رسائل متناقضة من بغداد إلى الخليج تكشف حجم ارتباك الحكومة العراقية

التصريحات العراقية المثيرة لاستياء دول الخليج تعني استمرار القطيعة بين العراق وتلك الدول ما يسبب المزيد من الضرر لمصالح البلد الذي سبق أن خبر بعد أحداث عام 1990 الخسائر المترتبة على تلك القطيعة والتي مست اقتصاده وطالت مكانته العربية.
الجمعة 2015/06/26
تزامن زيارة الحكيم للدوحة مع هجوم العبادي على الخليجيين كشف انعدام التنسيق بين ساسة العراق

بغداد - فاجأ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي المراقبين بشنّه هجوما على دول الخليج مطالبا إياها بشكر بلاده على مواجهتها تنظيم داعش بدل الإساءة إليها.

وجاء كلام العبادي بينما كان عمّار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي يقوم بزيارة لقطر قال مراقبون إن هدفها التماس وساطة الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لوقف تدهور العلاقات الخليجية العراقية التي بدت بصدد السير من جديد نحو التوتر بعد انتقاد الخارجية العراقية للحكم الصادر حديثا بحق المعارض الشيعي البحريني علي سلمان، وبعد أن كشفت السلطات البحرينية وجود صلة بين عناصر إرهابية تستهدف المملكة وجوارها، وميليشيات شيعية تنشط على أرض العراق.

كما جاء كلام العبادي أيضا غداة اجتماع وزير الخارجية العراقي ابراهيم الجعفري بسفراء كل من البحرين والكويت والإمارات، في محاولة لتطويق تدهور العلاقات الخليجية العراقية، حيث عبّر السفراء على حرص بلدانهم على الحفاظ على علاقاتها مع العراق ومساندته في حربه ضد الإرهاب.

وأبرز التناقض بين تصريحات العبادي وخطوتي الحكيم والجعفري ارتباكا داخل أروقة الحكم في العراق رغم تولي زمام القيادة شخصيات من نفس العائلة السياسية الشيعية، وحتى من ذات الحزب أحيانا، حيث ينتمي العبادي والجعفري لحزب الدعوة، بينما يشاركهما عمار الحكيم الانتماء إلى التحالف الوطني المكون من كتل نيابية شيعية.

وقبل اكتمال عام على توليه رئاسة الحكومة العراقية بدأت علامات ضعف واضطراب في إدارة شؤون الدولة تظهر على حيدر العبادي ما جعل مراقبين يصفون حكومته بأنها “بلا رأس” في إشارة إلى افتقارها إلى رئيس قوي ينسّق مواقفها ويوحّد خطابها تجاه الخارج.

ولا يقتصر ضعف حكومة العبادي فقط على العجز عن التزام خط موحّد في السياسة الخارجية، بل يمس قرارات في منتهى الخطورة مثل قرار السلم والحرب حيث تُنافس العبادي في اتخاذ تلك القرارات شخصيات أخرى ذات بعد ديني ومنها من يقود ميليشيات.

وكان هادي العامري قائد ميليشيا بدر كشف عن ذلك بوضوح حين سخر أمام وسائل الإعلام من قول العبادي إنّه يمكن استعادة مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار من قبضة داعش في ظرف أسابيع واصفا تصريحات رئيس الوزراء بـ“المضحكة”.

ويقول مطلعون على الشأن العراقي إن العبادي خاضع لضغوط شديدة ينسبها هؤلاء لسلفه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، مؤكّدين أن نفوذه في مختلف مؤسسات الدولة أتاح له تشكيل حكومة موازية تتخذ القرارات وتصدر المواقف ما يفسر التناقض الجلي في السياسات العراقية.

وجود الجعفري كثير الأخطاء والزلات على رأس وزارة الخارجية مصدر ضعف للدبلوماسية العراقية

كما يؤكّد هؤلاء أنّ طهران، غير بعيدة عن الضغوط المفروضة على حكومة العبادي وخصوصا حين يتعلّق الأمر بعلاقات العراق الخارجية وتحديدا مع بلدان الخليج باعتبار إيران معنية بإبقاء العراق ضمن دائرة نفوذها القوي بإدامة التوتر مع جيرانه الخليجيين.

وجاء هجوم العبادي أمس بمثابة استجابة للضغوط الإيرانية بعد أن كان قطع خلال الأشهر الأولى من رئاسته للحكومة خطوات مشجعة باتجاه تحسين العلاقات مع دول الخليج تجلّت في زيارات قام بها مسؤولون كبار بالدولة العراقية إلى بلدان خليجية من بينها دولة الإمارات التي زارها العبادي في شهر ديسمبر الماضي.

وجاء كلام العبادي أمس عن الخليجيين أقرب إلى خطاب سلفه نوري المالكي الذي يتهمه عراقيون بتدمير علاقات العراق بمحيطه العربي عبر اتهامه جزافا لدول عربية وخليجية بتهم خطيرة تصل حد ادعاء دعمها للإرهاب في بلاده. وتحدث العبادي باستعلاء تجاه دول المنطقة قائلا إن لبلاده الفضل في حمايتها من تنظيم داعش، ومطالبا إياها بتوجيه الشكر له. وجاء ذلك في بيان صدر عن مكتبه قال فيه “لولا قتال قوات العراق المسلحة لكانت أبواب دول المنطقة والخليج قد فتحت لعصابات داعش، وحريّ بتلك الدول أن تشكر العراق ومقاتليه بدلا من أن تسيء إليه”.

وجاءت هذا التصريحات فيما كانت علامات التوتر تخيم على العلاقات الخليجية العراقية ما دفع برئيس المجلس الأعلى الإسلامي إلى زيارة قطر طلبا لوساطة قيادتها.

واتهم وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة الأحد الماضي العراق بتدريب إرهابيين وإرسال مواد وأدوات تفجير إلى بلاده، داعيا الحكومة العراقية الى معالجة المشاكل الداخلية بدلا من إصدار بيانات عن شخص يحاكم قانونيا في بلد آخر، في إشارة إلى زعيم المعارضة الشيعية علي سلمان الذي طالبت الخارجية العراقية الحكومة البحرينية بإعادة النظر في قرار حبسه معتبرة أن “القرار القضائي من شأنه تعقيد التعامل مع المطالبات بإجراء إصلاحات سياسية”، ما أثار غضبا خليجيا عامّا عبّر عنه مجلس التعاون الخليجي باستدعائه القائم بأعمال السفارة العراقية لدى السعودية، أحمد أنور عبدالحميد، وتسليمه مذكرة احتجاج من دول المجلس، بشأن بيان وزارة الخارجية العراقية بخصوص الحكم الصادر بحق علي سلمان. ومن داخل العراق رأت شخصيات سياسية أن تعليق الخارجية على محاكمة علي سلمان موقف مجاني لا يخدم مصلحة العراق المحتاج إلى الدعم من الدول الأخرى في ظروفه الحالية بالغة التعقيد سياسيا وأمنيا واقتصاديا، بينما مثل تلك المواقف تهدده بالعودة إلى العزلة الشديدة التي عاشها بعد أحداث سنة 1990 وكان لها أسوأ الأثر على اقتصاده وعلى مكانته العربية.

وذهب البعض إلى اعتبار ذلك “مظهرا طبيعيا لضعف الدبلوماسية العراقية بقيادة إبراهيم الجعفري المعروف بكثرة أخطائه وزلاّته والتي كثيرا ما كان يزيد نتائجها تعقيدا حين يحاول تداركها بمواقف متناقضة”.لا

3