رحيل وجيه نحلة صوفي الألوان الفريدة

الخميس 2017/02/23
حركة صوفية نورانية

بيروت- توفي مطلع هذا الأسبوع الفنان التشكيلي اللبناني وجيه نحلة عن عمر ناهز 85 عاما. وقد نعته نقابة الفنانين المحترفين في لبنان، والتي كان الراحل أحد أعضائها، واصفة إياه بأنه “صاحب اللوحة المتكاملة والباحث دوما عن لون لا وجود له”.

كما نعاه وزير الثقافة اللبناني غطاس خوري معتبرا أنه برحيل الفنان وجيه نحلة تفقد الساحة الفنية التشكيلية أحد أهم روادها الأوائل الذين عملوا على إنشاء وبلورة تيار الحداثة الفنية التشكيلية في لبنان.

وقال غطاس “ريشة نحلة حلقت عاليا وفتحت آفاقا جديدة حتى وصلت إلى العالمية، لذا ستبقى لوحاته محط الأنظار ومرجعا لكل فنان تشكيلي في لبنان والعالم”.

وُلد وجيه نحلة في بيروت عام 1932 في بلدة الطيبة جنوب لبنان. وعلى مدى مسيرته التي جاوزت نصف القرن ارتبط اسمه بالتمرد والتجريب والبحث عن المعرفة من خلال اللون، مازجا في أعماله بين البُعد العالمي والإيحاءات الشرقية، ومتخذاً من الرسم صديقاً يلازمه ثماني عشرة ساعة في اليوم الواحد.

رغم موهبته المبكرة في الرسم التي تعود إلى سنوات الطفولة الأولى، فإن أهم مراحل حياة نحلة الفنية كانت مع اكتشافه لجماليات الحرف العربي، الذي يرى الفنان أنه “يتميّز بخصوصية سموّه الروحي، حرف روحاني للتشكيل وإعادة الصياغة”.‏

ويعتبر نحلة أن كل فنان في بداياته لا بد له أن يتأثر بتيار فني معين، ولكنه في مراحل لاحقة يؤسس لنفسه مدرسته الخاصة التي تحمل بصماته، والتي تميزه عن غيره من الفنانين. لذلك يعتبر نفسه مؤسس المدرسة الحروفية إلى جانب الرسم التشكيلي حيث كان يقول “أنا أول فنان عربي بدأ بهذه المدرسة والتي تختصر بفلسفة الحرف النوراني، كما أنني أخوض في فن الزخرفة العربية وفي مجال الخط العربي بأسلوبي الخاص، فأجعله يخرج عن قواعده ليصير أكثر حركة”.‏

إلى جانب مدرسة الحروفية الخاصة به، هناك مدرسة “الحركة واللون” حيث في جل أعماله حاول الفنان الوصول إلى مستوى رفيع من التقنية التشكيلية وإلى حالة من الصوفية النورانية وشفافية اللون غير المسبوقة.‏

وأمضى الفنان أكثر من ستين سنة في رسم الآلاف من اللوحات التي تنتمي إلى مدارس ومذاهب وأنواع تشكيلية عديدة، وقد حمل إلى الغرب ألوان الشرق وخصوصياته الحضارية المتنوعة والثرية، كما أعطى للحرف العربي منزلة فنية احتلت جزءاً كبيراً من لوحاته.

نال نحلة العديد من الجوائز بينها جائزة وزارة التربية الوطنية عام 1965 وجائزة الجران باليه في باريس وجائزة متحف متروبو لبنان في نيويورك إضافة إلى وسام الاستحقاق اللبناني للآداب والفنون.

وسبق للناقد الفرنسي أندريه بارينو أن قال عنه بعد معرضه العالمي الأول في “غاليري والي فندلي” في باريس سنة 1977 إنه “أكثر التجريديين قربا من الواقع وأكثر التصويريين تجريداً”.

وفي عامه الثمانين كُرّم نحلة في قصر الأونيسكو في تظاهرة ثقافية نادرة أجمعت على استثنائية هذا الرجل الفنية والمعاناة الشديدة التي بذلها من أجل تحقيق ذاته، قبل أن يثبت أنه رمز للفن التشكيلي المعاصر.

نحلة كان يتعاطى مع اللون بعفوية مطلقة، وهذا ما يؤكده تصريحه في أحاديث صحافية قبل وفاته، إنه يختصر حياته الفنية “بضربة فرشاة على القماش”، ويشبّه طريقته في الرسم بعازف البيانو الذي لا يعود يفكر أين يضع أصابعه عندما يمتلك الخبرة، وتتحرك انفعالاته، بحيث تصبح اليد هي السباقة إلى الحركة قبل أن يعطيها العقل الأوامر.

وعلى ذكر اللون، أكد نحلة أنه دائما في حالة بحث عن لون لا اسم له؛ إذ يرى الفنان أن هناك علاقة وطيدة بين الألوان والنفس البشرية، ففي رأيه كلما ازداد إحساس الفنان باللون أصبحت لوحاته تحمل لمسات صافية ونورانية، لأنه أولا وأخيرا يعبّر عما بداخله من تآلف وصراع في المشاعر والأحاسيس. ويصفه رفاقه من الفنانين والأدباء بأنه الرسّام النحّات الحفّار المزخرِف الخطّاط الذي دائماً يعيش حالات تحدٍّ لذاته.

15