رزان زيتونة ولغز اختفائها بين الإسلاميين ومخابرات الأسد

الأحد 2015/05/31
زيتونة امرأة أسست مشاريع تنموية على أنقاض ريف دمشق

غابت محمّلة بكل ذلك الإصرار على الوصول إلى عمق التغيير المنشود، والذي آمنت به، ومثّل بنظرها إحدى أهم مرتكزات وثوابت الثورة السورية، الانتفاضة التي ساهمت هي بشكل فعّال ومباشر في إطلاق شرارتها، وتوثيق كل مظاهر التدهور الإنساني والحقوقي خلالها، لأنها رأتها ثورة من أجل العدالة والمواطنة والحرية وحقوق الإنسان.

رزان زيتونة الحقوقية والمرأة السورية العاملة في الشأن العام، والتي تمثل بقصتها الصراع الحقيقي والتناقض الفعلي في بنية الثورة بين مشروع ومشروع، وهدف ذلك التناقض الذي أحدث الانقسام في بنيان الثورة السورية وفي تحديد هويتها وملامحها المُشهرة فكانت مع رفاقها ومع من قام بتغييبها قسراً معادلا موضوعيا لكل تلك التناقضات العميقة.

ربيع الإنسان

ليست من الملائكة ولكنها من المؤمنين، إنها لا تصرخ بل تقطف ثمرة الحديث، وترسله ممهورا بروح أخرى دقيقة، يستهويها المضمون العملي محدد الأهداف، المؤطر بآليات وصول واضحة “يكفي كلاما خارج السياق نحتاج أن نتعرف إلى أين نمضي وماذا نريد بالضبط ونعمل لأجله”، كانت تلك طريقتها، رزان زيتونة المختلفة، المؤمنة بما تفعل حد التقديس.

محطات حقيقية في تاريخها تتداعى بشكل مكثف أمامي وأنا أرصد ملامح المشهد القديم الذي صنعها وصنعته، هناك في ذلك البيت الشامي العتيق في إحدى حارات حي البرامكة وسط دمشق، حيث غرفة الاستقبال الأولى في مكتب الحقوقي “هيثم المالح”، حيث كانت تجلس في ركنها بين كومة من الكتب والأوراق والملفات، أصابعها تتراقص بسرعة تعزف إحدى تقاريرها على الكيبورد.

شعر أشقر مضموم دون اكتراث وعينان محمرّتان من الوقت الطويل الذي تسرقها به شاشة الحاسوب وهي تعد إحدى تقاريرها الحقوقية وتترجمها وتوزعها، كانت زيارتي الأولى للتعرف على هذا المكان الذي كان إحدى ثمرات ما سمّي حينها بتفتح “ربيع دمشق” الذي أثمر جمعية حقوق الإنسان في سوريا والتي ضمت ضمن صفوفها نشطاء حقوقيين وسياسيين من مختلف المشارب والتوجهات الأيديولوجية، لم تعطني من نظراتها المباشرة سوى ثوان فقط، وقد جلستُ بهدوء إلى جانبها أتابع ما تكتب حين قررتُ الالتحاق بالعمل في صفوف تلك الجمعية التي أشرقت في عام 2000 وكانت رزان عضواً مؤسسا فيها.

بقيت ساعة من الوقت وأنا جالسة أمامها وهي تعمل غير منتبهة إلى أيّ من تحركاتي وتقليبي للكتب التي تضمها المكتبة، دخل علينا الأستاذ المالح، رحّب بي وقال بشيء من التلطف “لا بد وأن رزان لم تهتم بضيوفها، فهي حين تعمل لا تفكّر بأيّ شيء آخر”، انتهى تقريرها، وضع عليه المالح بعض الملاحظات، وقال لها أرسليه على عجل لربما نستفيد من ضغط المنظمات لتشكيل حماية لهذا المعتقل، كانت رزان قد قابلت عائلة المعتقل بسرية تامة وضمّنت شهادتهم، كانت تهمته كما ورد في التقرير “إسلامي”، وقد تضمن التقرير معلومات أخرى تتعلق بظروف الاعتقال والتعذيب في السجون السورية التي يمكن أن يتعرض لها والمحاكمات غير القانونية التي تتم عادة في مثل هذه الحالات والمصير المتوقع والذي يمكن أن يكون التّصفية، ومعلومات أخرى حول محكمة أمن الدولة التي سيقف أمامها.

