رسائل الملك محمد السادس من برلمان تونس

الاثنين 2014/06/02

تحرك المغرب لإدارة مصالحه، لا تثنيه في ذلك لا الجغرافيا ولا مناورات الخصوم، يعني أنه لا يلعب وراء الحجب وفي الدهاليز المظلمة. مضامين التحرك اقتصادية وبراغماتية وذكية، لكنها بنفحة إنسانية.

الضغوط على المغرب في صحرائه واضحة، وسياسة الرباط حاليا تنحو تجاه استراتيجية هجومية وغير متوقعة. تلك الاستراتيجية الهجومية التي أعطى ضوءَهَا الأخضرَ العاهلُ المغربيُّ الملك محمد السادس في خطاب بمناسبة المسيرة الخضراء السنة الماضية. ذلك لأجل صناعة خارطة إقليمية، لا كما يريدها الخصوم في ليبيا أو الساحل والصحراء، بل كما تتطلبها الرؤية العميقة والمستقبلية للعلاقات داخل الفضاء المغاربي أولا، والمتوسطي إذا أدخلنا إليه الفاعل الأوروبي ولا نستثني روسيا ثانيا، والفضاء الأفريقي في اتجاه الجنوب ثالثا.

عندما نتمعن في الزيارات التي قام بها العاهل المغربي إلى غرب أفريقيا وحاليا لتونس. فإننا نجد إصرارا من جانبه على حسم الأوراق العالقة، من ضمنها تلك المعادلات الخفية بين بعض الدول ومجموعات تحاول زعزعة أمن المنطقة، أيضا دعم وترويج النموذج المغربي سياسيا ودينيا وحقوقيا. سياسة المغرب لا نفهم منها إلا شيئا واحدا. لا يمكن رسم خارطة مصالحية في المنطقة والساحل والصحراء بمعزل عن الرباط. بكلمة أخرى المغرب رقم محوري في أية سياسة دولية ترتسم معالمها من أوكرانيا إلى عمق الصحراء نحو أفريقيا، مرورا بليبيا.

مثلت تونس في زيارة الملك محمد السادس، حلقة قوية لرسم ملامح المغرب العربي بِنَفَس آخر يُسقِطُ تلك النظرة الإقصائية والتجزيئية التي طغت على سياسة الجزائر في المنطقة. كان هذا بيّنا من خلال كلمة الملك من على منصة البرلمان التونسي. علاقات ثنائية لا يريدها الملك على حساب الآخرين، بل يمكن أن تكون نموذجا للتضامن يحتذى به، ولبنة توضع فوقها أخرى للاندماج المغاربي. رسالة أكدها الملك بالقول إن ”الاستثمار الأمثل للعلاقات المتميزة المغربية التونسية سيشكل، بالتأكيد، التجسيد الواقعي والعملي للتكامل المغاربي”.

نقرأ من خلال خطاب الملك داخل البرلمان التونسي، أنه لم يعد من سبب يعاكس كسب الثقة في مستقبل صرح الاتحاد المغاربي الذي حلم به الآباء. لولا يد العبث والرؤية غير الحكيمة لكانت هياكله الآن تعمل بثبات خدمة للملايين من شعوب المنطقة في إطار تشاركي.

نقرأ أيضا، أن الأخطاء التي ارتكبها خصوم الاتحاد الحقيقي لازالت تؤثر في مسارات سياسية يمكن أن نراها بادية في ليبيا وجنوب الجزائر. الاتحاد المغاربي ليس تجمعا بروتوكوليا أو تقليدا لتجارب أخرى. بل كان طموح المغرب يتميز دائما برؤية استشرافية بعيدة عن مصالح ضيقة وآنية، إنها رؤية دولة ذات تاريخ وتقاليد أصيلة تؤمن بالوحدة والاندماج والعمل المشترك.

رؤية الدولة المغربية عبر عنها الملك عندما قال أمام التونسيين في برلمانهم، بأن “تحقيق طموحنا في بناء مغرب كبير، قوي وقادر على القيام بالدور المنوط به، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، يجب أن يرتكز على علاقات ثنائية وطيدة بين دوله الخمس من جهة، وعلى مشاريع اندماجية تعزز مكانة ومسار الاتحاد المغاربي من جهة أخرى”.

الجزائر تخشى هذا. وتخشى أي تحرك مغربي خارجي يدافع عن مصالحه ووحدة ترابه وسيادته. فالصحراء ليست لغزا مغربيا، إنها عمقه الجغرافي والسياسي والثقافي والاقتصادي، وكما هو معلوم فالنظام العسكري الجزائري يناور لاقتطاع هذا الجزء الأصيل من تراب المملكة.

