رزمة من المشكلات تواجه عباس قبل الانتخابات

باختلاط الأوراق، تتفاقم حال الفوضى التي لا يستطيع عباس معالجتها، لاسيما بعد أن أصبح أسيرا لحلقته الضيقة التي لا تشمل شخصية وازنة بمعايير التاريخ.
الأحد 2021/01/31
تمسك بتوجهات عقيمة

في التعاطي مع فرضية الانتخابات الفلسطينية العامة، تتقاطع التوجهات وتختلط الأوراق في الجانب الذي يمثله الرئيس محمود عباس، ما دفعه إلى إطلاق التهديدات بالإقصاء في حال أقدم أحد الكوادر المتقدمة على تشكيل قائمة أو الترشح للانتخابات دون موافقته. وبدا أن الأسير مروان البرغوثي يميل إلى خوض السباق الرئاسي، بينما أعلن محمد اشتية عن ترشح عباس لهذا السباق ممثلا لحركة فتح التي يرأسها رئيس السلطة وهو في منتصف العقد التاسع من العمر.

ذلك كله ناتج عن حال حركة فتح وما وصلت إليه أمورها بعد سنوات طويلة من الإهمال والفُرقة المعلنة والمخبوءة، بينما الرجل يتفرد في السلطة وفي القرارات المخالفة للنظام الأساسي في الحركة ولـ”القانون الأساسي”.

وتدل كل المؤشرات على أن معركة عباس المقبلة ستقع قبل الانتخابات على النحو الذي من شأنه إعاقتها، ناهيك عن شروط حماس في حال وافقت -وهذا مستبعدـ على تشكيل قائمة مشتركة ترفضها قواعد الحركتين. وباختلاط الأوراق واختلاف التوجهات، تتفاقم حال الفوضى التي لا يستطيع عباس معالجتها، لاسيما بعد أن فقد قوته موضوعيا، وأصبح أسيرا لحلقته الضيقة التي لا تشمل شخصية وازنة بمعايير التاريخ والمناقبية والسمعة الطيبة.

ناصحو عباس كُثر، وفي طليعتهم المصريون والأردنيون الذين حرصوا على تنبيهه مبكرا بأن الحال الراهنة لحركة فتح ستمنح حماس فرصة أخرى للفوز في الانتخابات. فدول الجوار تتحسّب من احتمالات حصول أي طيف حزبي إسلامي على مشروعية شعبية، وتعتبر مثل هذا الاحتمال خطرا على استقرارها. لذلك ركز مبعوثا القاهرة وعمّان على ضرورة جمع حركة فتح في كتلة صلبة ومتجانسة، وهو الأمر الذي يخالف تابوهات عباس، الذي لم يكفّ حتى اللحظة عن التعبير عنها، حتى وصل الأمر إلى حد قوله إنه سيتصدى لأي كادر يحاول الترشح للانتخابات مخالفا قراره وخارج القائمة التي سيشكلها. في الوقت نفسه، لا يختلف فلسطينيان على أن الرجل لن يختار سوى الموالين الانتهازيين، الذين يضمن طواعيتهم في سياق التجديد لشرعية النظام الفاقد للقاعدة الدستورية.

هنا يظهر جليا أن حماس، وهي ليست أقل منه تجاوزا للقانون، يمكن أن ترى في تنحية الوثيقة الدستورية قاسما مشتركا معه، ما يجعل الانتخابات عُرضة للانكشاف أمام دول الجوار والأوروبيين. بالتالي فإن ما يجري الآن في خضم الحديث عن انتخابات مزمعة يراكم عناصر إحباطها، اللهم إلا إذا ظل عباس يصر على إجرائها بمن حضر وبمن شارك، وهذه مسألة لن توفر استقرارا ولا انسجاما، ولن تساعد الأطراف الراغبة في إعادة مسار التفاوض وصولا إلى تسوية، وإلى عمل شيء، ما سيتسبب في المزيد من ضعف الوضع الفلسطيني برمته.

