رسائل الكوماندان إلى الثورة السورية.. والعالم.. النصر أم الموت

الأحد 2013/10/20
قدم غيفارا نموذج المناضل الأضحية

"إن الثورة تتجمّد وإن الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمدة داخلي".

كانت تلك الكلمات للكوماندان أو الـ "غيريليرو هيروويكو" تشي غيفارا في رسالته الوداعية لكاسترو، حين قرّر أنه لا يمكن للثورة العمل وهي مخنوقة في المناصب الحكومية والسياسية، وحزم أمره بمغادرة كوبا نهائياً، والتخلي عن منصب الوزير والقائد في الحزب والجنسية الكوبية بعد أن أتمّ واجبه نحوها.

ولم تخل مظاهرة جابت شوارع مدينة أو قرية في بلاد الربيع العربي، من صور غيفارا حتى ولو لم يكن حاملها ماركسياً، فقد صار غيفارا رمزاً للثورة في كل وجوهها، واليوم إذ تمرّ ذكرى القبض على الأسطورة الثورية العالمية أرنستو تشي غيفارا، في التاسع من أكتوبر ـ تشرين الأول في العام 1967، ومن ثمّ إعدامه على يد المخابرات المركزية الأميركية، في بوليفيا، ولا يشعر المرء بغياب غيفارا عن المناخ العربي، ونحن في زمن الثورات العربية المضطربة والمصطخبة، حيث عادت الروح الثورية التي نادى بها غيفارا في كلّ مكان سافر إليه، في خارطة عالمية طالب فيها بالحرية من طاغية، ومن كل احتلال ومن كل استغلال للشعوب، وقد صنعت الشعوب لذاتها أكثر من غيفارا بعد إعدامه، ولكن تلك الرموز سارعت إلى إفناء ذاتها بدلاً من تحقيق أحلام شعوبها.


"أنا لا أفكر في خلود الثورة"


أعلن فيدل كاسترو في 15 من أكتوبر 1967 أن غيفارا مات وأعلن الحداد العام ثلاثة أيام في جميع أنحاء كوبا، وقال في خطابه الطويل في ساحة الثورة أمام أكثر من مليون من البشر جاؤوا من كافة أنحاء العالم إلى هافانا للتعزية بالفقيد الكبير: "إذا كنا نود أن نفصح عما نريده من رجال الأجيال القادمة أن يكونوا عليه، فعلينا أن نقول: دعهم يكونون مثل تشي! إذا أردنا أن نقول كيف نريد لأطفالنا أن يتعلموا، فعلينا أن نقول بلا تردد: نريد منهم أن يتعلموا بروح تشي! إذا أردنا أنموذجاً للرجل الذي لا ينتمي إلى عصرنا بل إلى المستقبل، فأقول من أعماق قلبي إن هذا الأنموذج، هو تشي!".

كانت تلك بداية النهج الذي أراد بالفعل لملايين الشباب أن يخطوا على خطوات تشي غيفارا، ليذهبوا ويموتوا بينما يتمتّع غيرهم ولعشرات السنين بالسلطة والحكم، ويورثونهما فيما بعد لأبنائهم وإخوتهم من بعدهم كما فعل كاسترو ذاته!

الأسطورة تشي غيفارا، الأيقونة التي ندر أن تخلو منها غرفة كل مراهق في العالم، كانت تصنع بعناية على يد غيفارا ذاته، الذي صدّق الثورة، وعرف أنها لا تعيش في المكاتب والاجتماعات والمؤتمرات، ولكنها تنمو وتزدهر وتتحقق في الميادين وساحات القتال من أجل الأهداف المعلنة، ولم يكن من شيء غير تلك المعلنة في وعي غيفارا والأجيال التي تلته، فقد قال كاسترو يوماً ما :" إن غيفارا يقوم بالكثير من المخاطرات حتى أن لديه ميلا نحو التهور!".

