رسائل محمد شكري الأخيرة

السبت 2017/09/30

هل انتهى زمن فن التراسل بين الأدباء والمفكرين؟

محمد شكري الكاتب المتمرد، وريث تقاليد الشجاعة في الأدب الشعبي، شهوة الحكي، جنون موسيقى الشعر، هو الأديب الوحيد، إلى جانب التونسي علي الدوعاجي صاحب الكتاب المثير “جولة حول حانات البحر المتوسط”، الذي استطاع أن يحرر الكتابة السردية المغاربية المكتوبة بالعربية من شرك البلاغة الإصلاحية الوصفية، وأن يدفع بالنص السردي إلى متون الحرية الفردية التي تم نحرها ومحاربتها باسم الدفاع عن “ثقافة القطيع”.

منذ قصصه الأولى “مجنون الورد” أسكن محمد شكري النص السردي المغاربي داخل الأشياء الحميمة للجسد والقلب وفوضى حرية اليومي. من منا لم يقرأ رواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري، نص يقف ما بين شعرية الشفوي وحافة اللغة الأمازيغية تاريفيت لغة الأم، لغة حليب الرضاعة.

ولأن الرواية كانت فتنة ضد طمأنينة النص السردي العربي والمغاربي المعاصر فقد تم منعها، حيث نشرت “الخبز الحافي” بترجمة إلى الإنكليزية قام بها بول بولز وإلى الفرنسية قام بها الطاهر بنجلون، قبل أن تنشر بالعربية لغتها الأصلية. وعرفها القراء المغاربيون في ترجمتها الفرنسية أكثر مما عرفوها في لغتها الأصلية.

في كتاب “ورد ورماد” رسائل متبادلة ما بين محمد شكري ومحمد برادة، منشورات أخبار اليوم القاهرة، نكتشف من خلال هذه الرسائل الحميمة ما بين كاتبين أساسيين في المشهد الأدبي المغاربي والعربي كيف أن الصداقة الحياتية تؤسس لصداقة أدبية، رسائل الكتاب تغطي الفترة ما بين 1975 و1994، إنها عشرون سنة من الصداقة، ومن خلالها ملامسة مثل هذا الزمن من تاريخ الثقافة والمثقفين المغاربة.

تتميز رسائل شكري المتضمنة في هذا الكتاب بطابع الإيجاز الساخن، مكتوبة “على عجل كأنما الريح تحتي”، إيجاز مفعم بالذكاء والسخرية والفلسفة، يضعنا على مشارف نطل منها على شهوة نصوصه الروائية والقصصية؛ السوق الداخلي – مجنون الوردة، الخبز الحافي، زمن الأخطاء. نقرأ هذه الرسائل وكأنها استمرار لنبض النصوص الروائية التي سبق وأن قرأناها.

الرسائل في “ورد و رماد” تلوينات أخرى لما يشغل الكاتب ويوظفه في الكتابة، الكتابة التي تجعل من تفاصيل الحياة اليومية منطلقا لتأملات فلسفية وجودية وسياسية.

صراحةُ الرسائل أو بالأحرى صدقُها وهي تتكلم عن الكاتب في علاقاته باليومي، بعنفه وثرائه وفضاءاته المفتوحة؛ البارات والنساء والكتب والموسيقى والكلب والقلق والمرض والمستشفى والحاجة والديون والصداقة والنميمة والكتابة والأسفار والترجمة والسينما والزيارات… يعرض كل هذا دون نفاق اجتماعي أو تستر كاذب وكأننا نقرأ فقرات سقطت من نصوص كنا قد قرأناها لهذا الروائي المتمرد والمجدِّد.

وتبدو رسائل الأديب والناقد الكبير محمد برادة في “ورد ورماد” عبارة عن نصوص تحيل على علاقة النقاش والمتابعة بين الأدباء المغاربة، وتبدو تارة أخرى حاملة لأسئلة تحريضية فيها من ذكاء المثقف الواعي والناقد المتمرس وتارة أخرى حاملة إحساس الفنان وهمسة الصديق للصديق وكأنه يريد أن يواصل محمد شكري من خلال ردوده البوح الكبير، بوح فيه صوت الطفل والملاك والشيطان والحكيم، الناعم والشرس، القوي والهش.

لقد قضى هذا الزمن الإلكتروني الاستهلاكي اللاهث على فن المراسلة، واغتيلت رسائل الأصدقاء والأدباء والعشاق، وولّى زمن الانتظار، انتظار الردّ، و اختفى ساعي البريد من الحي، وطويت مرحلة من تاريخ الكتابة، ومن تاريخ العلاقات الإنسانية، ومن تاريخ أوصال العشق، انتهت مرحلة فيها عطر الورق وموسيقى فضفضة أغلفة الرسائل، ارتجاف الأصابع، خفقان القلب، وغابت بهجة طوابع البريد الجميلة.

لكل ذلك يبدو كتاب “ورد و رماد” رسائل محمد شكري ومحمد برادة من الكتب النادرة في زماننا الثقافي والأدبي هذا. لقد كانت كتابة الرسائل قلقا جميلا، وانتظارها كان قلقا آخر، لقد مثلت كتابة الرسائل الخاصة بالنسبة إلى جميع كتاب وأدباء القرنين التاسع عشر والعشرين تمرينا وعتبة لكتابة نصوصهم الكبيرة لاحقا، من غوستاف فلوبير إلى غسان كنفاني.

كاتب جزائري

15