البرغوثي يطرح من خلال فريقه في داخل حركة فتح أن الأسير مستعد لدفع أنصاره إلى خوض الانتخابات بشروط منطقية يتقبلها الشارع الفلسطيني، من بينها ألا تضم قائمة الحركة شخصيات “محروقة” ويشار إليها بالبنان، باعتبارها عناصر فاسدة وبلا مواهب أو مناقب، وهذا الفقدان في طبائع الأمور يعرض فتح للخسارة، مهما بذلت من أموال الرّشى لجلب أصوات في المعركة الانتخابية. وأغلب الظن أن مروان سيتعرض لحملة تشويه ظهرت إرهاصاتها، لكنها ستزداد في حال التمسك بشروطه.

الإقليم في الجوار يتابع، ويمكن الحديث عن مرحلة من التفرد والإقصاء وتجاوز القانون أوشكت على نهايتها غير مأسوف عليها، لكن هذه النهاية ستكون عسيرة ومسيئة للشعب الفلسطيني، الذي سيُعدّ، وهو المشهود له بإنتاج الكادر الكفء المنتشر في أرجاء العالم، فشلا على مستوى الاجتماع السياسي، أول وأخطر أسبابه الصمت لسنوات طويلة على ممارسات عباس.

واللافت أن رئيس السلطة الفلسطينية عندما تحسس مخاطر إرثه على وضعه ووضع جماعته في أي انتخابات تُجرى، وجد نفسه مضطرا للاعتراف الضمني بجفائه مع المجتمع، فتحدث واعدا بإنصاف المجاميع المظلومة من منتسبي الجهاز الحكومي في غزة، وحتى المساعدات الاجتماعية المقررة للأسر المعوزة اضطرت وزيره للشؤون الاجتماعية إلى الاعتراف الضمني بما تعانيه هذه الأسر في حياتها، فصرح بأن الوزراة ستصرف مخصصات كانت محجوبة، دون الإشارة إلى من حجبها وأسباب الحجب.

أما النائب محمد دحلان، الذي فشلت محاولات عباس في إقصائه من المجال السياسي والاجتماعي، فهو يتهيأ مع أنصاره لخوض الانتخابات بقوة، ولا يعرف عباس ماذا يفعل، بينما أكثر من 99 في المئة من أنصاره لا غبار عليهم قانونيا، ناهيك عن كون ما تعرض له من تخرصات كان مسيسا وكيديا، ولم تقبل محاكم عباس نفسه أي اتهام ضده لا يقوم عليه دليل.

عباس يدرك أن دحلان قوي في غزة، وله أنصار صامتون كثر في الضفة، بل إن قطاعا من المتبرمين من سياساته في الضفة يتعاطف معه بحكم التشارك في المظلوميات. بالتالي فإن أمر دحلان يشكل مصدر قلق لعباس، لأن الانتخابات التشريعية ستفتح له الباب لخوض الرئاسية، والرجل ليس في عجلة من أمره، وقد بدأ مبكرا في استنفار أنصاره للتحرك بكثافة في المجتمع وتظهير مثالب الحكم الذي يرأسه عباس، وتتوافر الدلائل الكثيرة على جفائها حيال المجتمع وتجاوزها للقانون في كل شأن يتعلق بالعمل الفلسطيني العام.

معنى ذلك كله، أن الرجل الذي أصدر مرسوم إجراء الانتخابات لديه رزمة من المنغصات التي تؤرقه، سواء في التوجه العقيم إلى قائمة مشتركة مع حماس، أو في استعصاء الكادر في الضفة على محاولته إقصاء العناصر الإيجابية، أو في الحضور القوي لتيار الإصلاح الديمقراطي، أو في رداءة خياراته في الناس. فالحلقة الضيقة لن تكون قادرة على مساعدة واحتواء هذه المشكلات، ثم إنه لا يستطيع التراجع عن العملية الانتخابية بحكم الضغوط التي يتعرض لها من الخارج.

6