قالت لي رزان بقليل من الاكتراث وكأنها تتحدث عن شخص آخر “أنا ممنوعة من السفر، وكل يوم تقريبا أُستدعى للتحقيق في أحد الفروع الأمنية، وأمام مكتبنا سترينهم كل يوم واقفين، يمكن أن يرافقوك بكل مشاوريك” بالطبع كانت تقصد “المخبرين”، مضيفة إن “العمل صعب، والكل سيكون ضدك، حتى بعض أهالي المعتقلين، قد يبلغون عنك في حال أردت تتبع معلومات المعتقل، أو جمع التفاصيل منهم إذا لم يثقوا بك، لأنهم ببساطة يخافون انتقام النظام”.

بعد طرد قوات الأسد من ريف دمشق يسجل يوم 24 نيسان 2013 تسلل رزان زيتونة إلى غوطة دمشق الشرقية لتستقر في دوما بمساعدة قريب لزوجها، تبين لاحقا، بحسب شهادة أحد أعضاء مكتبها، أنه ينتمي إلى جيش الإسلام

مع الكرد وفلسطين والعراق

في 12 آذار من العام 2004 وحين صمت كثيرون، ورددت غالبية وسائل الإعلام السورية رواية نظام الأسد، بعد أن حاصر مدينة القامشلي، وضرب حولها طوقا أمنيا وعسكريا شديدا عقب أحداث الملعب وانتفاضة الأكراد، كانت رزان الحقوقية والصحفية الوحيدة التي تسللت بجرأة إلى المنطقة ووثّقت ما يجري هناك فلا قومية ولا طائفة ولا أيديولوجيا في حقوق الإنسان بحسب معاييرها، فهي حق للجميع، والمعتقلون الإسلاميين كانوا أهمّ من عملت لأجلهم مع فريق عمل الجمعية دون أن يكون لتوجهها العلماني أيّ تأثير على هذا الخيار.

وحين حاصرت إسرائيل جنين، وواجهت انتفاضة الفلسطينيين الثانية، كما الأولى بالرصاص، وسرى الغضب بين السوريين، بعد أن احتلت أميركا العراق، فملأت مظاهراتهم الشوارع، كانت رزان زيتونة حاضرة، أوقدت الشموع على رصيف الشارع وغنت لهم “موطني” و”بلاد العرب أوطاني” وهتفت “لا للقمع لا للاحتلال نعم للشعوب الحرة”.

بقيت قضية حقوق الإنسان ناظم شخصيتها الأساسي، فشاركت ودعت للمظاهرات الجريئة، التي انطلقت في دمشق للمطالبة بوقف انتهاكات حقوق الإنسان وإطلاق سراح معتقلي الرأي والضمير في العام 2005، وركضت وواجهت الأمن وهو يلاحق المشاركين، تعرضت للضرب والاعتقال كما باقي النشطاء، قالت يومها “لا بأس إنها تجربة فريدة واستحقاق علينا خوضه، فالقضية كبيرة، وهكذا تورد الحريّة”، لم تكن قد تجاوزت الثلاثين بعد ولكنها ناضجة بما يكفي لتوصف بالجدية، والعمل وفق هدف واضح محدد، والتعالي عن كل ما من شأنه أن يهدر وقتها دون ثمرة تضاف إلى رصيدها الحقوقي وإلى ملف من تعمل لأجلهم.

وقد لا يكون كشفا لسرّ القول إن رزان وزوجها وائل حمادة، كانا من محركي ومنظمي انطلاق المظاهرات قبل تاريخ 2011-3-15 بفترة تصل لأكثر من شهرين، بمشاركة عدد من أهم النشطاء المدنيين والسياسيين في دمشق وريفها ممن كانت تحتضن اجتماعاتهم مدينة دوما، مركز الغوطة الشرقية والمكان ذاته الذي اختطفت فيه رزان لاحقاً، كان اتفاق النشطاء حينها يقضي بأن تكون تلك المدينة منطلق الثورة في دمشق وريفها عامة، وحينها كانت تلك السيدة حاضرة بذات الهدوء والقوة على رأس المظاهرات الأولى في دوما وحرستا والمعضمية وغيرها من مدن ريف دمشق.

كانت الكاميرا بيدها، تلتقط الصور وقد بدأ صوتها كناشطة مدنية مشاركة في الثورة يجتاح نشرات الأخبار، تتحدث بتلك اللغة الحقوقية الوطنية الراقية وتنقل المشهد كما لا يحب النظام وداعموه، جرأتها كانت لافتة، حين كانت الغالبية تتخفى خلف الأسماء الوهمية، وحدها رزان زيتونة، وعدد قليل جدا من الشخصيات، تجرؤوا على الحديث من داخل دمشق بالاسم الصريح، كانت ملامح المشهد واضحة لها، إنها “أعراض الولادة ” هنا تولد ثورة الحرية والكرامة كما كانت تطلق عليها.

