رحيل مترجم الرواية الجزائرية إلى الفرنسية

المترجم مارسيل بوا يعتبر جسرا ثقافيا وحضاريا حقيقيا ونموذجيا يصل ما بين الأدباء الجزائريين الذين يكتبون بالعربية وأولئك الذين يكتبون بالفرنسية.
الاثنين 2018/06/18
حامل الرواية الجزائرية إلى العالمية

فقدت الساحة الأدبية الجزائرية مؤخرا (في 4 يونيو 2018) قامة كبيرة في الترجمة، إنه المترجم والمثقف ورجل الدين المسيحي مارسيل بوا (1925-2018)، الذي دفن بالمقبرة المسيحية بالحراش بالجزائر العاصمة، بحضور حشد من المثقفين والإعلاميين وأصدقاء الفقيد.

عُرف مارسيل بوا بترجماته للرواية الجزائرية من العربية إلى الفرنسية، كان مثقفا متميزا، وإنسانيا من درجة عالية، بعد تنقّله لفترة زمنية ما بين تونس وبيروت وحصوله على إجازة جامعية في الأدب العربي، حط الرحال بالجزائر العام 1960 أي قبل الاستقلال بسنتين، ومنذ ذلك التاريخ لم يغادرها، لا حين كانت تلتهمها نار المنظمة الإرهابية الاستعمارية OAS ولا حين كانت تلتهمها نار الحرب الأهلية التي قادها الإسلاميون ضد الشعب ومؤسسات الدولة ما بين 1990 وحتى 2000.

أحب مارسيل بوا الرواية الجزائرية، وكان واحدا من الأسماء التي شكلت وزنا حقيقيا في الساحة الثقافية والأدبية في باب الترجمة الروائية.

يعدّ مارسيل بوا إلى جانب الأب جون ديجو (1921-1993) صاحب الكتب العديدة حول الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية والأب هنري تيسيي رئيس أساقفة الجزائر السابق والذي لا يزال يعيش في الجزائر من رجال الدين المسيحيين الذين أحبوا الجزائر ووقفوا إلى جانبها أيام الثورة وفي سنوات بناء الدولة والثقافة الوطنيتين، وأسسوا وساهموا في تنمية خطاب الحوار الثقافي والديني في الجزائر.

أحب مارسيل بوا روايات عبدالحميد بن هدوقة (1925-1996)، وأحب أيضا شخصية ابن هدوقة المثقف والأديب والإنسان، فترجم جميع رواياته إلى الفرنسية، فإليه يعود الفضل الثقافي في توصيل اسم الروائي عبدالحميد بن هدوقة إلى شريحة واسعة من القراء بالفرنسية في الجزائر، فمن خلال ترجماته عرف الجزائريون في اللغة الفرنسية روايات ابن هدوقة كـ”ريح الجنوب” و”نهاية الأمس” و”بان الصبح” و”الجازية والدراويش” و”غدا يوم جديد”، كما أن فيلم “ريح الجنوب” الذي أخرجه سليم رياض العام 1975 والمقتبس عن رواية “ريح الجنوب” لابن هدوقة اعتمدت فيه الرواية مترجمة إلى الفرنسية أكثر ما اعتمد النص بالعربية، وذلك نظرا إلى جهل المخرج باللغة العربية التي بها كتب النص الأصلي.

المترجم مارسيل بوا يعد هو أيضا من عرّف ببعض أعمال الروائي الطاهر وطار (1936-2010) بين جمهور القراء بالفرنسية من الجزائريين وغيرهم

يعتبر المترجم مارسيل بوا جسرا ثقافيا وحضاريا حقيقيا ونموذجيا يصل ما بين الأدباء الجزائريين الذين يكتبون بالعربية وأولئك الذين يكتبون بالفرنسية والذين لطالما سادت القطيعة والصمت بينهما، بل والخصام والاتهامات المبنية على الأحكام المسبقة من قبل المعسكرين، فإليه يرجع الفضل في اللقاء الأدبي والإنساني الاستثنائي ما بين الروائي الكبير محمد ديب (1920-2003) والروائي عبدالحميد بن هدوقة، حيث اعترف ديب وبشكل صريح بأن لمارسيل بوا الفضل في تعريفه بتجربة الكتابة الروائية الجزائرية بالعربية وبالأساس روايات ابن هدوقة التي قال عنها “إنني أحببت روايات عبدالحميد بن هدوقة لما تحويه من عفوية فنية صادقة”.

حين قرأ محمد ديب روايات عبدالحميد بن هدوقة المترجمة إلى الفرنسية بعث برواية إلى مترجمها مارسيل بوا يشكره فيها على جمالية الترجمة ويؤكد له فيها بأنه كان السبب في الاطلاع على جزء أساسي من الأدب الروائي الجزائري، وأن الجزائر الثقافية والأدبية، على حد تعبير محمد ديب، بحاجة إلى الأدبين المكتوب بالعربية والمكتوب بالفرنسية.

ويعد المترجم مارسيل بوا هو أيضا من عرّف ببعض أعمال الروائي الطاهر وطار (1936-2010) بين جمهور القراء بالفرنسية من الجزائريين وغيرهم بعد أن ترجم له روايات “عرس بغل” و”الزلزال” .

ولم يتوقف مارسيل بوا عند ترجمة الأسماء المكرسة في الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية بل كان اشتغاله أيضا في كيفية توصيل أسماء جديدة من كتاب الرواية بالعربية إلى القارئ بالفرنسية، وفي هذا المسعى ترجم أيضا روايات لإبراهيم سعدي وغيرها.

ولقد أصبحت ترجمات مارسيل بوا، كما هي كتب جون ديجو، مراجع أساسية في الجامعات الجزائرية، خاصة في أقسام الترجمة واللغة والأدبي الفرنسي، ولا تزال هي الأدوات المفضلة المعتمدة في الدرس الجامعي منذ الاستقلال.

14