رسائل الملك محمد السادس: أفريقيا ثروة المستقبل

المحاور التي ركز عليها خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس في ذكرى ثورة الملك والشعب عكست اهتمامات القيادة المغربية على المستويين الإقليمي والدولي، بعد أن حقق المغرب قفزة داخلية ملفتة جعلته قوة اقتصادية مشعة في المنطقة. فدعوة الجزائر إلى الكف عن استفزازها والعمل معا من أجل مصلحة الشعبين، وخطابه الصريح الذي أخرج الإرهاب من دائرة المعتقد الإسلامي وحديثه عن هواجس المهاجرين، كلها متضمنة لرسائل واضحة وواثقة.
الاثنين 2016/08/22
رسائل واضحة

أجمع مراقبون على أن خطاب العاهل المغربي الذي ألقاه السبت الماضي بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة الملك والشعب، كان غنيا بالرسائل الواضحة والموجهة إلى الداخل والخارج، حيث قارب الخطاب مواضيع ذات أهمية كبرى وعلى رأسها الإرهاب والهجرة. وطبع رسالة الملك محمد السادس الموجهة الى الجارة الجزائر التذكير بالأدوار التاريخية التي اضطلع بها المغرب في دعم الثورة الجزائرية إبان الاستعمار الفرنسي، مؤكدا على “تقديم المقاومة المغربية، الدعم المادي والمعنوي للثورة الجزائرية ما ساهم في إعادة الروح إليها، في مواجهة الحملة العنيفة، التي كانت تتعرض لها، من طرف قوات الإاستعمار، التي كانت تريد القضاء عليها”.

الجزائر والمغرب

تذكير مقدمة الخطاب الملكي بدور المغرب في مساعدة الجزائر لنيل استقلالها، أرجعه عدد من المراقبين إلى أن الجامع مع الجزائر أقوى وأكبر من الأخطاء التي تقوم بها الآن، وأشار الباحث المغربي في السياسات الدولية خالد شيات في هذا السياق إلى أن العاهل المغربي “أراد مخاطبة جيل جزائري تربى على الحقد ضد كل ما هو مغربي من منظومة سياسية وتجانس مجتمعي وخاصة وحدة وطنية من الشمال المغربي إلى أقصى جنوبه، وأشير هنا إلى قضية الصحراء”.

وشدد العاهل المغربي على التطلع إلى “تجديد الالتزام، والتضامن الصادق، الذي يجمع على الدوام، الشعبين الجزائري والمغربي، لمواصلة العمل سويا، بصدق وحسن نية، من أجل خدمة القضايا المغاربية والعربية، ورفع التحديات التي تواجه القارة الأفريقية”.

وأكد خالد شيات الباحث بجامعة وجدة لـ”العرب”، أن رسالة الخطاب تقول إن العلاقات المغربية الجزائرية يجب في كل حال أن تعود إلى مسارها الطبيعي على كل المستويات والتي تنغص عليها بعض الشوائب السياسية، فحتى قضية الصحراء تم الاتفاق على وضعها في هيئة الأمم المتحدة بداية تسعينات القرن الماضي ولم تعد عائقا لتحسين العلاقات بين البلدين.

ولفت شيات إلى أن الإشارة إلى الروابط بين الشعبين هي تذكير للسياسيين ولا سيما الجزائريين بأنه لا يمكن الالتفاف على المستقبل، وهي إشارة أيضا إلى وضع مناسب لتحسين هذه العلاقات التي لا بد أن تبدأ من قيام الجزائر يفتح الحدود بين البلدين.

دور المغرب في النهوض بتنمية القارة الأفريقية يعتبر مسألة محورية في السياسات العامة للدولة

واعتبر أستاذ العلاقات الدولية، أن ربط الملك في خطاب 20 أغسطس العلاقات مع الجزائر بالإرهاب والهجرة باعتبارهما تحديات مشتركة، وأن المغرب والجزائر سيعانيان من ظواهر متماثلة، هو ربط منهجي ويدخل في سياق التصور الاستراتيجي العام للدبلوماسية المغربية الجديدة التي بدأت في التوضح والمرتكزة إلى إحاطة المغرب لنفسه بتعدد الحلفاء. وأوضح خالد شيات أنه إذا كان التنسيق في السابق قد وصل إلى حد طرد الاحتلال، فالأولى الآن أن يتم من أجل حفظ الأمن وصياغة سياسات تضامنية للتنمية والتقدم.