الطبيب الشاب، الذي قرأ كثيراً وعرف كثيراً في تجربة حياة غنية، بدأت في يوم 14 يونيو ـ حزيران من العام 1928 م في روزاريو في الأرجنتين، في أسرة مثقفة، حرص والدها فيها على إتاحة الفرصة لإبنه الكبير إرنستو الذي حمل اسمه، ليطّلع على فكر منفتح، فقرأ الكثير من مكتبة الأب وتعلّق بكتابات كبار الشعراء المتمردين في العالم مثل بابلو نيرودا وكيتس وماتشادو ولوركا ووالت ويتمان، فصنعت مخيلته قصائد الشعر أكثرمن كتب كارل ماركس وفوكنر وجول فيرن التي قرأها بعناية فيما بعد.

مليء بالحماس، رياضيٌ رغم "الربو" مرضه المزمن، لاعب شطرنج، مغامر، رحّالة، شاعر، مفكّر، أراد غيفارا أن يكون كلّ شيء، فقطع دراسته في كلية الطب في العام 1951 وغادر بلده سريعاً في جولته الشهيرة على أميركا اللاتينية على دراجة، كي يتعرّف إلى الشعوب وكي يكون قريباً منها، وليقرأ في فضائه المحيط بالأرجنيتن، ليعود ويصبح طبيباً بعد سنتين، وقرّر غيفارا كما في الشرق، أن أميركا اللاتينية ليست أقطاراً مجزّأة، بل هي أمّة واحدة. إنها نفسها القارة التي حلم سيمون بوليفار بوحدتها، وقد ألهمت هذه الشخصية تشي في يفاعته. وعليه أن يعمل الآن على تحريرها من العبودية للأثرياء والولايات المتحدة الأميركية التي كانت تهيمن على الجنوب كلّه بأشكال وألوان مختلفة من التدخل.

أقسم غيفارا عند قبر جوزيف ستالين فيما بعد، أنه لن يهدأ له بالٌ حتى ينتصر على الأخطبوط الأميركي، وبدأت حربه الشخصية التي اختار لها الطب ميداناً فأخذ يعمل متطوعاً في معالجة مرضى الجذام ومكافحة الأمراض السارية في أنحاء متفرقة من البلاد اللاتينية، وعمل متطوعا في المشافي وقدّم الأبحاث الطبية. وفي المكسيك تعرّف ولأول مرة على راؤول كاسترو، ثم التقى بفيدل واشترك الثلاثة في التخطيط لحرب شاملة ضد الدكتاتور باتيستا، وكانت قناعة غيفارا أن الولايات المتحدة تتحكّم بالشعوب من خلال دعمها الانقلابات في العالم وتعزيز سلطات الدكتاتوريات، فعاش في الجبال والغابات، وانخرط في العمل العسكري رويداً رويداً وابتعد عن دوره الطبي في الثورة، وكانت تلك الثورة التي غنّى لها العالم تتكوّن من اثنين وثمانين رجلاً، بقي منهم بعد أول غارة من قوات باتيستا "22" ناجياً فقط!

ولكن غيفارا الثائر الذي لا يعرف اليأس ابتكر معملاً بدائياً لتصنيع القنابل، وبنى أفراناً للخبز وأخضع الفلاحين في القرى التي يحارب فيها لدورات تثقيفية لمحو أمّيتهم، وافتتح المشافي الميدانية، حتى أطلقت عليه مجلة التايم لقب: "عقل الثورة "، على الرغم من أنه كان ينفّذ بيده أحكام الإعدام التي تصدرها محاكم الثورة ضد الخونة أو المرتدّين عن خطّ الثورة، ولم يتوّقف غيفارا عند هذا الحدّ من النشاطات التي تحتاج فرق عمل كبيرة، وكان يقوم بها وحده، فقد أنشأ إذاعة خاصة بالثورة، وأخذت فرقه العسكرية الصغيرة تنمو وتتقدّم باتجاه هافانا العاصمة، وكان عليه قبلها أن ينتصر في معركة سانتا كلارا الشهيرة التي بدأت تحسم الأمور لصالح الثورة، وكان غيفارا هو القائد ورأس الحربة، عسكرياً وسياسياً إلى جانب الدور المعنوي لفيدل كاسترو، وفي الساعة 3 صباحا في الأول من ينايرـ كانون الثاني من العام 1959 تم التفاوض على "اتفاق سلام" مع غيفارا وغادر باتيستا على طائرته متوجّهاً إلى الجمهورية الدومينيكية مع ثروته التي تقدر بأكثر من 300 مليون دولار، وفي اليوم التالي دخل غيفارا إلى هافانا معلناً انتصار الثورة قبل وصول كاسترو بستة أيام.

