رسائل عن ميسوبوتاميا

الأحد 2017/10/22

انتهى زمن الرسائل الثرية التي كنا نرسلها عبر البريد ونختار المغلفات الأنيقة والورق الملون لتدوين أفكارنا ومواقفنا ونصوصنا ووقائع الحياة، وما تبقّى لنا اليوم غير الرسائل المبتسرة الجافة في ذاكرة الحاسوب، كنت أحتفظ حتى عام غزو العراق بالرسائل التي تنطوي على نقاشات فكرية وثقافية بيني وبين زملائي وأصدقائي وأخطط لنشرها، غير أن الرسائل طالها التدمير كما طال جوانب حياتنا أجمعها خلال الاحتلال والحرب الأهلية وما تعرّضت له منازلنا ومكتباتنا من أعمال السطو والنهب.

أتذكر تلك الرسائل الثمينة بأسف وأنا أقرأ كتاب “رسائل سيريل بورتر-العراق بين حربين عالميتين” الذي ترجمته إلى العربية ابنته الروائية أمل بورتر وهو كتاب مفعم بالحيوية وروح المغامرة وسرد الوقائع المثيرة عن المشاركة بتأسيس دولة حديثة في العراق على أنقاض الولاية العثمانية.

يحرّض الكتاب فضولنا لتقصي الأسرار المتوارية خلف الحيادية الصارمة والدقة في تصوير الحياة: حياة العراقيين كما يراها الغريب ووصفه التفصيلي لعلاقاته بالناس في أعوام ما بين الحربين العالميتين ونتلمس انبهار الرجل بجمال المرأة العراقية وقوتها وشجاعتها ويدهشنا بما يكشفه من ميزات تتمتع بها بلادنا لا يراها سوى الأغراب وهم يزيحون الستار عن سحر حجبه الاعتياد عن أنظارنا.

* تخطيط: ساي سرحان

يضم الكتاب رسائل مختارة بين المهندس البريطاني سيريل بورتر وأخته دورا المقيمة في مدينة بنغلور الهندية ويلقي الضوء على قدرٍ هائلٍ من المعلومات ذات القيمة التاريخية والاجتماعية والأنثروبولوجية، ويكشف عن طرائق تفكير المستعمر البريطاني ورؤيته البراغماتية وعمله في تنصيب الملوك وتحويل الأرض المحتلة إلى مناجم وثروات لرجال الحملة العسكرية ورديفها المدني من المهندسين والباحثين ممن كانوا يعززون سلطة الإمبراطورية ومخابراتها تحت أقنعة أنشطة ثقافية وتنقيب عن الآثار، بينما كان الناس مستغرقين في أحلامهم عن دولة متمدنة وُعِدوا بها سيعيقها إرث قبلي وإقطاعي راسخ.

تخالط رؤية بورتر وشغفه الإيروتيكي بالجمال نزعة إنسانية تتضارب أحيانا مع النزعة الإمبريالية لخطاب الجنرال مود فاتح بغداد الذي ادعى تحريرها فيكتب لأخته “عزيزتي دورا، بعد مسيرة طويلة عقب إنزالنا من الدوبة، وصلنا مدينة يسمونها بغداد لا بد أنك سمعت عنها فلا معلومة تخفى عليك يا دورا.

لا أتمنى أن تكوني معي فالحياة هنا مزرية تماما ولكنها مثيرة حقا لقد دخلت قواتنا مدينة بغداد يوم 11 آذار وبذلك قطع إلى الأبد حلم سكة حديد بغداد-برلين. بغداد أصبحت لنا من دون منازع، كلمة الجنرال مود كانت مؤثرة، واجتمع الناس حوله ولكن بنوع من التهيب والتردد والشك وأنا أيضا أشك في حسن نواياه أو نوايا الإمبراطورية، ألم ندخل في تجارة شركة الهند الشرقية وبعد ذلك أصبحت لنا حكومة الـ”راج؟”.

يسهب بورتر في وصف الحياة البغدادية والنساء والعادات ووسائط النقل وأنواع الثياب والأسواق وطموح بريطانيا لربط العراق بأوروبا عن طريق تركيا وسوريا للوصول في غمضة عين إلى المتوسط، ويتحدث عن صراع الشركات الأوروبية للحصول على العطاءات في أرض الثروات الجديدة ويعترف “أنا هنا أضارب بخبراتي وأحصل دائما على أفضل العروض”.

ويتحدث سيريل بورتر عن غرترود بيل صانعة الملوك التي كان يمقت فيها عجرفتها الأرستقراطية ونظرتها المتعالية للناس. ويردد منتشيا “أنا أعايش عملية خلق بلد بكامله من الناس إلى البنية التحتية والفوقية والنظام والإدارة وكل شيء وهذا وحده أمر مثير جدا إذ يجد الإنسان نفسه شاهدا على عملية خلق أمة أو انبعاثها كما يتمنى أهلها”.

كاتبة من العراق

11