رزان أياسو خفة الفراشة وأثر العطر

الأحد 2014/11/09
رزان أياسو: العاطفة تأسر اللغة

رزان أياسو شاعرة سوريّة من مواليد دمشق، خريجة كلية الآداب في جامعة دمشق قسم اللغة الإنكليزية، تقيم في لندن، صدر لها “همسات جريئة”، “امرأة فوق الوهم”، “صوت في المدى”، “هكذا أصير أجمل” ومؤخرا “دانتيل”، أحيت العديد من الأمسيات الشعرية في دمشق ولندن. “العرب” التقت رزان للتّحدث إليها عن الشعر والوطن، الأمسيات والدواوين، والروح المعلّقة بين دمشق ولندن.

تعتمد أياسو قصيدة النّثر المفعمة بالجرس والموسيقى، في قصائدها تكثيف لحالة خيالية، شاعرية، وأنثويّة بامتياز. تبحث عن روح الأنثى الصّافية، لتبذرها في أرض الحياة، وفي قلب الرجل، لينبت الحب الذي تقصّ سيرته الطويلة في قصائدها، فمرّة ترسمه بأبهى صوره وألقه، ومرّة تحكي عن هزائمه وانكساراته، ليكون التّداوي منه به، والنّزوح دوما منه إليه.


الطفولة والوطن


عن البدايات والطفولة في أزقّة دمشق وحاراتها، والعين التي تراها بها، تقر الشاعرة أن طفولتها كانت سعيدة في أسرة متوسّطة ومتناغمة بشكل كبير، قائلة: “إذا كان الإنسان نتاج طفولته، فأنا أدين بصفاتي الفُضلى لفترة الطّفولة، لأنّها كانت مليئة بالحبّ والرعاية والاهتمام، ممّا جعلني أنظر بعين الرّضا إلى كلّ ما حولي. وعن علاقة طفولتي بدمشق أذكر تماما أنّني كنتُ أخرج إلى الشّرفة وأرى دمشق على مساحة نظري ممتدّة كبساط يعانق المدى، كنتُ حينها أعتقد يقينا أنّ ما أراه هو الدّنيا، هو كامل الكرة الأرضية”.

تستذكر الشاعرة أنها حين كبرت وتعلّمت عن البلاد والجغرافيا، وأنّ ما تبديه الشّرفة هو جزء صغير من المدينة، تحايل قلبها على الحقيقة، وها هي مازالت ترى دمشق من شرفة ذاكرتها هي الدنيا.

تضيف قائلة: “دمشق ليست مدينة فحسب، دمشق حالة حبّ تتسرّب إلى الرّوح وتُفتح لها منافذ القلب، لا أستطيع إلّا أن أكون دمشقيّة بامتياز، بلهجتي الدّارجة، بذائقتي الفنيّة والأدبيّة، بمطبخي، بعلاقتي مع الأرض والسّماء. أعتقد أنّ دمشق لا تترك إمضاءها على ورقة الميلاد، بل تترك وشما في ظاهر الحبّ وباطنه”.

عن حزن الوطن الذي ينتابها، وعن وقع دمعه الذي لم يجف منذ أكثر من ثلاثة أعوام تقول الشاعرة: “لطالما قلتُ إنّ الحزن خلاّق، وسوريا لا تعجز أن تداوي جراحها وجراحنا، كالأمّ تلملم فتاتنا وتنهض بنا من جديد لغدٍ أكثر إشراقاً وفرحاً، كلّي ثقة أن دمشق ستعود أكثر بهاءً، لا أنكر أنّ الجرح كان عميقاً وموجعاً.

حاولت، على ضعفي، أن أمسك بخيوط الأمل، وأن أظلّ متفائلة بأن بلدي ستنهض كطائر الفينيق، وستبقى شاهدةً على حتميّة الحياة رغم بشاعة الموت والسّواد. دائماً كنتُ أكتب وأردّد بأنّنا أبناء الحياة، ونحن أوْلى بها، رغم الثّمن الباهظ الذي دفعه الجميع في هذه المحنة، أريد أن أبقى على يقين بأنّ هناك غداً أجمل ينتظرنا”.

أنا مدينة لكل الأرصفة التي حملت خطاي في كل اتجاه. مدينة لندن لم تبخل علي، وأعطتني ما يحتاجه كل شاعر، وقتاً كافياً للتأمل وإعادة صياغة فكري ونظرتي للحياة


القصيدة الأنثى


من يقرأ قصائد رزان أياسو ينتابه الإحساس بغياب المفردة، ويجتاحه وقعُ روحٍ عاشقة، حيث تتنحّي الأبجديّة لحظة القراءة، ويطغى الإحساس والدّفق الشّعوري المنسابان من عاطفة، تصور لنا أن كل أنوثة الأرض اجتمعت في قصيدة واحدة. تؤكد الشاعرة أنها تكتب القصيدة بفيض مشاعرها، بإحساسها بتفاصيل الوجع، بطفولةٍ ربّما لا تعير انتباهاً لمقاييس الشّعر المتوارثة، إنها تكتب شيئاً يشبهها، يقولها، يفهمها. فالشّعر يفقد قيمته، في رأيها، إذا فقد عفويّته، وصار رهناً لـ “ميزورة” النّاقد أو الباحث. لذلك فهي حين تكتب تترك للكلمة حرّيتها في انتقاء الفصل واللّون والرّائحة، على أن تكون قد شربت من بئر إحساس شاعرتها ما يرويها ويميزها.