حصل الطبيب الأرجنتيني الشاب، على الجنسية الكوبية بعد شهر من كسبه الحرب، وتم تعيينه مديراً للبنك المركزي الكوبي، وأعلنت الجمهورية الشيوعية التي اختارت غيفارا وزيراً لماليتها، متحدّثاً باسمها في العالم والأمم المتحدة، وفي الأشهر الخمسة التالية أدار غيفارا "سجن القلعة" وطبّق ما سمّي وقتها "العدالة الانتقالية"، وكانت الوحشية التي واجهها غيفارا أثناء الثورة من جيش باتيستا سبباً كبيراً في تحوّله إلى رجل أكثر قسوة كما كتبت عنه الصحافة في ذلك الوقت، وقال وقتها غيفارا:"إن إطلاق النار من قبل فرق الإعدام ليست مجرد ضرورة لشعب كوبا ولكنها أيضا فرض".

سخر جمال عبدالناصر من غيفارا وقال إنه سيكون في ثورة الكونغو مثل "طرزان" في الأدغال!


غيفارا بعد انتصار الثورة


لم يترك تشي غيفارا الوقت ليسرق الثورة من أهلها، فالتفت سريعاً إلى ما سمّاه "الأفكار الاجتماعية لجيش المتمردين" وبدأ في البحث عن تطبيقات تضمن "العدالة الاجتماعية" والتي تأتى من "إعادة توزيع الأراضي" وبدأ التحوّل الشيوعي الذي صادر الأراضي وقلّص الملكيات، واستفزّ الولايات المتحدة بالطبع! مما اضطر فيدل كاسترو إلى إيفاد غيفارا في مهمّة طويلة إلى أنحاء العالم، فطار في رحلة استغرقت ثلاثة أشهر إلى عدّة قارات وزار بلداناً ووقّع معاهدات اقتصادية وثقافية وعسكرية مختلفة، وزار الشرق الأوسط، تجوّل في الجامع الأموي بدمشق، وزار قبر صلاح الدين الأيوبي في دمشق القديمة.

ثم عُيّن غيفارا وزيراً للصناعة، وطبّق أفكاره المتعلقة بالعمل التطوعي، ولكن معظم سياساته الاقتصادية لم تكن ناجحة بسبب انغماسها في التطبيق القسري على الجميع، دون النظر في التفاصيل، وأرسل صندوق سجار كوبي هدية لجون كينيدي في مبادرة سلام مع الولايات المتحدة، عرض فيها إمكانية السماح بتأسيس أحزاب وانفراجة ديمقراطية في كوبا، مقابل تخفيف الحصار على الجزيرة، ولكن كينيدي لم يوافق، مع أنه قبل الهدية، فغضب غيفارا والتفت إلى العلاقات الاستراتجيية الكوبية السوفياتية، التي أثمرت جهوده فيها عن نقل الصواريخ النووية الروسية إلى الجزيرة الكوبية، وقد شعر غيفارا بخيبة أمل من السوفيات الذين لم يسمحوا للكوبيين بإطلاق تلك الصواريخ على الولايات المتحدة، وخرج غيفارا من أزمة خليج الخنازير تلك بالقناعة التامة بأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تستخدمان كوبا بمثابة رهان في استراتيجياتهما العالمية، وأخذ ينتقد السوفيات مع الأميركيين في كل أحاديثه وخطاباته.

