رسائل الغرام

الاثنين 2016/12/05

حتى كافكا، صاحب روايات “المسخ” و”المحاكمة” و”القصر”، الكاتب الذي أصبح عنوانا للتشاؤم في عصرنا، كان عاطفيا في رسائله الغرامية.

لقد وقع الرجل الكاره للحياة العادية في الحب الذي أوقعه في مكائده التي حاول من خلال اللغة أن يفلت دون جدوى منها.

كتب كافكا رسائل غرامية، هل كانت تلك الرسائل فضيحته؟ العالم ينظر اليوم إلى تلك الرسائل باعتبارها نفائس متحفية، ولكنها قد لا تكون كذلك لمَن استقبلتها في ذلك الزمان، يوم لم يكن كاتبها شيئا يُذكر. الرسائل هي الجزء الأكثر حميمية من عالم الغرام الذي ما إن يتخلى عن سريته حتى يفقد قدرته على الاتصال بعالم الغيب، فالغرام هو نوع من التجلي الروحي، الذي تكون فيه الروح الإنسانية في أرقى مراحل شفافيتها.

ما يهبه العاشق هو شيء نادر، لن يتمكن الناس في ظرفهم العادي من فهم مكوناته الكيماوية، فلا شيء يمكنه أن يدخل في دورة الحواس. نحب لأننا نحب، لا شيء آخر، تقع الأسباب في الهوامش، حين تستعاد الأسباب يكون الغرام قد انزلق إلى هاويته بعد وصوله إلى الذروة.

لا تختص رسائل الغرام بقول شيء بعينه، بقدر ما تسعى إلى أن تقول كل شيء، كما لو أن كل واحدة من تلك الرسائل هي الرسالة الأخيرة التي يكتبها العاشق.

يحاول العاشق في رسائله أن يقول ما لم يقله لسانه، غير أنه في الحقيقة يسعى إلى تدوين هذياناته التي يعرف أنها لا تصلح مادة للكلام، هناك قدر هائل من التيه والضياع والحيرة ينطوي عليه كل حب، وهو ما يصنع من كتابة الرسائل مناسبة لتفسير ما يقع.

ما الذي يحدث لنا حين نحب؟ لماذا تكتسب الحياة معاني جديدة بعد اللقاء بشخص بعينه؟ أيعقل أن تنطوي جملة من نوع “هو ذا” على المعجزة التي ننتظرها من غير أن نكون متأكدين من وقوعها؟

رسائل الغرام هي محاولة للتعرف من خلال الكتابة على ما لا نتعرف عليه في الواقع.

كاتب من العراق

16