رحيل ميشيل سير واضع السردية الإنسانية الكبرى

الفيلسوف ميشيل سير  كان شديد الوضوح في خطابه، بعيدا عن أساليب أعلام "النظرية الفرنسية"، إذ كان يؤمن أن أفضل فكر لا يمكن أن يكتب له الدوام إذا لم يكن مفهوما تماما.
الجمعة 2019/06/07
يجب أن يكون الفكر مفهوما ليُكتب له الدوام

رحل عن عالمنا مطلع شهر يونيو الجاري الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير، وربما يثير رحيل مفكر بحجمه الرغبة في إتمام مشروعه الفكري في أن يخط سردية متكاملة للإنسان منذ نشأته، وهو الذي كرس مشروعه الفكري لخلق تنافذ بين مختلف العلوم والفلسفة، تاركا بذلك منهجا فكريا متماسكا على غرار كبار الفلاسفة.

جرت العادة أن يغفل الناس عن الأدباء والمفكرين في حياتهم، فإذا ما قضى الواحد منهم نحبه سارعوا إلى ذكر خصاله وتعداد أعماله وتسجيل إضافاته إلى الفكر الإنساني. ولكن بعض المفكرين يأتيه الاعتراف حيّا، قبل أن يتوارى عن هذه الدار الفانية، بفضل إسهاماته الجليلة، وحضوره المميز، ودوره في إنارة العقول، ومعالجة الظواهر التي تطرأ في مجتمعه، واستشراف ما سوف يأتي لاستباق مخاطره وانعكاساتها. كذلك كان المفكر الفرنسي ميشيل سير (1930-2019) الذي غيبه الموت يوم السبت الماضي 1 يونيو، وهو الذي فرض نفسه كواحد من كبار الفلاسفة في القرن العشرين، وانتخب منذ عام 1990 عضوا خالدا بالأكاديمية الفرنسية.

هذا الفيلسوف، الذي تُعدد اليوم وسائل الإعلام مناقبه، لم تكن بدياته سالكة، إذ لم تحفل به الجامعات الفرنسية، ولم يسمح له لا بتدريس الفلسفة ولا التاريخ في رحابها، ما اضطره إلى الارتحال إلى أميركا لتدريس تاريخ العلوم في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا. عندما يتذكر تلك الفترة يقول دون مرارة “لم أكن فيلسوفا ولا صحافيا ولا كاتبا. لم أكن مفكرا يتوقع المهتمون ما سوف يقول”. ذلك أنه كان مثقفا “سائلا”، والعبارة له، لا ينفك يتنقل بين المعارف والأجناس بحثا عمّا يلبي حاجته إلى المعرفة.

ثمرة كل الاختصاصات

عندما سئل مرة “ما الفيلسوف؟” أجاب: “مسافر”، لاسيما أنه كان في شبابه بحارا، ابن بحار. كذلك كان طوال حياته، مسافرا يجوب العالم على اختلاف شعوبه وثقافاته، ليغترف من شتى المعارف المتاحة، وينصهر فيها ليكون مثل أوليس في مغارة سيكلوبي، أي لا أحد. فقد اعتاد أن يدرج نفسه في ما يسميه “الوضعية البيضاء”، مثل حارس مرمى قبل ركلة جزاء، أي في مرحلة وسطى، في وضع أقرب إلى اختلال التوازن، ما يسمح له بأن يأمل في الإمساك بمعرفة لا يعلمها، ولكنه يجهد كي تتجسد، لأن التفكير لديه استباق.

كتاب يعيد اكتشاف طبيعتنا المدفونة
كتاب يعيد اكتشاف طبيعتنا المدفونة

كان يلقب نفسه بـ”بانتوبي” Pantope من اليونانية pan (كل شيء)، وtopos (المكان)، لأنه كان يطمح إلى الإلمام بالمعرفة كلها، ويعتقد أن الفلسفة تجند تلك الوظيفة الإدراكية المجهولة والشاملة التي تسمح بالإحاطة بالواقع في كليته، إذ كان من الذين يدعون إلى التقريب بين العلوم والفلسفة، لأن المعرفة الشاملة هي وحدها التي تسمح للإنسان بإعادة النظر إلى موقعه في الكون والتصالح مع الطبيعة. فبعد أن اقترح قراءات جديدة للميثولوجيا والتاريخ والفنون التشكيلية، وأقام جسورا بين العلوم الإنسانية والعلوم الصحيحة، اهتم بالتطورات العلمية والمستحدثات التكنولوجية وأثرها في تغيير سلوك البشر، مستندا في ذلك إلى تكوينه الفلسفي، والرياضي، إذ كانت أطروحته، بعد حصوله على شهادة التبريز في الفلسفة من دار المعلمين العليا، عن “منظومة لايبنتز ونماذجه الرياضية”، وكان مدار أعماله الأولى على العُقد والاتصال، وقد أخذ عن نيكولا بريوان نظرية الاتصال، وعن جاك مونود الكيمياء الحيوية وعلم الوارثة، ما شكل نشازا في المشهد الفكري في الستينات، حيث شاعت البنيوية والماركسية والتحليل النفسي، وكانت السمة الغالبة على الفكر الفرنسي.

