رسائل الكراهية

السبت 2016/02/20

في مملكة الحيوان، تكاد تكون القدرة على قراءة المشاعر الإنسانية أمرا نادر الحدوث إن لم يكن مستحيلا، وحتى اللحظة، من المفترض أن تكون الكلاب هي الحيوانات الوحيدة التي تشاركنا القابلية على التمييز بين الابتسامة والعبوس في الوجوه التي نصادفها في حياتنا اليومية. لكن آخر سبق علمي، أكد مؤخرا على أن الخيول قد تمتلك الحصافة بقدر ما، حيث يسمح لها بالتمييز بين صاحب الملامح البشوشة وصاحب التكشيرة المزعجة، من البشر طبعا.

أخضع علماء من جامعة ساسكس البريطانية 28 حصانا وسيما لتجربة، عرضوا من خلالها مجموعة من صور رجال غاضبين ومبتسمين ليقيسوا مدى تأثير ابتسامات هؤلاء وعبوسهم في ردود أفعال الخيول، التي لم تكن قد تلقت تدريبا مسبقا لمواجهة مثل هذا الاختبار العاطفي.

كشفت النتائج الظريفة، بأن الخيول التي كانت تطالع صورا لرجال غاضبين ومكشرين عن أنيابهم، كانت تبتعد بنظراتها إلى الجانب الأيسر! وهذه سمة يعرفها الأطباء البيطريون الذين يتعاملون طويلا مع سلوك الحيوانات وردود أفعالها؛ حيث تضطر الخيول إلى التطويح برؤوسها إلى اليسار في استجابة مباشرة للمثيرات السلبية، في حين ازدادت نبضات قلوب الحيوانات وأظهرت حركات أجسادها مجموعة من إشارات التوتر والقلق النفسي.

فسر الباحثون هذه النتائج الغريبة بأن الخيول تمتلك سمة شخصية وتشريحية أسموها “الفهم الوظيفي” للرسائل العاطفية خاصة ما يتعلق منها بالإشارات السلبية التي يرسلها أشخاص يقعون في محيطهم المعيشي. هذه القدرة على تمييز مشاعر الآخرين مهمة جدا في عالم الحيوان، لمواجهة تهديدات البيئة ومكوناتها من أشياء وبشر، حيث أن تمييز نبرة الغضب يعمل بمثابة نظام إنذار يمكن الخيول من توقع السلوك البشري المقبل الذي يتبع نظرة الغضب، مثل تلقيهم لصفعة مباغتة أو منعهم من تناول قطع السكر.

وفي ما سبق، تم بالبرهان إثبات سمة “الفهم الوظيفي” في الكلاب أيضا وردود أفعالهم بإبعاد نظراتهم إلى الجانب الأيسر عندما يهم أصحابهم بإطلاق تكشيرة مزعجة في وجوههم، العين اليسرى هنا تعني المنطقة التي يتم السيطرة عليها من قبل الجانب الأيمن من الدماغ، وهي المتخصصة في معالجة الرسائل السلبية التي ترد إلى الدماغ.

تعد الخيول كائنات اجتماعية متطورة في مملكة الحيوان، إلا أنها المرة الأولى التي تظهر فيها مثل هذه القدرات على قراءة المشاعر والتمييز بين من يحبها ومن يريد بها شراً، وربما تكون قد ورثت هذه الخاصية من أجدادها الخيول الجميلة الحساسة أو من خلال تجاربها اليومية في التعامل مع البشر.

الوعي العاطفي يشغل حيزا مهما في حياة الأنواع الاجتماعية الراقية في مملكة الحيوان، فهو الذي يحدد شكل ولون العلاقة بين الأفراد، لكن العديد من بني البشر لا يدركون أسرار هذه الإشارات العاطفية المهمة، فتراهم يتجاهلون رسائل الكراهية التي يمررها أشخاص مقربون في محيطهم الاجتماعي ويغرقون أنفسهم في دوامة من أوهام، لمجرد رغبتهم في البقاء ضمن إطار هذا العلاقات أو رغبة منهم في أن يتحول العبوس إلى ابتسامة حتى وإن كانت صفراء.

ولعل أشهر الابتسامات الصفراء هي ابتسامات أهل السياسة، حيث يحلو لنا في بعض الأحيان أن نراهم ضمن حدود منطقة ضبابية من الإدراك نمنحهم فيها الصلاحية لغسل أدمغتنا بمياه راكدة تعافها حتى أجساد الخيول الأصيلة، لتتحول بعدها إشارات حقدهم وكراهيتهم لنا إلى رسائل مشوشة لا يمكن فك طلاسمها إلا عند أول صندوق اقتراع، نعيد اختيارهم فيه مرارا وتكرارا لنمنحهم الرخصة مجددا لوأد أحلامنا وتشويه حياتنا.

هل فقدنا القدرة على تلافي النظر إلى هذه المسوخ وضيعنا الاتجاهات، أم أن الجانب الأيمن من أدمغتنا لم يعد صالحا للعمل؟

21