ترأس غيفارا في العام 1964 الوفد الكوبي إلى الأمم المتحدة، وألقى خطاباً شهيراً ما يزال محفوظاً ومتاحاً لكل المتصفحين في أنحاء العالم، وركّز غيفارا في كلامه على الصمت الدولي على "الوحشية ونظام الفصل العنصري" في جنوب أفريقيا وتساءل "ألا يمكن للأمم المتحدة أن تفعل شيئا لوقف هذا الأمر؟" وقال منتقداً الولايات المتحدة الأميركية: "من هم أولئك الذين جعلوا من أنفسهم حراسا للحرية؟"، وغادر مرّة أخرى إلى أصقاع العالم، ووصل إلى باريس والتقى بالمفكر الفرنسي جان بول سارتر، وحطّت طائرته في عواصم إفريقية كثيرة كالقاهرة والجزائر حيث ألقى خطابه الأخير.

وبدءاً من العام 1965 انحسر غيفارا وانكفأ عن الظهور الإعلامي، وبدأ كاسترو بصنع مسافة الأمان مع صاحب الشعبية الثورية الكبرى في العالم "تشي غيفارا"، وصارت الملايين تعرف بأن غيفارا معتكف ولا يريد التواصل مع أحد، وفي 3 أكتوبر كشف كاسترو عن رسالة غير مؤرخة منسوبة إلي غيفارا مرسلة من عده أشهر: أشار فيها غيفارا من جديد إلى تضامنه الدائم مع الثورة الكوبية ولكنه أعلن عن نيته مغادرة كوبا للقتال من أجل القضايا الثورية في الخارج، إضافة إلى ذلك استقال غيفارا من جميع مناصبه في الحكومة والحزب وتخلى عن الجنسية الكوبية.


غيفارا يغادر إلى ثورات أخرى


قرر غيفارا الذهاب في مغامرته الثورية إلى إفريقيا في العام 1965 ليقدّم " النصرة " للثورة في الكونغو، بينما سخر منه جمال عبدالناصر وقال إن رحلته تلك خطوة "غير حكيمة" ووصفه بأنه سيصبح مثل "طرزان" في أدغال إفريقيا، ولكن غيفارا كان مصمّماً على تنفيذ الخطة " سيمبا " لدعم الثورة الإفريقية، وبدأت المطاردة الخطيرة لغيفارا تحت قيادة المخابرات المركزية الأميركية، التي قتلت قبله باتريس لومومبا، وجعلت منه في ذلك الحين" المطلوب رقم 1" وكانت السفينة الحربية الأميركية "USNS" تعترض جميع اتصالات غيفارا الهاتفية واللاسلكية، وربما قرأنا جميعاً في مراحل مختلفة، اليوميات الدقيقة التي كان غيفارا يسجّل فيها موثقاً كل صغيرة وكبيرة من رحلاته ونضاله، يوميات بوليفيا وغيرها، أما في يوميات الكونغو، فقد ركّز على عدم الكفاءة والتعنت والصراع الداخلي بين القوات الكونغولية المحلية واعتبرها من ضمن الأسباب الرئيسية لفشل الثورة، مما دفعه إلى المغادرة وترك القتال، بعد أن كتب: "العنصر البشري فشل، لا توجد إرادة للقتال، والقادة فاسدون، باختصار لم يكن هناك شيء يمكننى القيام به". عاش غيفارا بعدها متخفياً في دار السلام وفي براغ، وقرر مغادرة العالم الذي يعرفه لـ"نصرة" الثورة ولكن هذه المرة في بوليفيا، حيث كتب وصيته إلى أبنائه قبل رحيله:" كونوا قادرين دوما على الإحساس بالظلم الذي يتعرض له أي إنسان مهما كان حجم هذا الظلم وأيا كان مكان هذا الإنسان هذا هو أجمل ما يتصف به الثوري وداعا إلى الأبد يا أطفالي وإن كنت لا زلت آمل أن أراكم مرة أخرى لكم جميعا قبلة كبيرة كبيرة وحضن كبير كبير من بابا".

