رحيل مهنا الدرة الفنان الذي كرس ريشته للخير

الباحث حسين نشوان يرسم ملامح تجربة الرسام الأردني مهنا الدرة في كتابه "الارتحال وراء الضوء".
الاثنين 2021/01/25
أعمال مشرعة على الأفق

عمان - توفي الرسام الأردني مهنا الدرة الأحد عن عمر ناهز 83 عاما بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان، على ما أفاد شقيقه يسار مهنا.

ويعتبر الدرة المولود في العاصمة عمان عام 1938، رائد الفن التشكيلي الأردني الحديث، حيث درس أساسيات الرسم بالألوان المائية مبكرا على يد الفنان الروسي جورج لييف، وأرسل بمنحة إلى أكاديمية الفنون الجميلة في روما، ليصبح أول أردني يتلقى تعليما أكاديميا بالفن في العام 1954، فدرس في روما كلاسيكيات الفن من خلال المتاحف والكنائس. ليكون إثرها أول من يقدم الفن التكعيبي والفن التجريدي في الفنون البصرية في الأردن.

وأسس الدرة، وهو خريج أكاديمية روما للفنون الجميلة عام 1958، أول معهد لتعليم الفنون في الأردن سنة 1970، وهو معهد الفنون الجميلة التابع لوزارة الثقافة والذي خرج أجيالا من الفنانين التشكيليين الأردنيين.

وعيّن عام 1975 مديرا عاما لدائرة الثقافة والفنون الأردنية، وشغل في ما بعد منصب مدير الشؤون الثقافية لدى جامعة الدول العربية في تونس وسفيرها في كل من روما وروسيا.

كما عمل مديرا للشؤون الثقافية في جامعة الدول العربية (1980 – 1981) ومديرا لدى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في تونس عام 1988 وفي القاهرة عام 1989، ثم عين سفيرا لجامعة الدول العربية في روسيا (1990 – 2001).

وعمل مؤخرا أستاذا في كلية الفنون الجميلة في الجامعة الأردنية.

مهنا الدرة قدم تجارب تعددت بين الكلاسيكية والتجريبية الحداثية تاركا التشخيص ورسم الوجوه إلى التجريدية
مهنا الدرة قدم تجارب تعددت بين الكلاسيكية والتجريبية الحداثية تاركا التشخيص ورسم الوجوه إلى التجريدية

وأقام الدرة الحائز على جوائز وأوسمة عالمية، معارض لأعماله في بلدان عدة بينها الولايات المتحدة وإيطاليا وروسيا والنمسا. كما شارك في مهرجانات دولية أهمها بينالي البندقية.

وقام الفنان التشكيلي والباحث والكاتب حسين نشوان بعمل دراسة غنية وثرية حول تجربة الفنان مهنا الدرة التشكيلية في كتاب بعنوان “الارتحال وراء الضوء”، صدر بدعم من وزارة الثقافة الأردنية.

حيث يرسم الباحث ملامح تجربة الفنان، وكيف نجح في أن يخلد اسمه كواحد من أبرز رواد الحركة التشكيلية الأردنية، وأحد مؤسسيها الذين وضعوا بصمتهم الفنية على مساراتها وتحولاتها وأجيالها.

 ويتحدث نشوان في مقدمة الكتاب الصادر عن دار “الآن ناشرون وموزعون”، عن لقائه الأول مع الدرة فيقول “أول مرة تعرفت إلى الفنان مهنا الدرة عن قرب كانت العام 2002، حينما تزاملنا في الهيئة الإدارية لرابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، وعرفته شخصيا وإداريا؛ فهو يمتاز بالهدوء؛ لكنه متمرد ومشاكس، وصريح للغاية، يتحدث بهدوء، وبساطة لا تغلفها البلاغة والتزيينات البديعية أو الفذلكة، وغالبا ما يتحدث باستغراب أو دهشة عن الأشياء”.

ويصف نشوان الدرة عندما كان رئيسا لرابطة الفنانين التشكيليين حيث يقول “أدار الرابطة في منتهى الديمقراطية؛ كان يسمع كثيرا، ويتيح للجميع التحدث، وغالبا ما يبدأ كلامه باللازمة ‘لا أدري‘، وهي لا تعني تماما عدم المعرفة، بل تندي عن عادة تشير إلى أنه لا يريد أن يفرض رأيه كسلطة، وأن رأيه معادلٌ لرأي الآخرين، فهو إيجابي تجاه الأفكار الجديدة، يتحمس كثيرا، وهو أكثر من ذلك حالم، يتحدث بالأمنيات والحزن، عن الوطن العربي والثقافة العربية والتصحر الفني”.

ويذكر المؤلف أن الدرة صاحب آراء فلسفية/ معرفية إزاء الحياة والوجود، تنأى عن السائد والمألوف؛ يعدها جزءا من المعرفة الثقافية العلمية، وكان الفنان يرى أن جزءا من التخلف الذي تعيشه البلدان العربية يتمثل في انتقاصها قيمة الثقافة والفن والجمال، وهو من أسباب مظاهر التخلف فيها، كما كان يمقت استخدام الفن إعلانيا؛ إذ يرى أن معظم الأعمال ذات الأغراض السياسية، تداعب عواطف متلقي العمل وتنسى القيم الفنية للعمل نفسه.

ويؤكد نشوان أن الدرة شكل حالة مميزة في المشهد التشكيلي الأردني والعربي، وكان أحد الرواد الأوائل لدراسة الفن في إيطاليا في الخمسينات من القرن الماضي، وتعددت تجاربه بين الكلاسيكية الأكاديمية والمختبرية التجريبية الحداثية التي انتقل فيها من التشخيص ورسم الوجوه إلى التجريدية.

   وعن تجربة الدرة مع فن التشكيل يقول المؤلف “تتوقف تلك التجربة عند حدود التلوينية والتجاورات في الكتلة وتباينات الفراغ، وامتدت إلى النص المفتوح المشرع على الأفق في تمثلاته الكونية، التي ترى الكل مكونا للجزء، والجزء متضمنا في الكل منطلقا من فلسفة وحدة الوجود، معتبرا الفن معادلا للحياة، بل يرى في فكرة الجمال نظيرا للخير والحرية. وفي موازاة التجربة الفنية، اتكأ على فلسفة نقدية تقوم على استقلالية الصورة البصرية عن السرد الأدبي مميزا بين النقد الأدبي والنقد الفني، حيث تقوم قراءة اللوحة على أبجدية صورية/ حسية بصرية وليست سمعية”.

15