تعتبر رازان أن الشّعر رحلة وجدانيّة مكثّفة، فيها من المشاعر ما يصل بنا إلى عمق الحالة بشفافيّة عالية، تعطي للشعر ألقه وتفردّه. لافالشعر القوي لم يكن يوماً ما نراه على السّطور، بل هو ما نستطيع أن نتأمّله بعمق بينها، هو الذي يجرّك إلى التساؤل والتأمل والشّك أحياناً، لذلك هو ليس تجربة خاصّة وحسب، بل لا بدّ أن يكون قادراً على ملامسة نبض القارئ بشيء يعنيه، لا بدّ أن يكون حجراً صغيراً في ركود الفكر، محرّضاً على السؤال. ومع ذلك فهي تفضل أن يكون ذلك بتلقائيّة وعفوية تؤدي الغرض من الكتابة، لا أن يكون غاية في ذاته يسعى إليها الشاعر، فيفقد النّص انسيابيّته وتسقط عن الفكرة سلاستها”.


دهشة الشعر


غالبا ما نتساءل عن أجمل ما في الشعر، وإن كانت الحالة الشعرية وليدة لعاطفة حقيقية أم خيال مطلق. تعتبر رازان أن أجمل ما في الشعر هو حالة الدّهشة التي يخلقها، حيث ذات المفردات بصياغة جديدة تفتح ثغر الدّهشة والتأمّل والإبحار إلى ما وراء الكلمة، ليكون المعنى أوسع وأشمل، فالشعر، في رأيها، جناح إلى تأمّلاتنا وأحلامنا وخيباتنا وانكساراتنا حتى، وما من شيء يحلّق بك إلاّ وهو حالة خاصّة من الجمال والسّمو يتلاقى فيها خيال الشاعر مع شيء من تجربته عموماً.

كل أنوثة الأرض في قصيدة

تضيف قائلة: “بالنسبة إليّ هناك الكثير من قصائدي التي تمسّني بشكل خاص، لكنها مع ذلك تتماهى مع التّجربة الإنسانية للكثيرين، وبذلك تخرج من الحيّز الضيّق للـ”أنا” إلى فضاءٍ رحبٍ من اللّحظات الإنسانيّة التي نتقاطع جميعنا بالكثير منها، ولا أنكر أيضاً أنّ للخيال دوره، لأنّ الشعر بحاجة للمسة سحريّة كما في قصص الأطفال، ليأتي مكتملاً بسحر هو ألقه، وربّما ليبارك بعض أمانينا”.


الشعر والحب


الشاعرة تصر أن الحب هو صاحب التوقيع الدائم على كلّ القصائد، فهو، في اعتقادها، شريان الحياة ونبضها بمفهومه الشامل ومعناه الأوسع، بداية من حبّنا لأنفسنا إلى ما لا نهاية.

تقول: “قد يبدو الكلام حالماً في عالم معقّد وسريع الإيقاع. لكن كلّنا نبحث عن الحب وعن كلمة حانية وصدرٍ واسع مهما اختلفت الوجوه والأسماء. أؤمن بخصوصيّة كلّ تجربة في الحب، ما من قصّة تشبه غيرها، كالبصمة متفرّدة وخاصّة، ولذلك لا تعنيني تسميات الحب، الحب الأول، الحب الأبدي، الحب الوحيد، لأنّني أعيش قصّة الحب لتكون حينها كل تلك الأشياء مجتمعة، لكن تمضي الأيام بخطّها البياني، ليكون لنا أكثر من لقاء وأكثر من خيبة وأكثر من قصّة.

القاسم الوحيد في ذلك هو الحب، رغم تعدّد الأسماء واختلاف الزّمان والمكان. هذا سرّ الحب وعظمته، دورة كاملة لا تأبه للشّخوص طالما اكتمل نبض الفصول”.


الأمسيات الشعرية


عن إطلاق سراح القصائد من الدواوين إلى فضاء أوسع في الأمسيات الشعرية، تشير أياسو إلى أن اللّقاء مع الآخر هو تتويج للشعر، والأمسيات الشعرية تناغم فريد بين الشاعر والحضور، حيث الشاعر يعزف بحرفه على نبض مشاعره، ويصل إلى نشوة القصيدة في ذروة الإبداع. فإلقاء الشعر، بالنسبة إليها، ولادة أخرى للقصيدة، وصداها عند المستمع بوصلة حقيقية ومباشرة لآداء الشاعر، بداية بالنص مروراً بحباله الصّوتية إلى أن تلج عمق الحالة الشعرية، التي ينبغي أن تسافر بالمتلقّي على جناح المتعة والفضول.

