ردود فعل متباينة إزاء المسلسل العراقي "بنج عام"

دراما اجتماعية تجمع بين المأساة والملهاة عبر الكوميديا السوداء وتتناول قضايا اجتماعية وسياسية بجرأة وحرفية فنية.
السبت 2020/05/16
طرح جريء للمسكوت عنه في المجتمع العراقي

لا يزال المسلسل التلفزيوني العراقي “بنج عام”، الذي يتناول في كل حلقة موضوعا مستقلا، يُثير ردود فعل شعبية ورسمية متباينة، منها المعجبة بالقضايا الاجتماعية والسياسية التي يعالجها بجرأة، والحرفية الفنية التي يتّسم بها أداء وإخراجا، ومنها المستنكرة لأسلوب بعض حلقاته التي تناولت موضوعات حسّاسة.

يقدّم المسلسل العراقي “بنج عام”، الذي كتبه أحمد وحيد، وهو أول تجربة له في الكتابة للتلفزيون، وأخرجه علي فاضل، وتعرضه قناة “UTV” العراقية الجديدة التي تبث من مدينة إسطنبول التركية، منذ بداية شهر رمضان في حلقاته المعروضة حتى الآن، دراما مقنعة، حسب العديد من المشاهدين، تجمع بين المنحى المأساوي والكوميديا السوداء.

وتعبّر عن هموم وقضايا ومشاكل عانى منها العراقيون، وما برحوا يعانون من بعضها، الأمر الذي يجعل ذاكرتهم تسترجع، من خلال المشاهد والأسئلة التي تُطرح في كل حلقة، تفاصيل مؤلمة وجروحا غائرة في الوجدان.

و”بنج عام” من تمثيل أمير عبدالحسين، أوس فاضل، وسام ضياء، غسان إسماعيل، أحمد وحيد، أثير كشكول، إياد الطائي، ريهام فؤاد، ميلاد سري، بتول كاظم، آشتي حديد، محمد أياد، علي جبار، تحرير الأسدي، فكرت سالم، أمير أبوالهيل، بهاء خيون وآخرون.

موضوعات جريئة

حقّقت الحلقة الأولى من مسلسل “بنج عام” أكثر من مليون مشاهدة خلال أسبوع، في موقع اليوتيوب بعد بثها في القناة، وتألفت من جزئين، يتعرّض الأول لجرائم قتل النساء داخل العراق تحت مسمّى “الشرف”، من خلال قصة فتاة يُعيدها زوجها إلى أهلها بعد العرس بثلاثة أيام بتهمة أنها لم تكن عذراء، فيستعجل أخوها بقتلها غسلا للعار، لكن المستشفى تكتشف بأنها “عذراء”. ويدور الثاني، بأسلوب كوميدي، حول “تجّار المشاكل”، وعمليات الاحتيال التي يستغل أصحابها الأعراف الاجتماعية والسطوة العشائرية.

وتناقش الحلقة الثالثة، التي تحمل عنوان “الجامع”، ويقوم ببطولتها المؤلف أحمد وحيد، مشكلة تتعلّق بالمقدس حين يتعارض مع الحق الإنساني، وتتمثل بعودة أحمد من مهجره في أميركا للعيش في بلده العراق بسبب صعوبة السيطرة على تربية أبنائه هناك، ويتفاجأ بأن شخصا استولى على بيت الأسرة وحوّله إلى (جامع) للتخلّص من المساءلة القانونية، ويقدّم شكوى للمحكمة فيصدر عنها حكم لصالحه بإعادة البيت إليه.

حلقة الإيزيديات أثارت لغطا بسبب تناولها موضوع سبي تنظيم داعش للنساء الإيزيديات  وبيعهن في سوق النخاسة

وهنا تبدأ المفارقات، فليس هناك من يقبل بهدم الجامع ليكون بيتا، بل يتعرّض صاحب البيت إلى الشتم، وحتى محاولة الضرب لأنه يريد أن يهدم بيتا من بيوت الله، وتنشأ المزايدات باسم “المقدس” من غير مراعاة للحق الطبيعي والإنساني لصاحب البيت، ويطلب منه شيخ الجامع أن يصلي مع الجماعة، فيحضر الصلاة، وهو ليس مصليا في الأصل، ويمارس حركة الطقوس، وعند ختام الصلاة يترحم المصلون على والده لأنه جعلهم يصلون في بيته!

ويتحدّثون عن وقوفهم بصلابة ضد كل من تسوّل له نفسه بهدم الجامع! أما هو فيقف أمام منبر الجامع، ويخاطب الله “يا ربي عندك الملايين من البيوت، وأنا لا أملك إلاّ هذا البيت، وأخذوه مني وأعطوك إياه”!

وفي الحلقة الرابعة، المعنونة بـ”شاي.. شاي.. شاي”، يتناول المسلسل شخصية من بلدة سيطر عليها تنظيم داعش اسمه عبد أصيب بيته بقذيفة هاون أدّت إلى مقتل زوجته، فهرب رفقة ابنه، وعمل بائع شاي متجولا، لكن عددا من الأشخاص التافهين يستهزئون منه، ويسرّبون إشاعة بأنه “داعشي”. ولا ينفع تعاطف آخرين معه ومساعدتهم الخجولة له.