الكتائب العسكرية المتنوعة تسيطر على الغوطة، وعلى حركة التنقل داخلها، كما يسيطر النظام على مداخل الخروج والدخول إليها، في الوقت الذي كانت تنهار فيه مؤسسات الدولة القضائية والشرطية، والانتهاكات المتنوعة تتفاقم بفعل غياب المرجعيات القانونية وانتشار السلاح وصراع الكتائب والجوع والفقر والعوز

التسلل إلى الغوطة

لوحقت رزان، غير أنها كانت متمرّسة في التخفي والتنقل بين المناطق، وحتى لا يضيع هذا الجهد ويبقى في الإطار المنظم والموجّه بشكل صحيح أطلقت عليه مع آخرين اسم “تجمّع لجان التنسيق المحلية”، بهدف إعطاء هويّة للحراك وتنظيمه، ونقل صورة حقيقية موثقة عما يجري، فاكتسبت تلك المؤسسة، والتي كانت الأقوى إعلاميا في السنوات الأولى، ثقة كثير من الوكالات الإعلامية العالمية، بعدها اعتقل زوجها، الرجل الهادئ الرزين، وبقي لأشهر طويلة في سجون النظام بسبب نشاط زوجته المعلن ونشاطه الأكبر المخفيّ، تم تعذيبه بشكل مضاعف، عنه وعنها كما كانت تقول، وهو ما أجبرها على إيقاف ظهورها الإعلامي لتكتفي بالعمل الحقوقي والتوثيق.

“أريد محامين”، كان هذا طلبها، فقد كانت ترى أنه لا يوجد وقت لتدريب نشطاء ليست لديهم أرضية قانونية كافية للعمل، فالوقت ليس في صالحنا والحاجة كبيرة إلى العمل التخصصي مع كل تلك الانتهاكات التي كان يرتكبها نظام بشار الأسد منذ السنوات الأولى، ولكنها بذلت جهودا كبيرة في إقامة ورشات تدريبية على مستويات عالية، لتدريب نشطاء حقوقيين وتأهيلهم، سارت عجلة العمل وأسست VDC تقارير دورية وملفات موثقة ومصداقية عالية، شفافية متناهية في القبض والصرف، كان يكفي أن يكون لرزان زيتونة يد في أيّ مشروع يقدم لأيّ منظمة دولية ليكتسب المصداقية، تقييم كان يخدمها من ناحية ويجعلها عقبة في وجه آخرين من ناحية أخرى حين يسألون “فهل تبقى رزان طريقا أوحد للدعم؟”.

تم طرد النظام من مدينة دوما ومن معظم مناطق الغوطة، وكانت هي في تلك الأثناء متوارية في أحد بيوت دمشق، تتحرك بحذر وتخفٍّ ما بين المناطق، ولا تزال تتنقل هنا وهناك لتلتقي بالناس وتجمع المعلومات، سجل تاريخ 24 نيسان 2013 تسلل رزان وانتقالها إلى غوطة دمشق الشرقية لتستقر في دوما بمساعدة قريب لزوجها، علمت لاحقا (بحسب شهادة أحد أعضاء مكتبها) أنه ينتمي إلى جيش الإسلام، فأرادت أن تقدم مساهمتها التخصصية وثمرة علاقاتها العامة مع شخصيات سياسية عالمية ومنظمات دولية وجهات مانحة ونشطاء سوريين لتخدم تلك المنطقة.

مشروعها الأساسي كان دعم جميع الجهات المدنية وتعزيز عملها ووجودها، تواصلت مع جميع المؤسسات (خدمية وحقوقية وإعلامية)، وحاولت وفريقها زيارة السجون التابعة للفصائل العسكرية، وكان لها ذلك باستثناء سجون جيش الإسلام فلم يسمح لها بزيارتها، كان لديها طموح أن تدرّب كوادر السجون على أساليب التحقيق واتفاقيات حقوق الإنسان، أقامت عدة ورشات تدريبية للإعلاميين والحقوقيين في الغوطة، وسعت جاهدة لتأمين الدعم اللوجستي للشباب عبر تزكية النشيطين منهم لدى المنظمات التي تثق بترشيحاتها.

كانت الكاميرا بيدها، تلتقط الصور وقد بدأ صوتها كناشطة مدنية مشاركة في الثورة يجتاح نشرات الأخبار، تتحدث بتلك اللغة الحقوقية الوطنية الراقية وتنقل المشهد كما لا يحب النظام وداعموه

ريف دمشق وسيطرة الكتائب

سيطرت الكتائب العسكرية المتنوعة على الغوطة، وعلى حركة التنقل داخلها، كما سيطر النظام على مداخل الخروج والدخول إليها، في الوقت الذي انهارت فيه مؤسسات الدولة القضائية والشُرطية.

