رسائل أشرف البولاقي إلى معشر الكتاب: تأدبوا وإلا..

الأحد 2014/03/09
من أعمال الفنان المصري صلاح عناني: نجيب محفوظ وآخرون

في محاولة جديدة يَهْجرُ بها مؤقتًا الشَّاعر أشرف البولاقي فنه الأثير الشِّعْر إلى النَّثْرِ، وإنْ كان لا يُقَدِّمُ عَمَلاً روائيًا على نحو ما فعل كثيرون مِن الشُّعراء بتخليهم عَن القصيدةِ إلى الرِّوَاية مُستجيبين لإغواءات الجوائز، إلى نوع أَدبي قديم مهجور كان ذائعَ الصِّيت في العصور القديمة، هو فن الرَّسائل بتنوع أغراضه كالرَّسائل الإخوانيَّة والأدبيّة والديوانيّة والعلميّة، هنا يتقاطعُ الكاتبُ مع رسالة عبد الحميد الكاتب (أحد أهم أعلام الكُتَّاب في العَصر الأَموي) الشَّهيرة للأدباء التي يضعُ فيها دستورًا يسيرون عليه بتعريفه الصناعة وآدابها، وأيضًا بذكر منزلتهم الرفيعة وقيمة مهنتهم العظيمة، وبتوجيه بعض النَّصَائِح التي تنفعهم في حياتهم، ثم بإشارته إلى خطورة هذه المهنة وقوة تأثيرها في الحياة. وتقاطع البولاقي يأتي من خلال استعارته الشّكل القديم للرِّسالة، وأيضًا بالهدف منها بتوجيه خطابه المباشر إلى مَعْشر الكُتَّاب، كما فعل عبد الحميد في رسالته، وَإن كان البولاقي يُضْفي عليها بُعْدًا حداثيًا يفرضه عليه واقعه المعيش، حيث سيطرة التكنولوجيا، ووسائل التواصل الاجتماعي (Social Media)، فحلّت الرَّسائل النّصية القصيرة بديلاً عن الرّسائل الورقية الطويلة، وإن كانت محتفظةً بأركانها. وهو ما سهّل سرعة انتشارها وتفاعل الجمهور معها.

يذهبُ البولاقي إلى النَّثرِ مُتسلِّحًا بتجربته الخاصة في الشِّعْر الصوفي القائمة على الكشف، ويقدِّم لنا كتابه البديع «رسائل ما قبل الآخرة» الصَّادر مؤخرًا عن دار هيباتيا للنشر والتوزيع، وهو أشبه بالكتابات السَّاخرة عن واقعٍ ثقافي مُتخم بالتدليسِ والنِّفَاقِ، والعَجَزَة والفَشِلَةِ، وغيرهم. ويعمد المؤلف في هذه الرَّسَائل إلى نكأ جراح المثقفين وتعريتهم أمام ذواتهم دون الإشارة الصِّريحة لأحد، محاولاً لفت الانتباه إلى تلك الغلالة التي يدارون بها القُبح المُنْتَشِر، والذي صار سَمتًا عامًا لدى كثير منهم مع الأسف!


كشف التناقضات


فِكْرةُ الكتاب غايةٌ في الطرافة تعكسُ مدى تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، فالكتابُ عبارةٌ عن مقتطفات كان الكاتب ينشرها على صفحته في الفيس بوك، وقد لاقت استحسانًا من قبل الكثيرين الذين تفاعلوا مع ما ينشره، ومن خلال ردود الأفعال التي أظهرت حالة الهلع وعدم الثَّقة في ذواتهم، وهي الحالة العامة للمثقف، وهو ما وَضَحَ في الاستفسارات والتساؤلات عمّن يعنيهم بهذه الكتابات ، فكلِّ واحدٍ رأى ذاته في هذه الكتابات سواء قَصَدَ الكاتب أو لم يقصدْ، الغريب أن حالة الهلع التي انتابت المثقفين من النشر كانت الحافز المهمّ في مواصلة الكتابة، وأيضًا في استثمارها في تحقيق هدفين يصبوا إليهما الكاتب من النَّشْرِ في المقام الأوَّل؛ أولهما: يتمثّل في «الكشف عن حجم التناقضات بين الفكر والممارسات في الوسط الأدبي والثقافي، ذلك الوسط الذي أَصبح الزيفُ والفُجر في التدليس فيه عُنْوَانًا عَريضًا للأدبِ والثقافة عند الآخرين»، وثانيهما: هو بمثابة رسائل تحذير لمن يعنيه الأمر بأنْ «يُدركَ البعضُ أنَّ هناك مَن يرصدُ ويتابعُ، فيعيد هذا البعض حساباتِه ومواقفَه» كأحد أمنيات الكاتب المشروعة ومع الأسف غير المتحقِّقة.