وشدد خالد شيات على أن هناك مسارا مغربيا يدعو الجزائر إلى الانخراط فيه، فبدل حشد الحصار مع دول جارة من أجل إحباط المشروع القاري المغربي يمكن بناء رؤية منسجمة على المستوى القاري. وأكد شيات أن الخطاب الملكي يركز على أن المغرب لا يريد حربا وعلى الدوام آثر السلم في علاقاته الدولية، لكن لا يصل الأمر حد التجرؤ على وحدته الترابية، بمعنى أن هناك مسارا تنمويا يقوده المغرب ومسارات عنيفة تريد بعض القوى الإقليمية أن تفرضها على المنطقة، والمغرب يدعو إلى السلم والتنمية والتطور أما الحرب فأمرها يسير.

وذكّر الملك بـ”الحاجة في ظل الظروف الراهنة، التي تمر بها الشعوب العربية والمنطقة المغاربية لتلك الروح التضامنية” في إشارة إلى “المرحلة التاريخية التي تميزت بالتنسيق والتضامن بين قيادات المقاومة المغربية وجبهة التحرير الجزائري، حيث تم الاتفاق على جعل الذكرى الثانية لثورة 20 أغسطس كمناسبة لتعميم الثورة في الأقطار المغاربية”. وتأتي دعوة الملك للجزائر في وقت تصاعدت فيه حدة التوتر في العلاقات بين البلدين بسبب نزاع الصحراء الغربية، وهي المستعمرة الأسبانية السابقة التي استرجعها المغرب منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، وتطالب جبهة البوليساريو مدعومة بالجزائر بتقرير مصيرها.

أفريقيا حاضرة

خالد شيات: الرسالة تقول إن العلاقات المغربية الجزائرية يجب أن تعود إلى مسارها الطبيعي

حول ربط مضمون الخطاب الملكي مصير المغرب بأفريقيا وكيفية تعامله مع المهاجرين الأفارقة، أكد رضا الفلاح، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، في تصريحه لـ”العرب”، أن العاهل المغربي أثار قضية جد حساسة تهم مستقبل القارة السمراء والفضاء المتوسطي، حيث يتعلق الأمر بملف الهجرة وغياب سياسة متوسطية لمعالجة هذه الإشكالية. وأضاف الباحث الفلاح أن دور المغرب المؤثر للنهوض بتنمية حقيقية للقارة الأفريقية يعتبر مسألة مركزية ومحورية في السياسات العامة للدولة، “فأفريقيا هي الفضاء الذي يملك مقومات تؤهله ليكون محرك الاقتصاد العالمي في المستقبل”.

وأكد العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطابه على أن أفريقيا بالنسبة إلى المغرب أكثر من مجرد انتماء جغرافي، وارتباط تاريخي، “فهي مشاعر صادقة من المحبة والتقدير، وروابط إنسانية وروحية عميقة، وعلاقات تعاون مثمر، وتضامن ملموس، إنها الامتداد الطبيعي، والعمق الاستراتيجي للمغرب”.

وعلق الأستاذ رضا الفلاح، على أن الدور الذي يلعبه المغرب يتميز بكونه يستهدف تقوية القدرات البشرية وتعزيز مقومات التنمية المستدامة في أفريقيا، وبالتالي فهذا النموذج من التعاون هو نقيض النموذج “النيوكولونيالي” الذي لن يخلف إلا المزيد من التهميش ودفع الطاقات الأفريقية نحو الهجرة. وركز الملك محمد السادس على التحديات التي تواجه القارة الأفريقية وعلى رأسها ظاهرة الإرهاب والتطرف، وهي تحديات يعتبر أن المغرب يمكن أن يقدم إسهاما فيها من موقعه كبلد أفريقي لديه تجربة في الحرب على التطرف.

وحسب إدريس الكنبوري، الباحث المغربي المتخصص في الجماعات الإسلامية والفكر الإسلامي، في حديثه لـ”العرب”، فإن الخطاب أوضح الدور الذي يقوم به المغرب في التنمية بعدد من البلدان الأفريقية، داعيا الآخرين إلى اتخاذ المسار نفسه الذي يتخذه المغرب تجاه القارة، على أساس أن الاستثمار هو الحل الوحيد لإخراج القارة من معضلاتها، انطلاقا من أن التخلف الاقتصادي والهشاشة الاجتماعية يعدان من الركائز الأساسية لنشوء وتطور التطرف.

