رسائل حلب إلى شعوب العالم

الخميس 2016/12/01

لم تكن الرسـائل الأخيرة الصـادرة من حلب المحاصرة، موجهة إلى أنظمة العالم، ولكنها رسائل إلى أطباء العالم الذين يحملون قسم أبقراط، وإلى شعوب العالم، التي ربما ينتظرها المصير نفسه إن لم تتحرك.

وفيما تؤكد المنظمات الإغاثية الدولية مأساوية الوضع في حلب المحاصرة منذ قرابة المئة يوم، وأن كمية الطعام المتوفرة لما يزيد عن 270 ألف مدني محاصر توشك على النفاد، وأن جميع النقاط الطبية خرجت عن الخدمة نتيجة القصف المتواصل على الأحياء السكنية والمرافق الحيوية، وأن المئات من المصابين والمرضى لا تتوفر لهم الخدمات الضرورية لإنقاذهم، يتواصل القصف ولمجازر التي يرتكبها الطيران الأسدي والروسي، ويتواصل حشد الآلاف من المقاتلين التابعين للعصابة الإيرانية من ميليشيات أفغانية وعراقية ولبنانية وإيرانية تحاول اختراق الخطوط الدفاعية من مختلف الجهات.

ورغم أن الأمين العام للمنظمة الدولية صرح أكثر من مرة بأن ما يجري في حلب يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ورغم تصريحات منظمة “انقذوا الأطفال” أكدت تصريحات الأمين العام، لا تزال المنظمات الدولية تنتظر موافقات النظـام الأسـدي لإدخال المسـاعدات التي سبق أن شهدت عمليـات إدخالها إلى المنـاطق المحاصرة في سوريا سلسلة من الفضائح.

وفيما تؤكد حكومات العالم والمنظمات الدولية عجزها التام أمام مقتلة حلب، تؤكد ثورة الشعب السوري استمراريتها وجذريتها، وعدم إمكانية إسقاطها في كل مرة يحاول أعداؤها إعلان وأدها.

تخرج من تحت الأنقاض. تعيد على أسماعنا هتافات الثورة الأولى. وتفضح من جديد مدى بشاعة النظام الأسدي ودموية القوى التي تحميه وتحركه، وتعمل على الاستفادة من تأبيد وجوده على رقاب السوريين وعلى بلادهم ومدنهم ومجتمعهم التي حولها وحلفاؤه إلى أنقاض. وتعري تواطؤ النظام العالمي ومدى الانحطاط الأخلاقي الذي انحدر إليه، حين يشهد على إفناء المدن السورية واحدة إثر أخرى بالتدمير وبالمجازر والتهجير القسري لمن تبقى من محاصرين افتقدوا إلى أي من مقومات الاستمرار، وتسقط عند أقدام أطفالها الجياع كل المنظمات الدولية وعناوينها “الإنسانية” الخدّاعة، حيث فشلت في فرض إدخال المساعدات العاجلة للمحاصرين في حلب بعد أن تواطأت في اقتلاعهم من داريا وسواها.

في كل مرة يهدأ القصف، تعيد لنا الثورة السورية شكلها الأول وهتافاتها الأولى وتستعيد أهدافها الأولى. ساخرة من العالم المتفرج على فاشية ودموية أعدائها؛ أعداء الشعوب والإنسانية جمعاء.

في السابع والعشرين من فبراير الماضي وبمجرد الإعلان عن وقف الأعمال العدائية، خرج السوريون حيث استطاعوا، يتظاهرون ويرفعون أعلام الثورة ويافطاتها، في الغوطة وحمص وحلب وإدلب ودرعا وفي كل القرى والأحياء التي كانت خارج سيطرة نظام الأسد وعصاباته. لم يرض ذلك جبهة النصرة، فحاولت قمع المتظاهرين في إدلب وخصوصا في معرة النعمان، فكان الافتراق واضحا بين الثورة والقوى المضادة للثورة من عصابات الاستبداد الديني، الأمر الذي لا يمكن ملاحظته تحت نيران الطائرات وفي ظل البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والفراغية والنابالم والفوسفوري. وبالمقابل فإن ذلك الافتراق لم يرض العصابة الأسدية ومن هم خلفها، فقاموا بخرق الهدنة وشن الغارات على المناطق التي شهدت الانتفاضة في وجه جبهة النصرة، كما حدث في قصف السوق الشعبية في معرة النعمان وكذلك قصف الأسواق والمشافي في مدينة إدلب.