المرأة العربية الشاعرة، رغم فرط إحساسها وإبداعها، لم تأخذ حقها في الإعلام


ديوان دانتيل


في حديثها عن مجموعتها الشعرية “دانتيل” الصادرة مؤخرا عن دار الحكمة في لندن، وعن إضافته لتجربتها الشعرية، تؤكد الشاعرة أن “دانتيل”، وهي مجموعتها الشعرية الخامسة، فيها من الشّفافية والأنوثة والنمنمات ما يجعل عنوانها اختياراً موفّقاً. فهي، كما ترى، كلمات تنسجها لغة الأنثى من أقصى تجلّيات الشّوق إلى فتات الخيبة، وأكثر من محطّة للقلب والعقل والذّاكرة. كلمات في الحب، الرغبة، الانتظار، الرحيل، الحياة، تفاصيل عشق بلسان امرأة تؤمن بالحب وتبشّر به. وهي أكثر من سعيدة بهذه المجموعة، راجية أن يراها الجميع بعين الرضا والاستحسان.


الشاعرة والمهجر


عن لندن.. وما أضافه المهجر لرزان الإنسانة والشاعرة، تقول: “أنا مدينة لكلّ الأرصفة التي حملت خطاي في كلّ اتجاه. مدينة لندن لم تبخل عليّ، وأعطتني ما يحتاجه كلّ شاعر، وقتاً كافياً للتأمّل وإعادة صياغة فكري ونظرتي للحياة. أتاحت لي خصوصيّة لم تكن لتتوفّر في بلادنا المزدحمة بالتفاصيل الاجتماعية و”الحشريّة”.

لقد وسّعت لندن من آفاقي، ومعرفتي بالآخر، وعلاقتي بالطبيعة، وفهمي للدين. وتمكنت من هضم ما تعلمتُه ليصير أسلوب حياة قوامه البساطة والصدق”.


الشاعرة والذكورية


عن الشّاعرة العربيّة وإن كانت قد نالت حقها من المجتمع والإعلام، وعن دور الرّجل في كبح جماح إبداعها أو إطلاق العنان له، تؤكد أياسو أن المرأة العربية الشاعرة، رغم فرط إحساسها وإبداعها، لم تأخذ حقّها في الإعلام والشّهرة كما فعل الرجل، وهي لا تلقي اللّوم على الرجل كـ”شماعة” نعلّق عليها أخطاءنا وتقصيرنا.

تضيف قائلة: “إن المرأة كانت ولم تزل تعطي الأولوية لعائلتها وأطفالها، فلا تلتزم بحضور الفعاليات الثقافية في منابر أو بلدان مختلفة، فهي لا تجيد التّسويق لنتاجها الأدبي، وليس عندنا من يهتم لهذا الجانب للأسف، فالمرأة لا تؤخذ في كثير من الأحيان على محمل الجد، وقد ينسَب نجاحها لجمالها أو حظّها، بعيداً عن التّقييم الفني والموضوعي لآدائها. ناهيك عن دفن مواهب كثيرة بسبب تسلّط العقل الذكوري في المجتمع الذي يرى في جرأة المرأة الشاعرة تجاوزاً لا يليق، ومازال البعض يحاول جاهداً أن يحجب الشّمس بإصبعه”. فالمجتمع العربي مازال، في رأي الشاعرة، ذكورياً بامتياز، ومازالت المرأة تجهد للخروج من عباءة الرجل في شرقنا. وقليلون جداً من يباركون نجاحات المرأة ويفخرون بها. فالمرأة حين تكتب قد تخيف الرجل لأنّها تقدم رؤيتها فيه وفي علاقات شائكة بحسّ الأنثى وتمرّدها. إذ تعتبر رازان أن عوالم المرأة وأعماقها، مازالت تقلق الرجل لأنها قادرة على وضع إصبعها على الجرح، وأن تخاطب الجمهور انطلاقاً من تجربة الأنثى وبلسان حالها. لذلك فإن أي نجاح للمرأة الكاتبة هو، في رأيها، نجاح مضاعف، لأنها تتحمَل للوصول إلى ثمرة جهدها مالا يتحمّله الرجل. وهي، كشاعرة، تفخر بكل الأسماء العربية التي لمع نجمها على السّاحة، متمنية أن ينالها نصيب من ذلك.

عن حلم رزان الشاعرة، وإلى أي مدىً يصل، تقول: “أريد أن يكون لكلمتي صداها في الروح، وأن يكون لي بصمتي الخاصّة في عالم الشعر، وأن يكون لي على الأرض خفّة الفراشة وأثر العطر”.

16