ويعرف عن المغرب أنه من بين الدول الأكثر اهتماما بالعمق الأفريقي الذي يعنيه بشكل مباشر في المستوى الأمني الإستراتيجي والمستوى الاقتصادي وأيضا الجيوسياسي. فمن الناحية الأمنية تعد أفريقيا جنوب الصحراء مصدرا من مصادر القلق الأمني من تسرب عناصر تنظيم القاعدة إلى البلاد وإثارة توترات أمنية المغرب في غنى عنها. ومن الناحية الاقتصادية فإن الوجهة الأفريقية لدى المغرب مهمة في مجال الاستثمار في الطاقات المتجددة والتبادلات التجارية والخدمات مع الدول الأفريقية خاصة وأن المغرب بوابة نحو السوق الأوروبية. أما عن المسوى الجيوسياسي فإن عودة المغرب مؤخرا إلى الاتحاد الأفريقي تؤكد أن المغرب يتوخى دبلوماسية تخيير التكتلات الكبرى لتثبيت المستوى الذي وصل إليه والانفتاح أكثر على هذه المنظمة الواسعة والتي سوف تكون أداة لضمان استقرار داخلي في ما يخص ملف الصحراء المغربية بعد طول قطيعة بين المغرب والاتحاد.

الهجرة وصورة الإسلام

نجاح الاستراتيجية المغربية في معالجة ملف المهاجرين الأفارقة

هناك جانب آخر يتعلق بإشكالية الهجرة حيث التقط الخطاب نقطة أساسية، وهي أن حسن المعاملة التي ينهجها مع المهاجرين الأفارقة لا توازيها سياسة مقابلة مع ظاهرة الهجرة في أوروبا، وذلك لأن إشكاليات الهجرة تعتبر من وجهة نظر إدريس الكنبوري، من الإشكاليات الصعبة في الحوض المتوسطي التي تتطلب استراتيجية تشاركية، لأن الهجرة ليست فقط تنقلا لأشخاص بل قنطرة بين ضفتي المتوسط يمكن أن تقود إلى التفاهم.

وشدد العاهل المغربي على “أننا نتفهم الوضع الصعب الذي يعيشه المغاربة المقيمون بالخارج فهم يعانون من تشويه صورة الإسلام، ومن العمليات الإرهابية، التي حصدت أرواح العديد منهم، كما يعانون من ردود الفعل، ومن الاتهامات الموجهة لهم، من قبل البعض، بحكم عقيدتهم”. ودعا الخطاب الملكي المهاجرين المغاربة إلى أن يمثلوا الوجه النقي للإسلام، الذي يرتكز إلى التعايش والسلم ونبذ العنف والتطرف.

وبخصوص الجالية المغربية المقيمة في الخارج، اعتبر إدريس الكنبوري أن الخطاب وجه دعوة مباشرة إلى الوحدة والتراص في مواجهة الجماعات المتشددة التي تحاول توظيف الشبان من المهاجرين واستلاب عقولهم. وهذا ما استنتجه الباحثون والمراقبون في أوروبا بعد أن شهدت القارة هجمات إرهابية مكثفة في السنوات الأخيرة كان أبطالها من المهاجرين من أصول مسلمة، وهذا الأمر يضع مسألة الاندماج وفهم الحقيقة الدينية للإسلام في قلب عملية الهجرة والاندماج.

وتورط عدد من المغربيين الذين ولدوا في عدد من الدول الأوروبية في الهجمات على الترابين الفرنسي والبلجيكي، كما أن عددا كبيرا منهم التحقوا بتنظيم الدولة في العراق والشام، ما جعل المغرب يوطد تعاونه الأمني مع الدول الأوروبية.

وأظهرت دراسة أوروبية حديثة نشرت في برشلونة نهاية يوليو الماضي، أن خطابات العنصرية والكراهية تنتشر بوتيرة أكبر على الإنترنت، كما يسجل انتشار للحركات العنصرية التي تستفيد من غياب الملاحقات لنشر رسائلها. وبحسب وكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوروبي، فإن 60 إلى 90 في المئة من الضحايا يحجمون عن التقدم بشكاوى، كما سجلت جرائم الكراهية ضد المسلمين والمساجد العام الماضي زيادة بثلاثة أضعاف في الولايات المتحدة إثر الاعتداءات الجهادية في باريس وسان برناردينو بكاليفورنيا، وفق ما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية.

وأشار الباحث المغربي، إلى أن الخطاب الملكي حذر من المخاطر التي تحدق بالمهاجرين المغاربة بشكل خاص والعرب والمسلمين بشكل عام في أوروبا، بعدما أصبحوا ساحة مفتوحة للجماعات الجهادية في غياب مؤسسات دينية فاعلة في البلدان الأوروبية بإمكانها أن تلعب دورا في تحصين الجالية.