العالم يعشق غيفارا


غيفارا في حربه الأخيرة


قاد غيفارا قوة مكونة من اثني عشر مقاتلاً ما لبثت أن نمت إلى خمسين، أطلق عليها اسم "جيش التحرير الوطني" وبدأ غيفارا يواجه الفشل الجديد في بوليفيا، وكانت حساباته أنه سيواجه جيش النظام في بوليفيا، لأنه جيش سيء التدريب ولا عقيدة قتالية له، ولكنه فوجئ بأن الولايات المتحدة، كانت قد أرسلت وحدات من القوات الخاصة الأميركية لمساندة الحكم في بوليفيا، وكان غيفارا ينتظر المساعدات العسكرية وتعاون " المنشقين " عن الجيش النظامي البوليفي، ومن المعارضة البوليفية التي وصفها في" يوميات بوليفيا" بأنها تتصف بـ "انعدام في الثقة، وخائنة وغبية"، انقطعت الاتصالات بينه وبين كاسترو، ويرجع بعض المحللين إلى أن هزيمة غيفارا كانت بسبب ميله إلى المواجهة بدلا من التوصل لحل وسط، لا سيما وأنه قد قبل به يوماً ما في حربه مع باتيستا في كوبا، ولكنه هذه المرة لم يقبل طيلة أحد عشر شهراً هي فترة قتاله في غابات وجبال بوليفيا، وقد كتب في إحدى صفحات تلك المذكرات" الفلاحون لا يقدمون لنا أية مساعدة ويتحولون إلى مخبرين علينا!".

وفي يوم السابع من أكتوبر ـ تشرين الأول من العام 1967، أوصل أولئك المخبرون إحداثيات موقع غيفارا إلى المخابرات الأميركية، التي سارعت بإرسال وحدات بوليفية لمحاصرة المكان، واندلعت معركة سريعة أصيب فيها غيفارا، ووقع في الأسر، بعد أن تعطبت بندقيته ولم تعد تعمل، وحينها صاح بأعلى صوته: "لا تطلقوا النار.. أنا تشي غيفارا، وأساوى حياً أكثر منّي ميتا".

قيّدوا معصميه، وحبسوه في مدرسة قديمة، وبقي يرفض الإجابة على أسئلة المحققين، ثم أطلق أحدهم الرصاص على رجليه ولكنه كما وصف هؤلاء أنفسهم " قام برفع رأسه عاليا ونظر للجميع مباشرة ولم يسأل عن شيء إلا السيجار"، فقاموا بإعطائـــه حقيبة تبغ، كانوا يعرفون من هو، ولذلك بدأوا بمحاولــــة أخذ تذكارات من ممتلكاته البسيطة، ولكنه قاومهم، حين حاول أحد الضابط انتزاع غليونه من فمه ليحتفظ به كتذكار.

وكما يفعل غيفارا عادة، فرغم أنه كان ينزف وفي وضع صحي سيء، إلا أنه طلب مقابلة "معلّمة" القرية جوليا كورتيز التي روت فيما بعد أنها قابلت " رجلاً مظهره مقبول ولديه نظرة بسيطة ولمحة من السخرية " وكانت وهي تحدّثه غير قادرة على النظر في عينيه مباشرة لأن النظرة كانت لا تطاق، خارقة وهادئة، خلال مقابلتها له اشتكى غيفارا لكورتيز من الحالة السيئة للمدرسة (التي كان مأسوراً فيها في تلك اللحظة) وقال إنها لا تصلح للتربية ومن غير المتوقع أن الطلاب الفقراء يتعلمون هنا في حين أن "المسؤولين الحكوميين يحصلون على سيارات مرسيدس".

وفي اليوم ذاته 9 أكتوبرـ تشرين الأول سنة 1967 جاء الأمر من الرئيس البوليفي رينيه باريينتوس أو ممن هو أكثر نفوذاً منه، بقتل غيفارا، وقبل لحظات من إطلاق النار عليه، سألوا غيفارا عما إذا كان يفكر في حياته والخلود فأجاب: "لا أنا أفكر في خلود الثورة" ثم تابع كلامه محدّثاً الجندي المكلّف بتنفيذ الإعدام:" أنا أعلم أنك جئت لقتلي أطلق النار يا جبان إنك لن تقتل سوى رجل" وبتسع رصاصات مات غيفارا.

