رز بنغالي خارق يتحمل الملوحة ويصمد بوجه الأعاصير

مزارعون في بنغلاديش يطورون بذور أرز تنمو بشكل جيد في العديد من المناطق المعرضة للكوارث دون أسمدة أو مبيدات.
الثلاثاء 2021/07/27
بذور صامدة في وجه التغيرات المناخية

في الوقت الذي تهدد فيه التغيرات المناخية قطاع الزراعة في العديد من دول العالم، ابتكر مزارعون في بنغلاديش بذور أرز تتماشى مع التربة المالحة وقادرة على الصمود في وجه الكوارث الطبيعية، في خطوة تبعث الأمل في حماية زراعة الأرز التي تعد إحدى ركائز الأمن الغذائي في البلاد كما تمثل مورد رزق للكثيرين.

شيامناغار (بنغلاديش)- سئم المزارع ديليب شاندرا تارافدار من الكفاح للحفاظ على محصول الأرز الخاص به على قيد الحياة في قرية شانديبور الساحلية في بنغلاديش، فإذا تمكنت النباتات من النمو في التربة التي أصبحت مالحة بسبب عقود من الأعاصير والفيضانات، فإن الرياح القوية ستكسر سيقانها أو أن الآفات ستقضي عليها.

لذلك، وقبل عشر سنوات، نظر ترافدار (45 عاما) إلى أسلافه وبدأ في تجربة أنواع مختلفة من البذور التي كانت تزدهر في منطقة شيامناغار الجنوبية الغربية، ولكنها الآن على حافة الانقراض بعد أن انتقل المزارعون إلى أصناف ذات إنتاجية أعلى.

وأوضح ترافدار أن نوع الأرز الجديد، المسمى “شارولاتا”، يتماشى مع التربة المالحة وتقطّع المياه، ويبقى صامدا في الرياح العاتية وينمو بشكل جيد دون أسمدة أو مبيدات، مشيرا إلى أنه في الأيام الخوالي كان بإمكان السكان المحليين البقاء على قيد الحياة من الأرز الذي يحصدونه دون القيام بأي عمل آخر.

وتابع في حديثه لوكالة رويترز “لكننا نواجه العديد من المشاكل بعد زراعة الأرز، لذلك توصلنا إلى طريقة جديدة للتكاثر الهجين لإعادة أصناف الأرز التي تتحمل الكوارث والتي زرعها أسلافنا”.

وأكد المزارع أن تنوع بذوره يمكن أن ينتج ما يصل إلى 1680 كلغ من الأرز لكل ربع هكتار، أي أكثر من ضعف ما كان يحصل عليه من الأصناف التقليدية.

ويتنازل مزارعو الأرز الآخرون في منطقة شيامناغار مرارا وتكرارا عن البذور التي يشترونها أو يحصلون عليها من الحكومة، ويعملون أيضا على إحياء أصناف أسلافهم وخلق أصناف جديدة يمكنها تحمل العواصف والفيضانات والجفاف المتكررة بشكل متزايد.

واعتبر إس إمإنعام الإسلام، وهو مسؤول الزراعة في شيامناغار أن “المزارعين في هذه المنطقة المعرضة للكوارث قاموا بعمل رائع في الحفاظ على بذور الأرز المحلية وابتكار أصناف الأرز”. وأضاف أن هذا النوع من الابتكار هو أحد الأسباب التي تجعل الزراعة مصدر رزق في المنطقة.

تقلص المزارع

المزارعون يعملون على إحياء أصناف أسلافهم وخلق أصناف جديدة يمكنها تحمل العواصف والفيضانات والجفاف المتكررة بشكل متزايد
المزارعون يعملون على إحياء أصناف أسلافهم وخلق أصناف جديدة يمكنها تحمل العواصف والفيضانات والجفاف المتكررة بشكل متزايد

توفر شيامناغار، وهي واحدة من أكبر المناطق المنتجة للأرز في البلاد، العمل لنحو 45 ألف مزارع، وفقا لبيانات من مكتب الزراعة في المنطقة.

لكن المزارعين لفتوا إلى أن ملوحة التربة بدأت تزداد منذ أواخر الثمانينات عندما بدأت تربية الجمبري في المنطقة. فلإنشاء بركهم، استخدم مزارعو الجمبري المياه المالحة المأخوذة من الأنهار، والتي تتسرب إلى حقول الأرز المحيطة.

وبعد ذلك، تسبب إعصار أيلا في عام 2009 في ارتفاع المد والجزر الذي أدى إلى غمر جزء كبير من شيامنغار، مما تسبب في ارتفاع مستويات الملح في التربة، على حد قول إيه بي إم توحيد العالم، وهو باحث في مركز موارد بنغلاديش للمعارف الأصلية.

ومنذ ذلك الحين، أدت العديد من الأعاصير والفيضانات إلى زيادة ملوحة الأرض، مما أجبر الكثيرين على التخلي عن زراعة الأرز.

ووفقا لدراسة أجرتها منظمة العمل الخيري العالمية بين 1995 و2015، تقلصت الأراضي الزراعية في خمس مناطق، بما في ذلك شيامنغار، بأكثر من 75 ألف فدان حيث تم تحويلها إلى مزارع جمبري.