وثمة شخص يحمل لقبا مضللا هو حاج سهيل يمارس العنف والقتل، يعجبه شاي عبد المسكين، فيطلب منه أن يعمل عنده في المكتب، إلاّ أن عبد يرفض طلبه لأنه سمع في السوق إشاعة مفادها أنه قتل أحد الشبان، وبسبب رفضه تهاجمه جماعة الحاج ويضربونه ضربا قاسيا، ويحطمون أدواته، فيضطر إلى اعتزال العمل والمكوث في البيت، فيتعاطف معه أحد أصحاب المحلات ويساعده بمبلغ من المال ليشتري “ترمس” (إناء عازل يحفظ حرارة الشاي) واستكانات (أقداح شاي) ويعود إلى العمل في السوق، لكنه مع عودته ينتهي به المطاف إلى الاغتيال. وفي المشهد الأخير تصوّر الحلقة ابنه وقد ترك المدرسة وأصبح يمتهن مهنة أبيه.

دعاوى قضائية

أثارت الحلقة الخامسة من مسلسل “بنج عام” لغطا وضجة أكثر من غيرها، فهي الحلقة التي تناولت موضوع سبي تنظيم داعش للنساء الإيزيديات، واغتصابهنّ، وبيعهنّ في سوق النخاسة. فقد هدّد ناشطون إيزيديون بمقاضاة طاقم المسلسل بسبب ما عدّوه “تشويها للقضية الإيزيدية”، على خلفية استخدام الممثل، الذي يلعب دور عنصر في داعش، ألفاظا جارحة ضد الإيزيديين.

وأصدرت النائبة السابقة عن المكون الإيزيدي في مجلس النواب العراقي فيان دخيل بيانا شديد اللهجة قالت فيه “اطلعنا بذهول وصدمة، يمتزج معهما ألم المأساة وجروحها التي لم تندمل بعد، على مشاهد الحلقة الخاصة بسبي الإيزيديات من مسلسل ‘بنج عام’.. وكيف أساءت للقضية، وتجاوزت بشكل غير مبرّر على ديانة أصيلة ومكّن أساس من مكونات الشعب العراقي، وكيف استخدمت المأساة بكل استهتار واستخفاف وعدم شعور بالمسؤولية”. وأضافت دخيل أنه تمّت المباشرة باتخاذ الإجراءات القانونية بحقّ القناة وإدارتها، والقائمين على العمل بشكل مباشر، وهيئة الإعلام والاتصالات العراقية.

وكتب الباحث المختصّ في الشأن الإيزيدي خلدون سالم في حسابه بموقع التواصل الاجتماعي تويتر “كيف يتم طرح قضية حسّاسة تخصّ مجتمعا كاملا تعرّض إلى أبشع إبادة في العصر الحديث بهذه الطريقة الفكاهية؟”. وأضاف سالم “انتهاك حقوق المرأة الإيزيدية والتقليل من حجم الألم والوجع الذي وقع عليها، وتلميع صورة إرهابيي داعش.. كل هذا شاهدناه في مسلسل ‘بنج عام'”.

"بنج عام" عنوان يدل على أن العقل العراقي كان مخدرا ومخدوعا ببعض الشخصيات التي انتشرت في البلد
"بنج عام" عنوان يدل على أن العقل العراقي كان مخدرا ومخدوعا ببعض الشخصيات التي انتشرت في البلد

وتدخّلت وزارة الثقافة العراقية في الموضوع بإصدار بيان قالت فيه “إنها تتابع باهتمام بالغ ما أثير من ضجة بشأن المسلسل” وتستنكر “المس بالمكون الإيزيدي الكريم، وتتعاطف أشد التعاطف مع مأساته”، ودعت صناع الدراما في البلاد إلى “وجوب توخّي الدقة في تناول الموضوعات الحساسة، والالتزام بالضوابط والمعايير الفنية والأخلاقية التي تنسجم مع تقاليد مجتمعنا وأعرافه، بما يُسهم في تدعيم الوشائج الاجتماعية، وهو أنبل دور تؤدّيه الدراما في هذا الوقت”. كما أعربت في الوقت نفسه عن ترحيبها بأي عمل درامي يتناول الحياة الاجتماعية في العراق “من دون إسفاف أو استهانة بأي مكوّن تحت أي ذريعة”.

وفي المقابل، رأى الكثير من العراقيين أن مسلسل “بنج عام” أفضل إنتاجات رمضان لهذا العام مقارنة بغيره من المسلسلات العراقية، فهو “جريء وعقلاني غير مبالغ فيه”. ووصفت إحدى المشاهدات بأنه “عمل مذهل.. يحمل فكرة عبر كل حلقة تسلّط الضوء على قضايا لم تُطرح سابقا”. وقالت مشاهدة أخرى إن عنوانه يدل على أن العقل العراقي كان مخدّرا ومخدوعا ببعض الشخصيات التي انتشرت في البلد. وحيّا أحد المشاهدين مؤلف المسلسل ومخرجيه وطاقمه، مؤكدا أنه “أول مرة منذ زمن بعيد ينتابه شعور بالفخر والسعادة وهو يتابع هذا العمل الدرامي الناجح”.

وتعقيبا على الاعتراضات والانتقادات الفنية التي واجهت بعض حلقات المسلسل، قال مؤلفه أحمد وحيد إنه وفريق العمل طرحوا فيها المسكوت عنه في المجتمع العراقي، وربما توجد قضايا أخرى مهمة وثقيلة، لكنها مطروحة.

وأكّد أن بعض القصص التي كتبها للمسلسل سمعها بنفسه من أصحابها، منها قصة الإيزيدية التي تعرّضت للاغتصاب أكثر من مرة في معاقل داعش حتى نجت بعد أن دفع والدها “فدية” للتنظيم واسترجعها. وأوضح أنه وفريق العمل ارتأوا حذف بعض الأحداث والعبارات من الحلقة لأنها يمكن أن تكون ذات جرأة عالية جدا، وتُفهم على أنها استهداف لشريحة أو مكوّن بعينه.

14