التقطوا صوراً كثيرة له، قبل إعدامه وبعده، ونشرت في صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل والتي قالت إن غيفارا يشبه "المسيح "، وتحدث المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه صديق غيفارا الذي اعتقل في نيسان ـ أبريل 1967 عندما كان معه في بوليفيا في مقابلة من السجن في آب ـ أغسطس 1968 بشكل موسع حول ظروف القبض على غيفارا، قال دوبريه الذي عاش مع غيفارا والثوار من المقاتلين لفترة قصيرة، إنهم ضحايا اِلتهمتهم الغابة، ووصف دوبريه حالة الجوع والفقر وسوء التغذية ونقص المياه وعدم وجود الأحذية وكانوا يمتلكون ستّ بطانيات فقط لـ"22" رجلاً.

وقد اشتركت خمس دولٍ دكتاتورية في أميركا اللاتينية في التخطيط للقبض على تشي غيفارا وقتله، وكان للولايات المتحدة وأوروبا المصلحة الكبرى التي رأت أن مناخ الثورات في بلادها قد بدأ بالتشكل، وأن كاريزما غيفارا كانت شبحاً مخيفاً قد يقود تلك الثورات بمواجهة الرأسمالية.


العالم بعد غيفارا


اندفعت صورة غيفارا لتجتاح العالم الذي لطالما اشتكى من هيمنة الولايات المتحدة عليه، شرقاً وغرباً، وليصبح صاحب الصورة مثالاً اتبعه شبابٌ هنا وهناك، في أحزمة الفقر في المدن والقرى البعيدة عن مسقط رأسه، وكان مسيح القرن العشرين بجدارة، وكان تجسيداً تامّاً وخالصاً لفكرة "الأضحية"، حتى أن ملايين الشباب تبعوا غيفارا في رحلته إلى الموت، من أجل الثورة.

واليوم يغني له الشباب في أنحاء العالم:" معك إلى الأبد.. تعلمنا أن نحبك.. منذ السمو التاريخي لك.. حين توجتِ الموتَ شمسُ شجاعتك.. هنا ستبقى الشعلة.. سيبقى أفق حضورك الشفاف.. ويدك الماجدة القوية تشعلُ التاريخ..عندما يُبعث القديسون لرؤيتك.. هنا ستبقى الشعلة أيها القائد تشي غيفارا"، ولكن المثال لم يكن الأول في التاريخ، فقد سبقه في الثقافة العربية وحدها عشرات بل مئات القتلى تحت اسم "شهداء" من أجل قضايا عادلة، فكان الحسين بن علي، ويوسف العظمة، وعز الدين القسام وصولا إلى محمد البوعزيزي وآخرون وآخرون، عرفوا أنهم ذاهبون إلى الحتف، ولكنهم أصرّوا عليه حتى النهاية، وتركوا بعد مضيّهم إرثاً في الوعي، يطرح سؤالاً كبيرا اليوم في مناخ الثورات العربية والسورية منها بالأخص: ما الهدف من الحرب.. النصر أم الموت؟! انتشرت صور غيفارا في العالم الرأسمالي وصارت الأزياء لا تقبل خطوط إنتاج شبابية إلا إن كانت تحمل طبعة للصورة ذات النجمة، وحين تراجع الفكر المادّي الثوري، تقدّم عليه الفكر الديني من جديد، وقدّم نماذجه هو الآخر في الموت والأضحية، وضاع نموذج كارلوس في ما بين النضال والارتزاق لمصالح الأنظمة التي تدعم وتقدّم المساعدات، ورأى العالم أن للولايات المتحدة " مطلوباً رقم 1" جديداً هذه المرة، لم يكن سوى أسامة بن لادن، الذي ترك هو الآخر حياته المرفهة، كما ترك غيفارا الطب والوزارة والحياة الهانئة، وليبدأ حربه ضد الولايات المتحدة، ويقود تنظيم "القاعدة" الذي رفع شعارات التحرّر ضد الظلم والطغيان في البداية قبل أن يصبح هدفه الذهاب إلى الآخرة وليس العدالة في الدنيا، وليتم قتله في النهاية في باكستان في عملية نوعية للولايات المتحدة ذاتها حارسة الحرية والدكتاتوريات، وليقع المشهد من جديد في التباس جديد، فيصبح الشباب الذاهب إلى الثورة ذاهباً إلى الموت بدلاً من النصر، فلا يتحقق النصر ولا ينتهي الموت.

8