رسائل شرم الشيخ السياسية

الاثنين 2015/03/16

لكل مؤتمر اقتصادي كبير وجوه سياسية لا تخفى على أحد، وقد تنجح أو تفشل الدول القائمة عليه في تحقيقها، كليا أو جزئيا، ويتوقف قياس النجاح والفشل (الكلي والجزئي) على طبيعة الأهداف المرجوة.

في مؤتمر مصر الاقتصادي الذي اختتم الأحد بمدينة شرم الشيخ الساحلية، كانت هناك حزمة كبيرة من الرسائل السياسية مطلوب توصيلها لمن يهمهم الأمر، فالأبعاد الاقتصادية تبدو واضحة ومفهومة لكثيرين، وليست في حاجة إلى عناء في الشرح والتفسير.

أما الأغراض السياسية فهي التي يمكن الاختلاف حولها، لأن الموقف السياسي يتحكم في زاوية الرؤية لكل شخص، بالسلب أو بالإيجاب، لكن هناك أشياء لا تقبل الاختلاف عليها أو حولها، لأنها غالبا تكون ظاهرة للجميع، من هنا يمكن التوقف عند مجموعة منها، أزعم أن الاختلاف عليها أو حولها لن يكون كبيرا، فقد تحريت الدقة والموضوعية في رصدها قدر الإمكان.

في مقدمة الرسائل التي ينطوي عليها مؤتمر شرم الشيخ، تفوق الرهان المصري على مروره بسلام، حيث ربطت الرئاسة والحكومة وجميع الأجهزة في الدولة بين سمعة مصر في الأمن والاستقرار، وبين نجاح المؤتمر، لأن انعقاده وسط حشد كبير من ممثلي الدول والشركات، شهادة ضمان للنظام برمته، على أنه حقق نتائج مبهرة في مواجهته الضارية مع قوى الإرهاب والتطرف، خاصة أن المدينة التي استضافت المؤتمر لها رمزيتها الواضحة، حيث تقع في سيناء التي تحتضن أخطر بؤر العنف في مصر.

الحصول على هذه الشهادة لم يكن “شيكا على بياض” بأن مصر تحولت، بين عشية وضحاها، إلى واحة للأمن والاستقرار في المنطقة، فإذا كان هناك نحو 90 دولة شاركت في المؤتمر و25 منظمة إقليمية ودولية، وكنا نتمنى أن يصبح التمثيل الرفيع أوسع نطاقا في العدد والمكانة السياسية، وهذا لا يقلل من مستوى من حضروا، لكن هي إشارة على أن حالة الحذر والترقب لا تزال ذيولها باقية، وأن ما تردد عن تعرض البعض لضغوط من قوى كبرى لخفض مستوى التمثيل، قد تكون لها ظلال من الحقيقة.

إذا كان التمثيل النوعي في حكم الجيد في هذه الأجواء، فإن العددي جاء متفوقا، فقد شارك نحو 3200 شخص، من جهات العالم المختلفة، ولدى معظمهم استعداد لدخول مجال الاستثمار في مصر، أو التوسع في الاستثمارات الموجودة، وفي الحالتين هذه شهادة أخرى على الإقرار بحدوث نوع من الاستقرار حاليا، وأن المستقبل واعد في فضاء الأمن، وهو ما يحمل رسالة إحباط سياسي لمن راهنوا على مواصلة حرب الاستنزاف، لتعجيز الدولة المصرية، ووقف تطلعاتها لتحقيق طموحاتها السياسية، داخليا وخارجيا.

من هنا يمكن القول أن الحرب التي شنتها جهات إعلامية مشبوهة على المؤتمر، وتكرار الحديث عن عثراته الأمنية والسياسية والاقتصادية قبل انعقاده، قد فشلت ولم يجن أصحابها شيئا من كل ما طمحوا إليه، وربما العكس هو الصحيح، فقد حصلت مصر الآن على أكبر اعتراف دولي بشرعية النظام الجديد وطي صفحة نظام الإخوان المسلمين، وأحلام اليقظة التي راودت أنصارها في العودة للحكم، فعندما تكيل التراب على مؤتمر، وتقوم بتشويه القائمين عليه من وجوه متعددة، وتأتي نتائجه عكس اتجاهك، فالحصيلة تقول أن شباكك تلقت عددا كبيرا من الأهداف القاتلة.

