رسائل تنتظر أن تصل

الخميس 2014/11/06

مرة واحدة حاولت الانتحار في حياتي، كان ذلك أيام المراهقة، تخاصمت مع والدتي، لسبب لا أذكره، أذكر فقط أنني شعرت بالظلم والاهانة. استمر غضبي وصمتي لأسابيع. والدتي صبرت، وانتظرت أن تنتهي الحالة النفسية التي “ركبتني”.

لم يحدث ذلك، فقررت أن تحتج. وضعت غطاء على رأسها، وقالت: “سأذهب إلى بيت أخي (والدها ميت) إلى حين تنتهين من الجنون الذي ركبك وتعقلين”.

راعني أن أرى والدتي تغادر البيت بسببي، وراعني أن أرى الحزن والحيرة في عينيها، فكرت أن أرتمي في حضنها، أن أمسك بطرف ردائها، وأطلب منها ألا تذهب، لكنني لم أقو على فتح فمي، كان الغضب وشعور الظلم متلبسين بي ويعميان روحي بالكامل، جريت إلى خزانة الأدوية، سحبت علبة أسبرين ولحقت بها، كانت قد ابتعدت بضعة أمتار عن البيت، وقفتُ أمامها، فتحتُ فمي لأول مرة منذ أسابيع طويلة وقلت: “بدلا من تذهبي أنت، أذهب أنا.. وللأبد!”. لا أعرف إن كُنت جادة في قتل نفسي أم لا، لكن كان يجب أن أفعل شيئا لأثنيها عن الخروج من البيت، ولأخرج من دائرة الصمت والغضب. أدخلت إصبعها في فمي وأخرجت الأدوية التي لم أبلع منها شيئا، جثوت بعدها على الأرض وبكيت كثيرا، بكت هي أيضا، تصالحنا وانتهى المشكل، ولم يتكرر هذا بيننا إلى أن توفيت.

منذ ذلك الوقت أفكر كثيرا في مفهوم الظلم والألم والأشخاص الذين يسببون لنا أزمات نفسية، وحالات عزلة، وأمراضا لا تنتهي، قد يكونون من أحب الناس إلينا، يدفعوننا إلى دهاليزنا الداخلية ويغلقون أرواحنا علينا، بحيث يصبح من الصعب إحداث فجوة صغيرة فيها لنتنفس من خلالها، أو لنترك للآخرين فرصة اختراقنا. نصمت، والصمت أكثر الحلول ألما.

في حياتنا، نواجه باستمرار مواقف مشابهة، نتألم، فتعاودنا صور الطفولة، والمراهقة، ووجع الصمت، والانفجارات العظيمة، نعتقد أننا كبرنا وسلوكنا تغير وكذلك ردات أفعالنا، ومفهومنا للحياة، نعتقد أننا أصبحنا أقدر على مواجهة آلامنا، لكننا نصطدم بأنفسنا ونتعثر، تماما كالأطفال والمراهقين.

حتى الذكريات، لا نصبح متأكدين تماما أنها حدثت على النحو الذي نرويه، هل صمتُ فعلا طوال فترة خصامي مع والدتي؟ أم كنت أتكلم لغة أخرى توقعت من الآخرين أن يفهموها، ويتلقوا رسائلها بشكل صحيح؟ هل تناولت الأسبرين، لأذهب أم لأمنع شخصا عزيزا من الذهاب؟.

هل بكيت من شعور الظلم والإهانة، أم لأنني تنفست أخيرا؟. هل كنت مظلومة أم ظالمة؟

لا زلت إلى يومنا هذا، كلما أردت أن أمنع أحدهم من الذهاب… أذهب، لكنني غيرت الطريقة، لم أعد أتناول الأسبرين، بدلا من ذلك صرت أذهب بعيدا بعيدا في قصيدة، أو أخرج مع الأيام في فسحة خارجها وخارجي، شيء يشبه الغياب الاختياري، أو أسافر إلى قرية هادئة في مكان ما من العالم أقرأ الروايات وأرسم وأتنزه في البراري، أو بكل بساطة أبكي… كلها وسائل للذهاب، وكلها لغات تحتاج إلى من يفهمها، ورسائل تنتظر أن تصل!

21