ويحذر الباحثون من أن المياه والتربة في سواحل بنغلاديش ستصبح أكثر عداء لزراعة الأرز مع ارتفاع حرارة كوكب الأرض.

وقدر تقرير صادر عن البنك الدولي في سنة 2014 عن تأثيرات تغير المناخ على طول الساحل أنه بحلول سنة 2050 ستصبح الأنهار في 10 من المناطق الفرعية في المنطقة البالغ عددها 148 منطقة معتدلة أو عالية الملوحة.

وعلى أمل إنتاج بذور يمكنها التأقلم مع التغيرات المناخية، أنشأ الشيخ سراج الإسلام، وهو مزارع من قرية هايباتبور بالقرب من شيامناغار، مركزا لأبحاث الأرز في منزله، حيث يخزن أكثر من 155 نوعا محليا.

ويعمل المزارع على مجموعة متنوعة من الأرز البري يأمل أن يتم تكييفها للزراعة. وأوضح أنه ينمو بشكل طبيعي في المياه المالحة على ساحل البحر وضفاف الأنهار، لكنه ليس مغذيا مثل الأرز المستزرع.

وقد طور نوعين آخرين يمكنهما تحمل المياه المالحة، ويقدمهما مجانا لأكثر من 100 مزارع في المنطقة. وأردف “أنا أخطط لإنشاء سوق للبذور في المدينة. لن تباع البذور هناك، وسيتم تبادلها”.

أمل في المستقبل

المزارعون يعملون على خلق أصناف جديدة من البذور يمكنها تحمل العواصف والجفاف
المزارعون يعملون على خلق أصناف جديدة من البذور يمكنها تحمل العواصف والجفاف

أدى الإجهاد الحراري الناجم عن مزيج من درجات الحرارة المرتفعة وانخفاض هطول الأمطار وانخفاض الرطوبة إلى تدمير آلاف الهكتارات من المحاصيل في منطقة زراعة الأرز الرئيسية في بنغلاديش هذا الربيع، حيث حذر خبراء المناخ من أن هذه الظاهرة قد تهدد الإمدادات الغذائية.

ويحذر خبراء المناخ من أنه إذا استمرت بنغلاديش في مواجهة نوبات من الإجهاد الحراري فقد تواجه نقصا في الغذاء، في حين يشيد آخرون بابتكار أصناف جديدة من البذور التي من شأنها أن تحمي زراعة الأرز والتي تنقذ الموسم الغذائي للبلاد.

وفي تقدير همايون كبير، كبير المسؤولين في معهد أبحاث الأرز الحكومي في بنغلاديش، فإن عمل المزارعين على أصناف بذور جديدة يقدم مساهمة كبيرة في تطوير الزراعة على المستوى المحلي.

وأرسلت العديد من أصناف الأرز التي طورها المزارعون خلال السنوات القليلة الماضية إلى المعهد الذي يختبر البذور قبل أن يقرر توزيعها على المزارعين في جميع أنحاء البلاد.

وفي حين طور علماء المعهد ما لا يقل عن 100 نوع من الأرز بالفعل، بما في ذلك بعض الأنواع التي يمكن أن تنمو في التربة المالحة والمغطاة بالمياه، يقول المزارعون في شيامناغار إن معظمها إما غير فعال أو غير مناسب للمكان الذي يعيشون فيه.و

الباحثون يحذرون من أن المياه والتربة في سواحل بنغلاديش ستصبح أكثر عداء لزراعة الأرز مع ارتفاع حرارة كوكب الأرض

كشف العديد من المزارعين أن أصناف المعهد لا تصلهم في كثير من الأحيان وعندما تصل إليهم، تكون باهظة الثمن ولا تتكيف مع المنطقة المعرضة للكوارث.

وقال بيكاش شاندرا، وهو مزارع من قرية غومانتالي، يستخدم الآن صنفا محليا من الأرز ابتكره سراج الإسلام “لقد زرعتها مرات عديدة والمحاصيل ليست جيدة”.

وفي المقابل يؤكد المعهد أنه حريص على إيجاد طرق لتوصيل بذوره إلى المزيد من المزارعين. وبيّن بارثا شاراتي بال المنسق الإقليمي في مركز موارد بنغلاديش للمعارف الأصلية، الذي يقدم المساعدة التقنية لمزارعي شيامناغار الذين يطورون أصنافهم ويخزنون البذور الناتجة، أن المزارعين طوروا 35 نوعا من أنواع الأرز المقاومة للكوارث على مدى العقد الماضي.

وأوضح أن “معظمهم مازالوا في مرحلة الاختبار الميداني”، مضيفا أن “النتائج كانت إيجابية حتى الآن”. وخلص بالقول “لقد وجد المزارعون في شيامناغار حلولا لمشاكلهم الخاصة. ونتيجة لذلك، عادت زراعة الأرز إلى العديد من المناطق المعرضة للكوارث. وهذا أمل جديد للمزارعين في المستقبل”.

17