بالطبع هذه الأهداف (بلغة الكرة) تخصم من رصيد النقاط وتؤثر على الترتيب، لأنها تذهب للفريق المقابل، إذا جاز القول أن ما يجري بين مصر وبعض الدول من منافسة (عداء) عبارة عن مباراة في مسابقة تضم فريقين، ويقف خلف كل منهما مناصرون ومشجعون ومؤيدون.

من المؤكد أن الحصول على نقاط المباراة كاملة يعزز من ثقة وسمعة الفريق الفائز، ويزيد من عزيمة وصبر مشجعيه، في حين أن خسارتها، خاصة في ظل صيحات الحماس والتحدي وحث الجمهور على الاطمئنان والاستهانة بالخصم قبل إطلاق صافرة الحكم، يهز من وضع الفريق الخاسر في المسابقة، ويقلل من مصداقيته في المرات المقبلة، مع هذا الفريق أو أي فريق آخر.

في اعتقادي أن الفوز الساحق الذي حققته مصر في مباراة مؤتمر شرم الشيخ يعد من المكاسب السياسية المهمة، لأنها سوف تؤثر على معنويات جمهور المنافس (دول وإخوان وقوى سياسية) وتضعفها بصورة تصيبها بالإحباط وفقدان الثقة في الفوز بأي مباراة قادمة، الأمر الذي قدم لمصر هدية أخرى كانت في الحسبان، وجعلت التشدد الأمني يصل درجة عالية من المبالغة، لأن الفشل أو نصف النجاح معناه خسارة سياسية لا يريدها أي من المخلصين لهذا البلد.

والأهم أن تدفق المساعدات العربية، من السعودية والإمارات والكويت وعمان، والوعود الاستثمارية من دول ومنظمات مختلفة، إضافة إلى معانيها الاقتصادية، تحمل معنى إستراتيجي، فهي إشارة قوية على تنامي الرغبة في الاستثمار في الأمن القومي المصري (كما قال نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية أخيرا)، فالتقدم والرخاء والتنمية، شهادة سياسية بتوافر الأمن، وإقرار بالتكاتف على تحقيق الاستقرار، وكلها من الملامح الرئيسية للأمن القومي لأي دولة، كما أن النتائج المترتبة على مشروعات المؤتمر أكبر خط دفاع عن الأمن المصري، بكل ما تحمله من استثمارات في مجالات متباينة.

الأهمية تتزايد أو تتضاعف إذا كانت هذه الدولة في حجم ومكانة مصر، فالأمن والاستقرار، أو التوتر والفوضى، من الملامح التي تؤثر بقوة على المنطقة العربية، لذلك فالدعم العربي (الخليجي) فضلا عن كونه يعبر عن العلاقة القوية والتاريخية بين الجانبين، يعكس حرصا واضحا على أن تظل مصر متماسكة، لأن تداعيات اهتزازها تمتد بسهولة إلى دول غيرها، بالتالي فالمساعدات برمتها لا تخلو من وجوه إستراتيجية عميقة.

الحفاوة المعنوية والمادية التي ظهرت في المؤتمر الاقتصادي من قبل دول كثيرة، تعني قبولا صريحا، أو ضمنيا، بالموقف السياسي العام لمصر، فالدعم لا يأتي من الأعداء، الأمر الذي يجبر مناهضين على تغيير أو إعادة النظر في مواقفهم الرافضة، وحالة التوافق والإجماع التي حصلت عليها مصر في مؤتمر شرم الشيخ ومن خلال التجاوب الظاهر قبل انعقاده، أضعفت موقف معسكر دولة مثل الولايات المتحدة، وجعلت وزير خارجيتها جون كيري يبدو كأن بلاده عادت صديقا حميما لمصر، وهذه واحدة من الرسائل السياسية ذات الدلالات البعيدة لكل من وضعوا رهاناتهم على أميركا.


كاتب مصري

9