رسائل حماس المزدوجة

الاثنين 2016/02/08

من الجيد أن تقوم حركة حماس بمراجعة التصريحات المتسرعة والمبسطة التي أدلى بها بعض قادتها، بخاصة إسماعيل هنية ومحمود الزهار وأبو عبيدة، والمتعلقة بتحرير فلسطين، وسلاح الأنفاق، التي وصلت إلى القدس، وعن صناعة دبابات، بعد الأحاديث عن صناعة صواريخ وطائرات، لكن الأفضل والأجدى من كل ذلك أن تقوم بمصارحة الفلسطينيين بحدود إمكانياتها وبحدود المقاومة المسلحة، وأن هذه المقاومة في ظروف قطاع غزة لها دور دفاعي لا أكثر، وهو أصلا دور محدود، كما شهدنا في حروب غزة الثلاث، مع كل التقدير لتضحيات المقاومين وبطولاتهم.

وحسب التسريبات الصحافية فإن مسؤولا رفيعا في حماس بعث برسالة (غير مباشرة) مطمئنة إلى إسرائيل، قال فيها “موقفنا واضح، لا نريد التصعيد ولا نريد الحرب. ليست لدينا نية في الوقت الحالي أو في المستقبل بفتح حرب. ومن ناحيتنا فإن هذا الخيار ليس مطروحا على الطاولة”. وأن حماس أبلغت الأمر نفسه لوسطاء من قطر وتركيا ولمبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط الذي التقى مع قادتها في غزة. وأضاف “قلنا لكل هذه الجهات، بشكل واضح، نحن لسنا معنيين بالحرب، وإنما نريد التهدئة والهدوء”.

المشكلة أن هذه الرسائل أو الخطابات، لا تنم عن مسؤولية إزاء تضحيات أهلنا في غزة ومعاناتهم تحت الحصار المفروض منذ عشرة أعوام، وأن الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، اعتادت توجيه رسائل أو خطابات مزدوجة، واحدة لشعبها في سبيل الاستهلاك وإثارة العواطف وتعزيز المكانة، والثانية إلى الإسرائيليين والرأي العام الدولي، لتعزيز شرعيتها والقبول بها كممثل للفلسطينيين، سواء مباشرة أو عبر هذه الدولة أو تلك كما جرى مؤخرا.

بيد أن المشكلة في المقابل، تكمن في أن الفلسطينيين، الذين يعيشون مرارة الواقع والحصار والاحتلال والهيمنة الإسرائيلية، في كل لحظة في حياتهم، وعلى كل صعيد، ومع خبرتهم بفصائلهم، والتي عمرها نصف قرن، لا يأخذون هذه التصريحات على محمل الجد، بل وربما يستشعرون مخاطرها عليهم، لأنها تعرضهم للنزيف وتعرضهم كحقل رماية للصواريخ الإسرائيلية في كل مرة.

ولعل الواقعية والصراحة والمسؤولية تقتضي أن تدرك الفصائل الفلسطينية أن المربع العسكري والأمني هو مشغل إسرائيل وهو خيارها في مواجهة الفلسطينيين، فهي من يهمها أن تبقي الصراع معهم حصرا في هذا المربع، الذي تتفوق به وتوحد شعبها فيه، وتستدر دعم العالم عبره، وهو الذي يمكنها من عرض ذاتها كضحية، ويسهل تملصها من عملية التسوية، ويشجعها على إطلاق يدها في البطش بالفلسطينيين، واستنزاف قوى مجتمعهم. ولعل ما يجري في المشرق العربي هذه الأيام يؤكد ذلك، إذ أن العالم الذي سكت عن قيام نظام الأسد بتشريد الملايين من السوريين، وقتل مئات الآلاف منهم وتدمير عمرانهم، لن يتحرك البتة لنصرة الفلسطينيين، الذين باتوا، بحسب حماس، يمتلكون ما تسميه “توازن رعب”، وسلاح الأنفاق وتصنيع صواريخ وطائرات ودبابات! والفكرة أنه مع كل ما يحصل في المشرق العربي، ولاسيما خراب العراق وسوريا، وتصدع مجتمعات المشرق العربي، لا يمكن لقطاع غزة أن يحرر فلسطين، لا سيما أن هذا القطاع، ومع كل البطولات والتضحيات التي بذلت في الحرب الثالثة (2014) لم يستطع أن يفرض فتح معبر رفح، علما أن كل إمدادات غزة التموينية، من المحروقات وغير ذلك، تصل عبر المئات من الشاحنات يوميا من المعابر الإسرائيلية!

وللتذكير فإن قطاع غزة، ومساحته 360 كم2، يشكل فقط حوالي 14 بالمئة من مساحة الضفة، أو 1.3 بالمئة من مساحة فلسطين، مع طول 41 كم، وعرض يتراوح بين 5 و15 كم. وأن هذه المساحة الضيقة مكتظة بالسكان، يقدر عددهم بمليونين تقريبا، في منطقة تخلو من الموارد، فكيف لمنطقة هذا حجمها تحرير فلسطين؟

أخيرا هذه التصريحات مضرة أيضا لناحية أنها تغطي على حقيقة الأوضاع في قطاع غزة، الذي يستثمر في صناعة طائرات ودبابات، أي أنه لا يبدو كمنطقة محاصرة وفقيرة، وإنما كمنطقة لديها موارد مالية ومواد خام وقدرات. لكن جدعون ليفي المحلل الإسرائيلي يتحدث عن الصورة المأساوية لغزة كما هي بقوله “طائرات سلاح الجو…رشت في الأسابيع الأخيرة بالسم الحقول في المنطقة الفاصلة، التي أعلنت إسرائيل عنها بشكل أحادي الجانب، بمسافة 300 متر عن الجدار، فالمزارعون في غزة يبلغون بأن طائرات رش السموم توسع أحيانا أهدافها بمسافة 500 متر. 1.187 دونم تضررت بالرش السابق في ديسمبر…

محظور على الصيادين الخروج إلى البحر لمسافة أكثر من 6 ميل بحري، وبين الحين والآخر يختطف صياد أو تطلق النار عليه؛ محظور على الفلاحين أن يقتربوا أكثر من 300 متر وكل ذلك من أجل خدمة ملاك الأمن الإسرائيلي وهو وحده، والاحتلال في القطاع انتهى منذ زمن بعيد…تقول آخر معطيات جمعية “غيشا”: 43 في المئة بطالة، 70 في المئة يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، 57 في المئة يعانون من نقص الأمن الغذائي. والتقرير الذي تقشعر له الأبدان ونشرته الأمم المتحدة في شهر أغسطس تحت عنوان “هل ستكون غزة مكانا قابلا للعيش في العام 2020”، عندها سيكون الضرر لشبكات المياه لا مرد له؛ فالمياه منذ اليوم غير صالحة للشرب. الناتج القومي المحلي الخام للفرد 1.273 دولار، أقل مما قبل 25 سنة، ولعله الوحيد في العالم الذي يهبط…ثلاث ساعات كهرباء. أحيانا ستا. في البرد وفي المطر…(هآرتس، 4/2/2016).

كنت أتمنى أن يكون الواقع غير ذلك، وأن يكون كلام قادة حماس منطقيا، وليس كلاما محملا بأغراض سياسية ويتبع رغبات وتوهمات لا توصلنا إلا إلى مزيد من المخاطر.

كاتب سياسي فلسطيني

8