلا في أطروحات الراحل كانت محاولاته “التلفيقية” ما بين العلمانية والجماعات الدينية، والحديث عنها بوصفها من “المستباحات” كما يقول الفقه الشيعي، والتي كثيرا ما اصطدمت بعقدة العقل الطائفي العميقة، والتي ما زالت تنظر إلى الآخر بعين مستريبة، مثلما تنظر إلى أطروحات العلمانية بوصفها وجها آخر للإلحاد.

أنموذج المثقف الليبرالي واليساري الذي حاول أنْ يؤنسنه الراحل لم يجد صداه إلّا وسط الأنتلجنسيا العراقية، والتي وجدت في أطروحاته مجالا لتحريك ما هو راكد وإشكالي، لا سيما على مستوى النظر إلى ما هو قلق في مفاهيم الدولة والهوية والدين والمختلف وغيرها، والتي لم تزل تثير أسئلتها الصادمة في واقعٍ يشكو الكثير من تداعيات الرثاثة السياسية، والعنف الأهلي.

في كتابه المهم “العمامة والأفندي” استقصى الراحل طبيعة ذلك الصراع، من خلال مقاربة “العلاقة بين المقدّس والدنيوي في مناشئ حركات الاحتجاج الدينية في العراق” والتي تحمل في أعماقها صراعا فقهيا واجتماعيا قديما، لكنه حاول وعبر دراسته لسوسيولوجيا الدين أن يكون أكثر قربا من تاريخ ما ترتب على تلك العلاقة من تعقيدات انعكست على موضوعات جدل الأفكار، والقبول بالتنوع والتعدد، وبطبيعة ما يمكن أنْ تكون عليه هوية الدولة، وطبيعة التعايش المضطرب في مجتمعٍ أكثر اضطرابا.

وحتى في كتابه المثير للجدل “ما بعد ماركس″ أخضع عبدالجبار الكثير من تاريخ الفكر الماركسي إلى مقاربات الدرس الثقافي، وإلى “دراسة أصل النظرية” عبر تمثلاتها في الواقع وفي الأيديولوجيا، وفي وجوهها المسؤولة عن إنتاج الكثير من “السرديات الكبرى” التي هيمنت على العقل العربي.

رحيل فالح عبدالجبار خسارة كبيرة لأحد صانعي الأسئلة الثقافية، ولواحدٍ من أهم الباحثين في إشكالات وعينا الاجتماعي وحمولاته المفتوحة على محنة التاريخ وفتنة الصراعات الكبرى...

14