لهذا نسفت سياسة الجزائر كل إمكانات التعاون في إطار اتحاد مغاربي فبادرت إلى إغلاق الحدود تحت ذرائع تجاوزتها الأحداث. الملك يقول هنا بأن “التمادي في إغلاق الحدود الذي لا يتماشى مع الميثاق المؤسس للاتحاد، ولا مع منطق التاريخ ومستلزمات الترابط والتكامل الجغرافي. بل إنه يسير ضد مصالح الشعوب المغاربية، التي تتطلع إلى الوحدة والاندماج”.

أرادت الجزائر الاستفراد بالقرار الأفريقي والمغاربي عبر الاتحاد الأفريقي، وعزل المغرب عن محيطه. إذن كيف لا يحاول المغرب البحث عن حل للأزمة بليبيا، ودعم التجربة التونسية وإعانة الماليين في تعزيز الاستقرار لديهم عبر حوار بين الأطراف المتنازعة؟ إنها عقيدة المغرب الشفافة وهو ما يقلق الجارة الشرقية التي تنظر بريبة لأي تحرك في اتجاه تعزيز الديمقراطية والتنمية والتداول على السلطة.

خطاب الملك في البرلمان التونسي رسالة واضحة وحروفه لا تتطلب أي مجهود فكري لقراءتها. فهي تقول بلا مواربة أن المنهجية الديمقراطية التي استهلها المغرب منذ زمن، وتعززت عبر دستور 2011 وانتخابات ركزت على مفهوم المشاركة بلا إقصاء، معاني يجدها المغرب في تونس. وأن “المملكة المغربية لن تدخر أي جهد لتعزيز علاقاتها مع باقي البلدان المغاربية الشقيقة، التي تشاركها نفس الإرادة، إيمانا منا بأن التعاون الثنائي يشكل الأساس المتين للعمل المغاربي المشترك”، حسب كلمة محمد السادس.

قدرة المغرب على ترسيخ نموذجه الديمقراطي والتنموي والديني، والعمل على مشاركته مع بلدان المنطقة ذات الهم الواحد شيء أكيد، لأسباب منها أن المملكة ترعى المبادرات السلمية والحوار في مقاربة أزمات المنطقة، أي أن الرباط لا تعمل بمفردها بل تتجه إلى إشراك الآخرين في البحث عن حلول لأزمات مستعصية.

وهنا يخطئ من يركب رأسه ولا يعي حركة التاريخ، فما يحدث بليبيا ومالي وسوريا تداعياته لن تكون سهلة، خصوصا مع وجود خصوم يريدون تكريس سيناريوهات الحرب في المنطقة لتفتيتها وبلقنتها. عندما يخاطب الملك التونسيين فهو يرسل رسائله المؤكدة إلى أن المغرب لا يكتفي بمقعد المتفرج على ما يحاك ضد وحدته الترابية.

ما حققته الزيارة الأخيرة للعاهل المغربي إلى غرب أفريقيا، يتعزز مع دعمه للنموذج التونسي على كافة المستويات من خلال اتفاقيات عديدة. كل هذا للرفع من قيمة التعاون إلى شراكة استراتيجية، للوقوف أمام تحديات وتحولات المرحلة الحالية لصناعة بدائل من التعاون تكون في صلب الاتحاد المغاربي الذي “لم يعد أمرا اختياريا، أو ترفا سياسيا، بل أصبح مطلبا شعبيا ملحا وحتمية إقليمية استراتيجية”. كما قال الملك.

محمد السادس يتجه شرقا ويخاطب العالم من على منبر تجربة سياسية أرادت القطع مع كل محاور الإرهاب. والكشف من تونس العاصمة على أن المغرب لا يريد العمل منفردا. إنها رسالة تحمل الصواب وتسفّهُ من يعمل عكس التيار والمنطق، وخارج الإطار الزمني لما يحدث في العالم والمنطقة.

كما عبر خطاب الملك عن ذلك بأنه “مخطئ أيضا من يتوهم أن دولة بمفردها قادرة على حل مشاكل الأمن والاستقرار. فقد أكدت التجارب فشل المقاربات الإقصائية في مواجهة المخاطر الأمنية التي تهدد المنطقة، خاصة في ظل ما يشهده فضاء الساحل والصحراء من تحديات أمنية وتنموية”.

للوصول إلى التنمية الشاملة والاندماج الاقتصادي للنهوض بالمنطقة المغاربية، هناك مفاتيح جاءت في خطاب الملك محمد السادس تركز على أن “دول المغرب الكبير مدعوّة، أكثر من ذي قبل، إلى التحلي بالإرادة الصادقة لتجاوز العقبات والعراقيل المصطنعة التي تقف أمام الانطلاقة الحقيقية لاتحادنا، في إطار من الثقة والحوار وحسن الجوار والاحترام المتبادل للخصوصيات الوطنية”. فهل من مجيب؟

كاتب مغربي

8