رسائل مفخخة

السبت 2015/06/20

لا يبدو وجه الهاتف الجوّال في الصباح الباكر وسيما، بعد أن يتحول إلى منبه ثقيل الظل يصفع نعاسك بكل صفاقة ليحولك من كائن وديع، مازالت بقايا أحلام تغفو على أطراف جفنيك إلى ماكينة بمحرك نفاث تباشر أعمالا لا متناهية من الواجبات اليومية الثقيلة دون أن ترتكب ذنبا واضحا، فإذا حدث وتوقفت الماكينة – سهوا- لعطل بسيط أو لغرض شحذ الهمة والاستعداد لجولات عمل أخرى، فلا بأس من فنجان قهوة ورشفة من صمت، وربما نظرة سريعة إلى شاشة المنبه الجوّال الذي سرعان ما يتحول هذه المرة إلى قاطرة من الرسائل القاصفة، التي تتصاعد وتيرة العنف اللغوي فيها مع اقتراب أيام شهر رمضان الفضيل.

في الرسالة الأولى؛ وصف مسهب ودقيق لأحوال أهل النار؛ كيف يسحبون على وجوههم وهم مقيدون بسلاسل من جمر، وكيف يشربون ماء الحميم، وما هو فراشهم، وكيف تأكل النار عظامهم وجلدهم ولحمهم وما هي درجات العذاب في الجحيم!”. ومع رشفة ثانية من القهوة التي ما زالت ساخنة بفضل نيران الجحيم، تصفعك رسالة أخرى لتبين طرق انتقام السماء من المرأة التي (تضايق) زوجها بطلباتها المتكررة وإلحاحها وعدم طاعتها (الأوامر)، والتي تدّعي المرض والتعب وتقصّر في واجباتها، وهذه التي تنكد على أهل بيتها وتمنع ابتسامتها وتقفل على أحزانها بالصمت… وتلك التي ترفع صوتها في واحدة من حالات الانهيارات النفسية اليومية، بسبب التعب والغضب والضجر المشروع.

خطاب التهويل والترهيب والتخويف، ما زال يمارس إرهابه على الناس البسطاء وما زال يستخدم أسلوبه القديم في الصراخ والعويل حتى بالكلمات، على أن وسائل الاتصال الحديثة لا يعوزها المنبهات التقنية والمنكهات الصورية التي تعمل على تحويل الفكرة المفخخة إلى صورة صادمة على خلفية صوتية مرعبة، فلم يعد ينقصنا من شيء في ظل تنامي الإبداع التقني، فحتى الجحيم صار يزورنا في بيوتنا وصرنا مهيئين نفسيا لتلقي العقاب حتى قبل أن يتاح لنا ارتكاب الخطايا. نقضي حياتنا في خوف مبهم وشك من أن نقع في المحظور فتطالنا ألسنة الجحيم وننسى أن الجحيم “هم الآخرون” كما يقول “المغفور له” سارتر.

هنالك بعض الاعتراضات (الخجولة) من قبل متخصصين في علوم الفقه، قولهم أن الأحاديث التي يتم تداولها غير موثوق بها وغير مسندة، لكن صوتهم لم يعل يوما على أصوات النشاز التي تطبل على دفوف الجهل وتروّج لأفكار رجعية أكل الدهر عليها وشرب، وإلا فلماذ لم يرد إلى حد الآن وصف للجحيم الذي سيستضيف الرجل الذي ينكد على أهل بيته ليل نهار والذي يتعرض بالضرب والإهانة لزوجته وصغاره لأتفه الأسباب، والذي يبيع طفلته المراهقة لأول طارق طويل العمر والثروة ويقبض ثمنها، ليتسنى له مواصلة الكسل اللذيذ بقية عمره؟

طالما لم يعد أحد بعد من الجحيم لنسأله عنه، فهل سيتركنا أصدقاؤنا نرتشف قهوتنا بسلام يوما ما، وهل سيدعنا شيوخ الشر وشأننا نختار (الجحيم) الذي نحب دون الحاجة إلى ذل وساطاتهم؟

يا أشرار، إذا كان جزاء المرأة المغلوبة على أمرها والمهدورة كرامتها هذا الجحيم بنيرانه وسعيره، إلى أين سيذهب يا ترى أودولف هتلر وموسوليني وهولاكو وصدام حسين وكيم يونغ ايل والقذافي والأسدان وماري تيودر وهنري المرعب وكاموزو باندا؟ ربما إلى كوالالمبور!

21