رسائل حردان التكريتي للبكر: وثائق من زمن عراقي ملتبس

السبت 2018/01/27
كشف لحالة الصراعات السياسية التي سادت في العراق

لندن- دلل عنوان كتاب “حردان التكريتي-ضحية الغدر والخيانة”، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، لسيف الدين الدوري، على قصدية معينة أرادها المؤلف من خلال المقدمة التي عرضها، وهي كشف حالة الصراعات السياسية التي سادت في العراق خلال الخمسين سنة الماضية خصوصا بين قيادات الحكم.

أعطى المؤلف الفكرة التي أرادها من خلال الاستعراض التاريخي في مقدمته وهي (الغدر والخيانة) ووضعها عنوانا للكتاب الذي هو بالأساس وثائقي. ويبدو أن كلمة عائلة الراحل حردان التكريتي الذي شغل قائد سلاح الجو العراقي ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة في العراق نهاية الستينات من القرن الماضي التي كلفت المؤلف بهذا العمل، لم توضح تلك الغاية وذلك المعنى المقصود من المؤلف بقدر ما كان هدفها من تكليفه هو أن يطلع الناس على جزء مهم من دور هذا الإنسان الوطني.

وجاء فيها “نزولا عند رغبة الكثير من الأصدقاء والمعارف والمهتمين بالشأن السياسي العراقي، عزمنا نحن عائلة الراحل حردان عبدالغفار التكريتي على تدوين ومراجعة ما نمتلكه من وثائق خاصة تتعلق بفترة مهمة من حياته السياسية وعلاقته برأس النظام السياسي الذي حكم العراق فعليا منذ السابع عشر من يوليو 1968 وحتى التاسع من أبريل 2003، لقد اعتمدنا في مشروع الكتاب الذي بين أيديكم على تلك الرسائل التاريخية المهمة وعلى بعض المراسلات الأخرى. نحن نعتقد بأن هذا الكتاب كوثيقة رئيسية، سيحفز بعض رفاقه وزملائه من رجالات العراق الأحياء، وكذلك الكتّاب والسياسيين والصحافيين والمتابعين داخل العراق وخارجه، على تقديم ملاحظاتهم وتعقيباتهم، التي ستجد لها مكانة طيبة لدينا، من الممكن أن تضاف إلى هذا المجهود في طبعاته المقبلة”.

فالكتاب ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي وإنما هو وثيقة وشهادات امتلكها أفراد عائلته الذين وجدوا أن الوقت قد حان لكي تظهر إلى الرأي العام بعد أن حجبت قرابة الأربعين عاما.

الوثيقة تتمثل بالرسائل الثلاث عشرة التي وجهها حردان من منفاه في الجزائر إلى رئيس جمهورية العراق آنذاك أحمد حسن البكر، والشهادات هي مجموعة من المقابلات الشخصية لشخصيات وشهادات لسياسيين كان لهم دور في صناعة الأحداث إلى جانب حردان أو هم شهود عليها، أو هم صحافيون وإعلاميون ورواة كتبوا حول تلك الفترة، فهو واحد من القادة العسكريين الحاملين لأفكار وطنية وعاش داخل تلك الصراعات إلى حين اغتياله في الكويت في الثلاثين من مارس عام 1973.

لا شك أن استعراض مواقف حردان الموثقة في رسائله أو المواقف التي تحدث فيها غيره من الزعماء السياسيين والعسكريين الذين عاصروه، تعبّر عن مرحلة مهمة من تاريخ العراق مازالت تدور حولها الاجتهادات والمواقف والجدل الكثير.

أهم ما يميز الكتاب هو رسائل حردان من منفاه إلى أحمد حسن بكر، تلك الرسائل التي كشفت في جوانبها الكثير من التفصيلات، وما كان يعانيه حردان من ظلم موجه ضده

لكنها تؤشر على صورة الوضع السياسي العراقي بعد نمو الحركة الوطنية العراقية إثر ثورة يوليو المصرية عام 1952 والعدوان على مصر عام 1956، وتشكيل حركة الضباط الأحرار التي كان حردان أحد أعضائها كواحد من المؤمنين بالتيار القومي العروبي، والتي مهدت لثورة 14 تموز 1958 وما أعقبها من صراعات قومية يسارية أدت إلى قيام حزب البعث بحركته في الثامن من فبراير 1963 حيث كان حردان التكريتي أحد أبطالها.

ولم يستمر الحكم طويلا بعد نزاع قيادات الحزب في ما بينها، ما بين اليساري واليميني، فيما وجد القادة العسكريون وفي المقدمة عبدالسلام عارف وطاهر يحيى وحردان التكريتي وصبحي عبدالحميد ورشيد مصلح ومجموعة من القادة العسكريين الذين مثلوا الخط المناوئ لقيادات الحرس القومي فقاموا بحركتهم الانقلابية في الثامن عشر من ديسمبر 1963.

ولم يستسلم تنظيم حزب البعث لسقوط سلطته بتسعة أشهر، حيث بدأت مرحلة جديدة من العمل السياسي بسبب ضعف إدارة حكم عبدالرحمن عارف، واشتغل واتفق العسكريون حردان التكريتي وأحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وعبدالرزاق النايف وإبراهيم الداوود، مع الخط المدني لحزب البعث بقيادة صدام حسين على القيام بحركة 17 يوليو، حيث بدأت مرحلة سياسية جديدة تميزت بمحاولة إضعاف دور العسكر، سواء الذين هم داخل قيادة حزب البعث مثل صالح مهدي عماش أو خارج تلك القيادة مثل حردان التكريتي، هذه المرحلة التي قادها الرئيس الراحل صدام حسين أدت إلى النهاية الدموية لحردان.

أهم ما يميز الكتاب هو رسائل حردان من منفاه إلى أحمد حسن بكر، تلك الرسائل التي كشفت في جوانبها الكثير من التفصيلات، وما كان يعانيه حردان من ظلم موجه ضده سواء من قبل البكر نفسه أو من قبل صدام، كما أنها تعبر عن شخصيته السياسية الوطنية ومحاولاته العمل على تصحيح خلل العلاقة بين أركان الحكم. ومما قاله في إحدى رسائله للبكر حول دوره في التخطيط لحركة 17 يوليو 1968 “لا بد أنكم تتذكرون مواقفي قبل أيام الثورة والاتصالات التي قمت بها مع بعض الأطراف، مراقبا كل تحركات السلطة ضد عملياتنا متحملا قسطا كبيرا من المخاطر كغيري من الإخوان، لم أهب أحدا ولم أتخوف من واجب تقررونه لي بل على العكس أستطيع القول وأفخر بأني كنت أختار الواجبات الأصعب لأقوم بتنفيذها”.

الرسائل هي مقطع سياسي مهم لحالة المرحلة ما بين 1968 إلى 1973، التي امتزجت فيها العواطف بالإخلاص للمبادئ، ليس المهم الحكم من هو الذي كان على الطريق الصحيح ومن هو الذي كان على خطأ، حردان هو جزء من مرحلة سياسية عاشها العراق لها خصوم ولها أعوان ومؤيدون، ولكل له حججه، فهذا الحكم سيعود للتاريخ.

6