وقد أشار العاهل المغربي في خطابه إلى مسألة جد حساسة وهي تضامن كل الأديان في مواجهة الإرهاب، لأن المعنى الحقيقي والجوهري في ربط الإسلام بالإرهاب كما تفعل بعض الدوائر اليمينية المتطرفة في الغرب هو المس من الدين بشكل هام وليس الإسلام فقط باعتبار المصدر الإلهي الواحد لهذه الأديان. ويقول العاهل المغربي في هذا السياق “أمام انتشار الجهالات باسم الدين فإن على الجميع، مسلمين ومسيحيين ويهودا، الوقوف في صف واحد من أجل مواجهة كل أشكال التطرف والكراهية والانغلاق”.

وأضاف “كلنا مستهدفون، وكل من يفكر أو يؤمن بما قلته هو هدف للإرهاب. وقد سبق له أن ضرب المغرب من قبل، ثم أوروبا والعديد من مناطق العالم”. وندد العاهل المغربي بشدة بقتل الأبرياء، واصفا قتل قس في كنيسة بـ”الحماقة” التي لا تغتفر، في إشارة إلى ذبح قس في 26 يوليو الماضي في شمال غرب فرنسا على يد متطرفين بينما كان يؤدي صلاته الصباحية.

الجهاد وإمارة المؤمنين

إدريس الكنبوري: الخطاب وجه دعوة مباشرة إلى الوحدة والتراص في مواجهة الجماعات المتشددة

أعطى العاهل المغربي حيزا كبيرا في خطابه لموضوع الإرهاب والتطرف، قائلا إن الإرهابيين باسم الإسلام ليسوا مسلمين، ولا يربطهم بالإسلام إلا الدوافع التي يركبون عليها لتبرير جرائمهم وحماقاتهم. فهم قوم ضالون، مصيرهم جهنم خالدين فيها أبدا. هذه النبرة الواضحة في الخطاب الملكي والتي تفرق وبوضوح بين الدين الإسلامي والإرهابية أكد من خلالها الكنبوري لـ”العرب”، أن هذا الخطاب “قوي جدا لأنه ولأول مرة يوجه الملك الاتهام بشكل مباشر إلى الجماعات المتطرفة والتكفيرية ويتهمها بالكفر”.

وأشار العاهل المغربي في خطاب الـ20 من أغسطس، إلى أن الجهاد في الإسلام يخضع لشروط دقيقة من بينها أنه لا يكون إلا لضرورة دفاعية، ولا يمكن أن يكون من أجل القتل والعدوان، ومن المحرمات قتل النفوس بدعوى الجهاد، ومن شروط صحة الجهاد أيضا، أن الدعوة إليه هي من اختصاص إمارة المؤمنين ولا يمكن أن تصدر عن أي فرد أو جماعة.

وقد ركز خطاب العاهل المغربي على الانحراف الذي طال مسألة الجهاد في الإسلام، بحيث أصبح يعني القتل وسفك الدماء، وقال إدريس الكنبوري إن العاهل المغربي أكد على مسألتين أساسيتين، الأولى أن الجهاد بمعنى القتال لا يكون إلا في حالة الدفاع إن كان هناك احتلال مثلا، وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي جهاد الدفع، والثانية أن الجهاد بهذا المعنى لا يكون إلا بأمر أو إذن من أمير المؤمنين. وأضاف الباحث المغربي إلى أن هذه نقطة رئيسية تتطابق مع الفقه الإسلامي، حيث ينص الكثير من الفقهاء على أن الجهاد لا يكون إلا بإمام، وأنه يجب أن يكون تحت راية.

ويرى إدريس الكنبوري أن هذه رسالة من الملك إلى هذه الجماعات، بأن المغرب يتوفر على مؤسسة شرعية وأن أمور الجهاد وقضايا الدين بشكل عام مرتبطة بهذه المؤسسة، كما أنها رسالة ضمنية إلى بعض الإسلاميين في الداخل الذين لا يزالون يفهمون الجهاد باعتباره أمرا متروكا لكل شخص يفتي فيه كما يشاء. وحول الهدف من رسالة العاهل المغربي في هذا الشأن، أكد إدريس الكنبوري أنها موجهة إلى المغاربة أولا، ومن خلالهم إلى كل العرب والمسلمين، وخصوصا في أفريقيا نظرا لما تتمتع به مؤسسة إمارة المؤمنين من سمعة وقبول لدى العديد من الأفراد والمؤسسات.

ويعتبر يوم الـ20 من أغسطس رمزا لثورة الملك والشعب على الاحتلال الفرنسي الذي قام بنفي الملك محمد الخامس بداية الخمسينات من القرن الماضي، الأمر الذي أدى إلى غليان شعبي واسع أعاد الملك محمد الخامس إلى العرش بالقوة. وقد ألقى العاهل المغربي الملك محمد السادس خطاب الذكرى الـ63 السبت.

7