أما هو فكان يؤمن بأن المعرفة هي ثمرة كل الاختصاصات. لذلك حرص أن يكون عارفا بعلوم عصره، سيرا على خطى الفلاسفة السابقين، من أرسطو إلى ديكارت، مرورا بهيغل ولايبنتز، لأنه كان على يقين من أن كل مشروع فلسفي يتطلب حدّا أدنى من المعارف العلمية؛ فالكيمياء مثلا تسمح بفهم الأشياء التي نلمسها، والبيولوجيا تتيح معرفة الأدوية التي تنمي الأمل في حياة أطول. وفي رأيه أن العلماء أيضا ينبغي ألا ينحصروا في مجالات تخصصهم، بل من واجبهم أن يرفدوها بنصيب من الفلسفة لفهم الكون. وبما أن المعرفة في تصوره تتجلى في كل المجالات، سعى ميشيل سير إلى مدّ جسور بين مختلف الاختصاصات، من الفيزياء إلى الميثولوجيا، ومن الفنون التشكيلية إلى الآداب، ليدرك الخصائص التي تربط مختلف المعارف بعضها ببعض، ويثبت أن النظام يمكن أن ينشأ من الفوضى، مثلما ينشأ العقلاني من اللاعقلاني.

سردية كبرى

لو أجملنا مشروعه الفلسفي لقلنا إنه عمل تنسيقي بين جملة المعارف لجعل الإنسان في مركز الكون الذي نشأ فيه. فقد لاحظ في كتابه “المتأجج” أن التقاليد التاريخية والفلسفية الغربية أنستنا أصولنا الطبيعية، وأن أصنافنا الذهنية حبستنا في آفاق زمنية قصيرة نسبيا مقارنة بدورات الإنسان والحياة المديدة بشكل سرمدي. ومن ثَم يدعونا إلى إعادة اكتشاف طبيعتنا المدفونة بإعادة قراءة تاريخ البشر والعالم على ضوء الاكتشافات العلمية عن بنية الكائن الحي والكون الفيزيائي، فهي في نظره وسيلة للعودة إلى الزمن المديد الذي تستعمله السرديات الميثولوجية لتمكين الحضارات من تحديد موقعها في العالم.

ولذلك اقترح بناء “سردية كبرى تجمع كل العلوم”، يهدف من ورائها إلى استكشاف تاريخ الكون وإعطاء الإنسان موقعا فيه، فلئن كان للمخ عمر الإنسان الذي يملكه، فإن عمر حمضه النووي يقدَّر بمليارات السنين، والذرات التي تكوّنه يرجع عهدها إلى نشوء العالم. سردية كبرى تكون فيها الكتابة قد بدأت قبل الكتابة، ما دامت الطبيعة تترك هي أيضا آثارا تمكن من معرفة تطورها على مر الأزمان، وتحول الإنسان نفسه، فإذا ما استمع إليها صار شاهدا ومعاصرا تقريبا لعناصر لم يعرفها أي إنسان من قبل، كمولد الكون، أو ظهور الحياة.

ميشيل سير يعتقد أن الفلسفة تجند تلك الوظيفة الإدراكية المجهولة والشاملة التي تسمح بالإحاطة بالواقع في كليته

في نهاية رحلته الفلسفية كان ميشيل سير يأمل إضافة كتاب عن الدين، لأن الدين في رأيه يعطي للحياة معنى لا تقدر عليه السياسة ولا العلوم. كتاب يقوم على إعادة قراءة الأناجيل، لكون المسيحية هي الأقرب إلى الديانة الخالصة على حدّ تعبيره، بينما اليهودية جينالوجيا بقدر ما هي ديانة، أما الإسلام فيطغى عليه السياسي والتشريعي على حدّ قوله. ومردّ ذلك إلى أن المسيحية، والكاثوليكية على وجه التحديد، استطاعت أن تستغل صراع العلم والعقيدة لتنقيتها من بعض المشاكل المغلوطة كخلق الكون والإنسان، وأن تتخلى عن الفكرة الأفلاطونية القائلة بحقيقة واحدة، وشمس تضيء العالم خارج الكهف، لصالح شيء شبيه بليل تضيئه النجوم، وذلك أفضل مثال عن المعرفة في نظره، فالحقيقة، كالنجوم، لا تعشي الأبصار، والناظر إليها كمن ينظر إلى حقائق لا تحصى عددا، تأتلق لمن يريد رؤيتها. وفي هذا الصدد، يميز سير بين ثلاثة أنواع من الحقيقة: حقائق العقل والمنطق والرياضيات، وحقائق الواقع العلمية أو التاريخية، وحقائق الرأي. فأما النوعان الأولان فيشترطان عملا لإقامة الدليل على صحتهما، لأن الحقيقة تقاس على قدر العمل المبذول لبلوغها، وأما النوع الثالث فلا يحتاج إلى عمل، لأنه نسبيّ ومتغير.

الطريف أننا عندما نقرأ كتب ميشيل سير أو أحاديثه المنشورة في الصحف والمجلات، نحس أن الفلسفة في متناول كل الناس؛ فخطابه كان شديد الوضوح، بعيدا عن أساليب درّيدا وفوكو ولاكان وسائر أعلام “النظرية الفرنسية”، إذ كان يؤمن، على غرار برغسون، أن أفضل فكر لا يمكن أن يكتب له الدوام إذا لم يكن مفهوما تماما، وأن الفلسفة ينبغي أن تكتب بأكبر قدر من الوضوح، وبلغة أقرب إلى لغة الاستعمال اليومي.

15