يطوع البولاقي الفن القديم ليواكب مستجدات العصر حيث انتشرت الأمراض النفسية التي يراها الكاتب أشد فتكا بالإنسان من الأمراض العضوية، حيث ثمة مثقفون أو متصابون يحتالون باسم الثقافة

الجميل أن الكاتب لا يبرئ نفسه بل يرى نفسه ليس ملاكًا وقد يقعُ في الخطأ ولكن لا يرتكبه في الواقع الثَّقَافي، وهذا هو الفارق الكبير بينه وبينهم.

كما يُعَلِّل تسمية الكتاب بهذا الاسم المُلْغز «رسائل ما قبل الآخرة»، فكونه رسائل كنوع من الحياء منه، والآخرة يقصد هؤلاء وآخرتهم في الفعل الذي يمارسونه ولا يغضون الطرف عنه. ومع كلّ هذا فالكاتبُ يَنْأَى بكتابه وبنفسه عن أن يكون كِتاباً فضائحيًا أو في الرّدح والتلسين بقدر ما هو كتابٌ «يبحثُ في عِلل الأدباء وأمراض المثقفين، تلك التي استشرتْ وانتشرت وباتت عُنْوانًا عَرِيضًا لهم».


مثقفون أو متصابون


يطوِّعُ البولاقي الفَنَّ القديمَ ليواكبَ مستجدات العصر حيث انتشرت الأمراضُ النفسيَّةُ التي يراها الكاتب أشدَّ فتكًا بالإنسانِ مِن الأمراضِ العضوية، حيث ثمَّة مثقفون أو متصابون يحتالون باسم الثَّقَافة، وفي الحقيقة، الرّسائل لا تتوّجه إلى كائن محدّد وإنما مع الأسف تتوجه إلى قطاعٍ عريضٍ من المثقفين وهو ما يَشي بشيوع الظاهرة وانتشارها حيث «في الكِتَاب قِصصٌ وحكايات وإشارات عن مَرْضى المَنصات، ومُدْمِني التصوير مع الشَّخصيات المشهورة، ومَرْضى التصابي، ومَرْضى مجالس الإدارات والعضويات، كما أن هناك رسائلَ مباشرة للحالات وليس للأشخاص» على حد وصفه في المقدمة.

ومع الجدية التي يبدو عليها الكتابُ، باستعارته شكلَ الرِّسالة القديم، حيث الشَّكل مُتحقِّق بعناصره الأساسيَّة المُرْسَل إليه: وهو في جميع الرَّسائل مجهولٌ ومتعدَّدٌ، ويتوجه إليه تارةً بصفات عدّة (صديقي/ عزيزي / الدكتور / الشَّاعر الأستاذ / الأستاذة / الباشا الكبير / الأخ الفاضل / المثقف الكبير والمبدع الأخ والصديق الكريم…إلخ): ومُرْسِل / الرَّاسِل وهو ثابت يعود على المؤلف دائمًا، وأخيرًا متن الرِّسَالة الذي يَختلفُ باختلاف موضوعها، وإنْ كان الغالب على موضوعاتها هو أحوال المثقفين، مع تطرقه في بعض منها إلى جوانب حياتيه وسياسيّة وفي الأخير جميعها تصبُّ في الشّأن الثقافي وأوجاعه، ومع هذه الجدية إلا أنَّ الحسَّ الفكاهي يغلبُ على الرّسائل وأسلوب كتابتها، وهذه السّخرية تأتي كنوعٍ من التَّهكُّم على واقع ثقافي مشوّه نصَّب عليه مَن هو أجَهل به وأعمى بصيرةً بحاله، كحالة هذا الذي ظنَّ أنَّ حديثَ الغيطاني وأصلان عن جيل الستينيات هو إشارة إلى مَن ولدوا في فترة الستينيات، أو حتى ذاك الذي يزعم أنه شاعرٌ كبيرٌ وعندما سُئل عن الكاتبة «فرجيينا وولف» ادَّعى أنَّها أشهر ولاية أمريكية.


