رسائل بعطر الياسمين

رسائل الحب التي أكتبها لابني، وأدون فيها مشاعر أم، وخوف صديقة، وحنان رفيقة لهوا ولعبا ومرحا لا تقل بنظري أهمية عن كل رسائل الغرام.
الاثنين 2019/10/21
الكلمة العذبة تليّن القلب

من قال إن رسائل الغرام حكر بين الرجال والنساء فقط؟ من قال إن الحب يهدى للزوج والحبيب فقط؟ من علّمكم أن المشاعر الدافئة والكلمات الحنونة تظل حبيسة القلوب لا نفرج عنها إلا لحبيب، شريك عشق ليس أكثر؟ لدينا أصدقاء، أبناء، آباء، أمهات، وأقارب ذوي أرحام بحاجة للكلمات العذبة

لديّ من الكلمات الجميلة الكثير، الكثير، ولديّ من المشاعر التي يفيض بها قلبي لك أنت، يحمل هاتفي عشرات الرسائل، ومئات من باقات الأزهار لك أنت يا شريك نصف عمري، تعلمت معك مع²اني جديدة وأوصافا متعددة، تعلمت معك، ومنك أن اللعب والقفز في الحدائق متعة، اللهو جزء أصيل من الحياة، وأن الجري وراء الفراشات الملونة لا ينتقص من الهيبة.

عزف الموسيقى غذاء للروح، كما للكتاب مذاق وللقراءة طعم ولون ورائحة، كذلك للآلات الموسيقية، شاهدت أفلاما جديدة للكرتون أعادتني لشخصيات ميكي وسمير، تعرفت مع ابني الأكبر على مزيج رائع من مشاعر الطفولة والأمومة معا.

لم أكن أعرف ماذا أفعل حين يبكي الصغير، وأنا أم في سن باكرة وبعيدة عن أهلي، منعدمة الخبرات، أقرأ كتب التربية الحديثة للتعامل مع هذا الكائن مزاجي الطبع، هذا الصارخ في وجهي ليلا، نهارا.

حتى ملابسه أستعين بالكتب للتعامل الصحيح معها، كنت مادة خصبة للحديث الساخر، أمّ تربي طفلها بالكتب، تضحك صديقاتي وأنا أقص عليهن مغامراتي معه ويقلن لي تعقيبا على كل موقف، وماذا يقول الكتاب؟ فأبكي ويضحكن هن.

جهلي في التعامل مع طفلي الأول الذي جعلته حقل تجارب وألغام، ولاختبار كتب التربية الحديثة وماذا أضافت لي من معلومات، جعلني أبكي كردة فعل طبيعية لبكائه وعجزي عن تفسير سبب البكاء بعد أن تفشل كل محاولات الإطعام وإعطاء دواء المغص، وتغيير الملابس، وغيرها من الحيل.

يبكي صغيري فأبكي معه، صرنا هكذا حتى سنوات طويلة من العمر، صارت عادة، حتى في مراهقته وضياع حبه الأول يبكي، فأبكي معه.

يأتي مساء وأنا في غرفتي أقرأ، وما أن يدير المفتاح في الباب حتى يتساءل، أين أمي؟ ويجيب على نفسه يبدو أنها بالداخل.

حين يطرق بابي أعلم أن خطبا ما ألم بصغيري، وبعد لحظات من الحكي الحزين تبدأ جلسة البكاء، نتقاسمها معا، كلانا يفرغ شحنة قلبه، يسقط حمولة ما به من أوجاع ولا يبالي، صارت لنا طقوس في التعبير عن الحزن نمارسها في صرخات احتجاجية نطلقها معاُ.

يحفظ ردود أفعالي عن ظهر قلب، وأتقبل تقلباته المزاجية، هذا الصغير، الوسيم الذي استحوذ بإحكام على صفات برج الميزان. ففي اليوم الواحد يضحك ويتقافز من الفرح، ثم تعود له كآبة وعبوس غريبان.

منذ بعده عني للدراسة وأنا أمسك بالورقة والقلم الرصاص، لأتمكن من تدوين مشاعري وخوفي عليه، قلم رصاص يوفر لي محو ما أردت تغييره كل دقيقة، حتى أعيد الكتابة أكثر من مرة وأمحو، قد لا أرسل له هذه الرسائل، وبالطبع لا أفعل في زمن التكنولوجيا التي تأتي به صوتا وصورة إلى شاشة هاتفي، لكنها تأريخ لفترة غيابه وكم أتوحشه، أصب عطور الورد والياسمين على كلماتي، فهي ستعيش أكثر مني.

رسائل الحب التي أكتبها لابني، وأدون فيها مشاعر أم، وخوف صديقة، وحنان رفيقة لهوا ولعبا ومرحا لا تقل بنظري أهمية عن كل رسائل الغرام التي تكتبها الحبيبات لشركائهن، إذ ماذا يزدن في خوفهن عني؟

ماذا يقدمن من مشاعر، هن متقلبات في حبهن، غير متقبلات لأخطاء الحبيب، أما أنا فأتقبل ابني كما هو، أبرر له أخطاءه كما يقول، أخترع أسبابا ومبررات لكل تصرف ولا أجد نفسي لائمة له في أي فعل، هو عندي حزمة من المواقف آخذها كعرض إجمالي لا يقبل التجزئة.

اكتبوا رسائل غرام للأبناء، دوّنوا مشاعركم ولا تدعوها تنفلت في لحظات الانشغال. لا تتركوا العمر يفوت بمفاهيم مكذوبة، أن القسوة تعلم الأبناء، وأن التربية الصحيحة تقوم على العنف التربوي لخلق جيل قوي، الرجولة ليست بالصوت العالي والحنجرة المتحشرجة، والعضلات المفتولة.

الطفل الذي يرى الحب ويلمسه يتربى رفيقا، شفيقا، حنونا، لا تتسلل الغلظة إلى قلبه، ولا تجد القسوة طريقها إليه.

21