رسائل أنسي

السبت 2017/05/13

أن تعيد اكتشاف شاعر أو مبدع عربي بعد وفاته أمر عاديٌ جداً في بلادنا، وأن تعيد اكتشافه بعد أن تنشر أديبة عربية -مشهودٌ لها بالجرأة والتمرد- رسائله إليها، شيء آخر وغير عادي. هذا ما حدث بالنسبة إليّ مع الشاعر الراحل أنسي الحاج، وأعني في إعادة اكتشافه والبحث عن كتبه ودواوينه وقصائده وما تيسر من سيرته ولقاءاته على اليوتيوب وما كتب عنه في فضاء الإنترنت، ونصوصه غير المنشورة والتي صدرت بعد وفاته في عام 2014 بعنوان “كان هذا سهواً” عن دار نوفل.

سال حبرٌ كثير، وتعبت أزرار الكمبيوترات والأجهزة المحمولة من النقرات السريعة، المنفعلة، المندهشة، الساخرة، والغاضبة، وصدرت مقالات النواح من رجعيي/ـات ومتحجري/ـات الأدب والكتابة، وأعلنوا أنهم ليسوا رواداً للتغيير والحداثة بل كهنة المعبد القديم، ما أن أعلنت الأديبة غادة السمان عن إصدارها كتاباً صغيراً بعنوان “رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان”، على غرار ما أصدرته سابقاً من رسائل غسان كنفاني.

صدر الكتاب مطلع العام الحالي في طبعته الأولى عن دار الطليعة-بيروت في 90 صفحة من القطع الصغير، وتضمن سبع رسائل تاريخ أولها يناير 1963، بينما لم تكن الرسالة الأخيرة مؤرخة لكنها لم تتجاوز الفترة ذاتها. قدمت غادة السمان الكتاب بمقدمة قصيرة جداً، موضحة أو مبررة عدم كتابتها أيّ رسائل إلى أنسي الحاج فهي كانت تلتقيه كل يوم تقريباً في مقاهي بيروت ذلك الوقت، بعكس ما حدث مع الرسائل المتبادلة مع الأديب غسان كنفاني والتي طالبت من يمتلكها بالإفراج عنها.

كان جلياً بأن رسائل أنسي الحاج رسائل عاشق “مصابٌ بسرطان الزمن والخيبة” كما كتب في إحدى رسائله، وهو الذي يعترف بأن “نصف الحب إرادة”، وبأنه كان يشعر بأن حبيبته المسماة في الرسائل، مصادفة غادة السمان، “منذورة إليه”، وهي لا تتجاوب معه كما يريد وتقابل إصراره بالصمت فحمل نفسه المسؤولية “إنني أنا المسؤول عن جعلك تفكرين بهذه الطريقة لإخفاقي في تقديم الأشياء بالصيغة المقنعة”.

رسائل أنسي الحاج أعادت تقديمه من جديد بصورة العاشق الذي عاش حباً حقيقياً أو عابراً لا يهم، مع غادة أو غيرها لا يهم أيضاً. لكنها نفضت عن كتبه وشعره وقصائده الرتابة، وأضافت لمسة واقعية مجنونة ومتمردة وحداثية مثله تماماً.

مهما قيل عن هدف نشر الرسائل وتوقيتها والجدل الذي رافقها، إلا أن غادة السمان أصابت بنشرها مرّتين، مرة عندما أضافت إلى المكتبة العربية كتاباً جديداً في أدب الرسائل. ومرة أخرى عندما أثبتت -من حيث تدري طبعاً- بأن الشاعر الراحل لم يترجّل عن صهوة العشق والشعر يوماً، فعبّر عن فلسفته وأفكاره نحو الحب والمرأة والحياة، وبث فيها شيئاً من مكنونات نفسه وتخبّطاتها وتعقيداتها كأيّ مبدع.

لو كان أنسي الحاج حياً، لربما ضحك مستغرباً احتفاظ غادة السمان برسائله أكثر من نصف قرن. الرسائل كُتبت بلغة أدبية ونثرية أنيقة وغنية، أخرجت شيئاً من ماضي فلسفة الشاعر العاطفية ورؤاه، ونبهتنا إلى حيواتنا فمن منا لم يكتب رسائل يوماً إلى الأحبة والأهل والوالدين والأصدقاء؟ فهل مازلنا نخجل بإظهار مشاعرنا ونحاكمها ونجلد أنفسنا؟

كاتب سعودية

15