وحين اعتمد النظام سياسة الحصار والأرض المحروقة والقضم والاقتلاع في محيط دمشق وغوطتها، وتمكن من إفراغ داريا من أهلها، ظن الاحتلال الروسي أنه يمكن أن يطبق ما جرى في داريا على مدينة حلب. فكان إطباق الحصار عليها وشن أعنف الحملات النارية على مدى أسابيع على مختلف أحيائها واستهداف المباني السكنية والمرافق الصحية والإسعافية ومراكز وسيارات الدفاع المدني، بهدف حرمان المصابين وهم بالمئات وكذلك المرضى من العلاج، والذين انهالت عليهم الأبنية من أن يتم إنقاذهم فيدفنون تحت ركام بيوتهم.

وتحت نظر النظام العالمي والمنظمات الدولية يتم اختبار أشد وأحدث الأسلحة الروسية بما فيها المحرمة دوليا وقصف قوافل المساعدات دون أن يبادر هذا النظام العالمي وهذه المنظمات الدولية إلى اتخاذ أي إجراء ملموس لوقف هذه الجرائم التي صنفها الأمين العام للأمم المتحدة جرائم حرب وضد الإنسانية.

وبعد أسابيع من ممارسة تلك الجرائم، أعلن الاحتلال الروسي وقف القصف لساعات بعد أن ألقيت الآلاف من المناشير على أحياء حلب تطالب الحلبيين بالمغادرة. مناشير مصورة تقول لأبناء حلب: إما الخروج بالباصات الخضراء إلى المجهول القاتل، وإما الموت تحت نيران الطائرات. إنهما الخياران اللذان يحاول فرضهما المنتصر الذي ملأه الغرور، في حين أن نظام الأسد بات أكثر بشاعة في نظر السوريين، وباتوا يعرفون تماما من هم أعداؤهم الحقيقيون الذين يقيمون لبشار الأسد أرجلا من قصب.

غير أن المفاجأة كانت عكس جميع توقعات هؤلاء الأعداء. فبمجرد وقف الغارات خرج الحلبيون، ليس إلى الباصات المجهزة للرحيل، بل في مظاهرات تعيدنا إلى المربع الأول للثورة وبزخم جديد. كان الرد سريعا ومدويا من أبناء حلب: “نحن أشجار الزيتون”، “لن تقتلعنا من أرضنا”، “حاول ذلك قبلك الكثيرون”، “ذهبوا وبقيت حلب”، “لقد ماثلت الإسرائيلي في اقتلاع أهل الأرض”، و”لن نقول إلا كما قال جدنا يوسف العظمة؛ يمكنك أن تدخل وإنما على أجسادنا”.

هذا هو رد أصحاب الأرض، أحرارها، المتشبثين بها بعد أن شهدوا غدر الأسد وحلفائه في كل مكان تمت فيه ما سمي “مصالحات” أدت في غالبيتها إلى اقتلاع أبناء الأرض وطردهم من ديارهم.

باصاتك الخضراء سنلونها بالأحمر، ولن نغادر، فليعد طيران الروس إلى الأجواء وليعاود القصف وليشهد العالم الذي لن ننتظر من حكامه ولا من أنظمة قهره أيَّ سند أو عون، ولكن العتب على الشعوب المقهورة بأنظمة تعود بها إلى مربعات الإفقار والعصبيـات والاحتـراب، كيف لم تتحرك بعد؟ كيف ترى مشاهد الأطفال ينتشل بعضهم من تحت الركام ومن بين الأمواج وبعضهم تتقطع بهم السبل دون أن تتحرك؟ إن صمت الشعوب أشد إيلاما وإيذاء من بطش وتواطؤ الأنظمة. فهل على كل شعب منها أن ينتظر دوره بعد أن يتم للطغاة سحق حلب وشعبها وسحق الشعب السوري وثورته؟

إن تغاضي شعوب العالم عن تحويل حلب إلى مقبرة جماعية لأهلها يعطي المشروعية لمثل هذه الجرائم لتكون سوريا نموذجا لكيفية تعاطي أنظمة الطغاة مع شعوبها في القادم من الأيام، خصوصا أن العالم سيشهد تراجعا هائلا في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في ظل وصول القوى المتطرفة يمينا إلى السلطة في الكثير من الدول.

كاتب لبناني

9