رحيل "مام جلال" الرئيس الساخر

الخميس 2017/10/05

منذ لقائي به للمرة الأولى في السليمانية العام ألفين، وكان معارضا شرسا للنظام في بغداد حتى لقائي به ثانية في “البيت الأبيض” في أربيل، هذا المبنى الذي أطلق عليه الأكراد هذا الاسم، تفاخرا وكأنهم يطبقون شعار “البيت الأبيض في اليوم الأسود” ردا للجميل للدولة التي حمتهم من سطوة نظام حكم صدام حسين بفرض منطقة الحظر شمال خط العرض 38، حينها التقيته وهو رئيس للعراق، استقبلني وزميلا صحافيا مخضرما، لإجراء مقابلة معه.

وقبيل تلك المقابلة الشهيرة معه التي كانت آخر مقابلاته قبل أن ينقل إلى ألمانيا برحلة علاجية، لم يقم منها حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى أمس الأول، كان مام جلال، وهذا ما يطلق عليه معيته الأكراد بمعنى العم، دأب على أن يستقبل الناس، ونحن منهم بروح الدعابة التي عُرف بها، قال لي قبل أن ندّور الكاميرات “اسمعوا حكايتي مع الطبيب المعالج في ألمانيا وفريقه عالي التخصصات، قلت لهم بعد أن أجروا فحوصات المسح الدماغي ‘سكانْ’ أن يعطوني صورة لتخطيط الدماغ، مما أثار استغراب المعالج الألماني، لماذا يا سيادة الرئيس هل أنت طبيب، سأل الألماني باستغراب، قلت له لأني أريده حجة على العرب الذين يقولون إن الأكراد لا يملكون دماغا! وفتح درج مكتبه ليخرج صورة مخطط لدماغه.

ضحكنا كما ضحك الطبيب حينها”، ثم أردف مام جلال “شوفوا حذرني البعض من معيتي من اللقاء بكم، وقالوا هؤلاء صحافيون مشاكسون سيورطونك في الأسئلة التي يطرحونها، عليك أن تعتذر لهم، لكني رفضت ملاحظاتهم كوني صحافيا مثلكم ولا أمانع من أن تسألوا كما تشاؤون دون تحفظ، ولكن لدي شرط واحد، وهو ألا تقطعوا أي جزء من حديثي معكم”. تعهدنا له بذلك، وأكملنا المقابلة، وقبل وداعه حكى لنا نكات عدة عن الأكراد ومقالبهم بكل أريحية، سألته قبيل خروجنا من مكتبه: هل أنتم جادون في تحقيق الدولة الكردية؟ قال: كثير من الأمور نحلم بتحقيقها كشعب، دعنا نحلم إلى حين ما تتاح الظروف المؤاتية.

شعرت أن رئاسة العراق لديه أكثر أهمية من إثارة هكذا إشكالية عراقية، لكنها أثيرت قبيل موته، دون أن يتداركها.

كان يعالج مشكلاته بروح الدعابة، ويبدد أحزان الآخرين بتذكيرهم أن الحياة تتطلب الصبر والمجالدة، والإنسانية، وأن بعض المواقف الصعبة التي لا حلول لها فإن الزمن كفيل بحلها، رحل وهو يُسجل سابقة كونه أول رئيس كردي يحكم في العراق الحديث وهو يردد أمام العراقيين من العرب والأكراد حال المواطن العراقي “لا قصب لا حصران لا عندنا بردي، فوق القهر والضيم رئيسنا كردي” قالها أمام شاشات التلفاز، في وقت سبقه كانت النكتة تقود إلى الإعدام.

24