تشويه الكائن

يعرضُ الكتاب مظاهر الأمراضِ النَّفسيّةِ التي أصابتْ مَن يدّعون الثّقافة


يعرضُ الكتاب في نماذج دالةٍ وَمُعبرةٍ لمظاهر الأمراضِ النَّفسيّةِ التي أصابتْ مَن يدّعون الثّقافة، كاستعلاء بعض مَن يَسبق اسمهم لقب الدال، أو ضرب بعضهم مواعيد عرقوب للتأكيد على أهميتهم، أو حالة التجاهل والانكار لأصدقائهم، أو ادعاء مشغولياتهم والتأكيد على تكرار الاتصال للتذكير… وغيرها، وهو ما يشي بانفصام الشَّخصية وازدواجيتها، ومع أنَّ النماذج والحكايات (في المقام الأول) هي تجاربٌ شخصيّةٌ قابلت الكاتب وتعامل معها ومِن ثمَّ فهو يكتب في إطار خلفية تدعمها الأسماء التي تعمَّد تغيبها حِرْصًا على تحقيق مصالح متعدِّدة ليس أوَّلها الخوف على تشويه هذا الكائن، وإنْ كان أهمها هو تحقيقُ الهدف العام مِن الكتاب، إلا أنّها تتجاوز الأشخاص إلى الحياة الثقافية بصفة عامة، وتقدم قائمة بالأمراض التي طالتها مِن جرّاء وجود مثل هذه النَّماذج وانتشار تلك السلوكات. ومنها حالة الخلط بعد قيام الثورة بين الشهيد والشاهد بعدما حوى اسم الشهيد داخله البلطجي والمجرم والقاتل واللص…إلخ، فيعمد إلى تحرير معنى اللفظ مما لحقه مِن زَيفٍ ونصبٍ.

كما يقفُ في بعض حكايات الكِتَاب عند حالة التدني للمثقف في ظل دولة لا تعترف بالمثقف بقدر اعترافها بعضوية الحزب الحاكم، وهو ما يشي إلى انتقادات يوجهها صاحب الكتاب إلى الدولة التي أَسْهمت في انتشار الظّواهر التي يرصدها الكِتَابُ، ومِن ثمَّ فهو لا يحمِّلُ المُثقف وحده عبء جرائمه بل أيضًا يضعُ الدولة شريكةً له في ارتكاب هذه الأخطاء، على نحو ما يُسَجله في تلك الصَّدْمة التي انتابت صديقه الذي كاد عقله يُجَنُّ بعد حصوله على كارنيه اتّحاد الكتَّاب ويفاجئ بأنه ليس له قيمةً إذا لم يكن معه كارنيه الحزب.

ويتكرّر انتقاده للدولة ومؤسساتها في تعمُّد الدولة إحداث نوعٍ من البلبلة بين عموم الناس كما هو في رسالته إلى رئيس الهيئة الثقافية التي من المفروض أنّ مَن يعملون بها يَحْمِلون وعيًا ثقافيًا إلا أنّهم يرددون إشاعات ويختلقون أكاذيب كما هو الحال في حادثة مقتل الجنود في رفح، وأثرها على العاملين في نقاشتهم التي كشفت عن حالة مزرية للعاملين في الثقافة.


أمراض المثقفين


بعض الرَّسائل يأتي كدفاعٍ عن اللُّغة وحملها للأفكار خاصة في هجومه وفضحه للكتابات المؤدلجة التي تناصر تيارًا بعينه بعد الثورة مع خلوها مِن أدنى أشراط الكتابة الأدبية الجيدة. وبعضها الآخر يأتي كخطابٍ مضاد لتلك المسلمات التي يحفظها البعض ويردّدها، وإن كان يهدمها الكاتب بالمنطق والحجّة على نحو ما فعل في رسالته للدكتور الواعظ الدرويش عن رواية ابن حنبل عن أبي زرعة الرازي وحفظه لسبعمئة ألف حديث، وكان يحفظ مئة وأربعين ألفا في التفسير.

كما يعرض لحالات النصب الثقافي والتزوير ونموذجه تلك التي تترجم عن الإنجليزية رغم عدم معرفتها باللغة، ويرصد لحالة تغريب الهُوية بين الكُتَّاب الذين يَذهبون إلى دول الخليج ويعودون وعاظًا في أغلبهم ومجاهدين في بعضهم، وتكشف الرَّسائل عَن أَمراض المثقفين والمثقفات وجهلهم بالكتابة وقواعدها رغم أنَّ رصيد الكاتب أو الكاتبة أكثر من خمسة كتب إضافة إلى المشاركات في كافة الندوات والمهرجانات، بل إنَّ الأمرَ لا يقتصرُ على صِغَار الكُتَّاب وغير المشهورين بل يحدثُ مع الكبار وهم مَع الأسف يكتبون في كُبْريات الصُّحف على نحو (ف. ج) فالأخطاء فادحة ولا يقع فيها مبتدئ في الكتابة.

احتوى الكتابُ على 68 رسالةً أقصرها الرِّسالة الأخيرة والموّجهة إلى ذات الكاتب، حيث المُرسل والمُرْسل إليه هذه المرة هو شخصٌ واحدٌ هو الكاتب ُذاته، بما تحمله مِن سُخرية وتوبيخ ربما توقع الكاتب أن يأتيه مِن منتقديه، فكتبه إلى نفسه، وهو ما يُعد مصادرة مِن قبله في تلقينا الرَّسائل وإدانتنا للكاتب على نحو ما أدان نفسه، أو حتى الإشادة بجهده وقدرته على تلخيص الحالة العامة وتشريحها وتقديم العلاج في آنٍ واحد، فشكرًا له لأنه وضعنا أمام ذواتنا دون تضخيم أو حتى تقزيم بل في حجمها الطبيعي وكفى.

15