وبدأت الهوة تتسع، والانتهاكات المتنوعة في تلك البقعة تتفاقم بفعل غياب المرجعيات القانونية وانتشار السلاح وصراع الكتائب، الجوع والفقر والعوز وتوقف التعليم والمدارس، وزيادة مطّردة في عدد الأيتام والأرامل والحاجة إلى المزيد من الدعم، استقطاب وتفشٍ لمبدأ عدم الحيادية والعدل في توزيع الدعم والإغاثة للأهالي واعتماد مبدأ الفئوية والتحزبات وتركز أموال الدعم في يدي جهة معينة، وظهور فئة التجار والاحتكارات وتراجع الهيئات المدنية وتغييبها، أسباب عديدة دفعت رزان إلى التمسك بالبقاء في الغوطة، بحسب قراءتها، لأهمية وجودها كعامل توازن، حيث أنها كانت تركز دعمها للفئات المهمشة والأكثر حاجة ما أثار حفيظة بعض الجهات.

رقعة المشاريع التي تديرها رزان أخذت تتسع، ليتم لاحقاً تأسيس مكتب للتنمية ودعم المشاريع الصغيرة الذي كان وائل حمادة وزميله ناظم حمادي (جميعهم من المختطفين مع رزان) يديرانه، فيما اقتصر دورها هي على تأمين الدعم، كان ملخص الفكرة أن يجري تشجيع المشاريع الصغيرة، بدل الاعتماد على توزيع الطعام على الناس، النساء الآن، المجلس المحلي في دوما، مشروع الطاقة البديلة والغاز البديل في الغوطة الشرقية، مشروع توليد الكهرباء من خلال عنفات مائية، مشروع للعنفات الهوائية، مشروعات دعم التعليم والمدارس، تدريب الشرطة العسكرية ودعم الأطفال وحملات النظافة وغيرها، أكثر من 62 مشروعا كانت تمر عبر مكتب التنمية ودعم المشاريع الذي تديره رزان وفريق عملها، والهدف أمام عيونها وتعلنه باستمرار نريد دولة مؤسسات مدنية قوية ومن هنا يجب أن نبدأ.

وضعها دورها هذا، تحت العدسة المكبرة والمتابعة، كيف لا وقد بدأ الكلام يتسرب عن قيام رزان بتوثيق الانتهاكات التي كانت ترتكب من قبل النظام والأطراف العسكرية وغيرها، ناهيك عن الناحية الشكلية المتعلقة بكون رزان غير محجّبة وهو ما عرّضها ولمرات عديدة للتوقيف على حواجز بعض الفصائل لتواجه بكلمات كانت تردّ عليها بقوة “نحنا ما عنا حريم تمشي بها الشكل”.

التهديدات والاختطاف

تم تهديد رزان وترويعها، ورميت قطة ميتة متفسخة أمام باب منزلها مع طلقتي رصاص وورقة حملت تهديدا بالقتل في يوم 9 سبتمبر من العام 2013، رسالة نشرتها رزان للإعلام وقد اعترف المدعو حسين الشاذلي أبو عبد الله (ضابط أمن الغوطة الشرقية) من مدينة دوما بوقوفه خلف هذا التهديد بعد اعتقاله من قبل القضاء، تحقيق لم يكتمل مع هذا الشخص الذي تمّ تهريبه وحمايته في ما بعد دون أن تكتمل الحقيقة، هل يقف الشخص ذاته خلف اختطافها؟ وقد قيل في ذلك الكثير واتهم فصيل عسكري كبير في الوقوف وراء ذلك دون أن يكون هناك حسم وقطع في المسألة، لم يشكل فضح رزان للحادثة حماية لها كما اعتقدت، ففي يوم 9 ديسمبر من العام 2013 دخلت مجموعة مسلحة ملثمة واختطفت كل من كان متواجدا في مقر “مركز توثيق الانتهاكات” وهم رزان زيتونة وائل حمادة وناظم حمادي وسميرة خليل، ومنذ ذلك الحين سقط غصن الزيتون، وغابت رزان وغيبت تلك الشخصية بما تحمله من بعد وطني، مواطني، مدني، حقوقي، فيما لايزال مختطفها غائبا طليقا، ليبقى ملف القضية مترنحا وتبقى “حكاية زيتونة الثورة ” مفتوحة على كل النهايات.

8