مارس 19, 2018

رسائل وتخطيطات فان جوخ تصدر في القاهرة

كتاب "الملخص دوما، فينسنت" يضم ترجمة لرسائل مختارة كتبها الرسام فينسنت فان جوخ مصحوبة بصور لأكثر من مئة اسكتش أصلي وقصة حياة الفنان متناثرة بين سطورها.
فينسنت فان جوخ أشهر رسامي القرن التاسع عشر

القاهرة- لمع كشهاب فشغل الدنيا في عصره وخلال عشر سنوات فقط رسم المئات من اللوحات، ثم مات.. هكذا يمكن إيجاز قصة حياة الرسام الهولندي الأشهر فينسنت فان جوخ، الذي لم تطل حياته لأكثر من سبعة وثلاثين عاما، كان يرسم يوميا ويكتب يوميا، كتاباته اقتصرت على رسائله للمقربين منه، أغلبها لأخيه ثيو، حيث شكلت رسائله اليومية سجلا لعصره وسيرة لحياته، ولم يتبق من مراسلاته سوى 903 رسائل، جمعها ووثقها فريق من المحررين والمتخصصين في أعمال فان جوخ.

أما كتاب “المخلص دوما، فينسنت” فيضم مختارات من إعداد ليو يانسن، وهانز لويتن، ونيينكه باكر، تضم 265 رسالة من تلك الرسائل، صدرت لأول مرة في العام 2012 باللغات الهولندية والفرنسية والإنكليزية. ونقلها إلى العربية مؤخرا الكاتب ياسر عبداللطيف والشاعر محمد مجدي “هيرمس” بتحرير ياسر عبداللطيف. وصدر في طبعة فخمة، تضم ترجمة للرسائل المختارة مصحوبة بصور لأكثر من مئة اسكتش أصلي شغل 1296 صفحة، والقارئ للرسائل سيجد قصة حياة الفنان الأشهر متناثرة بين سطورها، ويطالع آراء الفنان في شخصيات وقضايا وأحداث عصره، ورؤاه الوجودية والفنية.

فينسنت فان جوخ أشهر رسامي القرن التاسع عشر، ولد في برابنت في الثلاثين من مارس 1853 والمقاطعة الهولندية تحتفل بفصل الربيع، لكن طفولته هناك، وكما وصفها في ما بعد في رسالة لأخيه ثيو، كانت “متقلبة وباردة”، فقد كان ابنا لقس بروتستانتي وحفيدا لقس، وكان مخططا له أن يسير على دربهما، فلما فشل في امتحان القبول لكلية اللاهوت في جامعة أمستردام عام 1877، أرسلوه في العام التالي إلى مدرسة تبشير بروتستانتية لمدة ثلاثة أشهر تؤهله للعمل كمبشر، بعدها أوفدته المدرسة إلى منطقة مناجم الفحم في بلجيكا، وهناك أدرك للمرة الأولى أن العالم يضج بالفقراء المشردين، ولم يكن يعلم سابقا أن بشرا يمكن أن يموتوا من البرد والجوع إن لم تقتلهم انفجارات التنقيب عن الفحم، الصدمة دفعته إلى أن يقيم في كوخ ويفترش القش، بعدما تبرع بكل ما كان يملكه للعمال.

رسائل يومية تشكل سجلا لعصر فان جوخ وسيرة لحياته
رسائل يومية تشكل سجلا لعصر فان جوخ وسيرة لحياته

إنسانيته المفرطة عرضته لاتهامه بالجنون، وقالت الكنيسة إن أفعاله الطائشة “تقلل من كرامة الكهنوت”، ففقد وظيفته كمبشر لكنه اكتشف الفنان الكامن في أعماقه. وفي نهاية عام 1879 ترك الكنيسة، إذ قال في رسالة لثيو “كنت أتمنى أن يقبلوني كما أنا”.

كان فان جوخ يرى أن الإيمان ينبع من الشعور وليس من تعاليم القساوسة، فيقول في رسالته لثيو بتاريخ 26 نوفمبر 1882 “هذا الشعور بعيد تماما عن اللاهوت؛ فالحقيقة أن أفقر الحطابين أو الفلاحين لديه لحظات من العاطفة والإلهام التي تعطيه الإحساس بالمسكن الأبدي”.

في 26 مارس 1885 توفي والده إثر أزمة قلبية، ويبدو أن رحيله دفعه إلى استعادة حياته السابقة وخصوصا تجربته مع الكنيسة، فرسم أهم لوحاته الأولى “آكلو البطاطا” في أبريل عام 1885، والتي يقول عنها في إحدى رسائله “إن الفقراء الذين يأكلون البطاطا قد حفروا الأرض بنفس الأيدي التي يأكلون بها. فهي وجبة استحقوها بأمانة نتيجة عملهم اليدوي الشاق”. لكن ذلك لم يرق لسواه، ورأى معاصروه أن لوحاته “مظلمة وكئيبة”، فلم يبع في حياته ولَوْ لوحة واحدة بالرغم من أن بيع اللوحات كان عمل أخيه.

تلك كانت مأساته، فالفن عنده وسيلة تعبير عن النفس وتواصل مع الآخرين، فإذا كان فنه لا يتواصل مع أحد فإنه يفقد أهميته. وتُفاقم من مأساته نوبات فشله
العاطفية المتتالية، وكانت آخرها في أغسطس 1884، عندما أحب فتاة تصغره بعشرة أعوام، إلا أن عائلتيهما رفضتا زواجهما فحاولت الفتاة الانتحار، ودخل فينسنت في حالة اكتئاب عميقة فأفرط في شرب الخمر، إلا أنه عاد إلى العمل في عام 1886 بألوان أكثر إشراقا.

وفي عام 1888، زاره الفنان جوجان ورسمه وهو يبدع لوحة عباد الشمس، واقترح عليه أن يغير أسلوبه في الرسم ليعتمد على الخيال والذاكرة. وفي ديسمبر 1888، بعد مشادة مع جوجان، عاد فينسنت إلى الاكتئاب والهلاوس، فقطع أذنه اليسرى بشفرة حادة، ولفها بالورق وذهب بها ليعطيها لإحدى العاهرات. 

وعثرت عليه الشرطة في اليوم التالي ونقلته إلى المستشفى. طبيبه هناك الدكتور جاشيه كان يشبهه في شخصيته، ولقد عبر عن ذلك في رسالة ”أنا أعتقد أنه أكثر مرضا مني، أو دعني أقل إنه كان مريضاً مثلي”، التشابه أوجد بينهما صداقة، فرسم فان جوخ لصديقه “صورة الدكتور جاشيه” 1890، لكن اللوحة لم تعجب الطبيب فرماها بعيدا، مما أحزن فينسنت فكتب لثيو “أنا لا أرسم صورا فوتوغرافية بل أرسم تعابير وجدانية أراها في عيون من أرسمهم”.

بعدها وفي منتصف شهر يونيو 1890، رسم لوحته الأجمل “ليلة النجوم”، إثر ذلك انتقل إلى الريف الفرنسي وراقت له الإقامة هناك، فكان يرسم لوحة كاملة يوميا. فكتب في رسالة لثيو بتاريخ 10 يوليو “إن اللوحات التي أرسمها ستخبرك ما لا أستطيع صياغته في كلمات؛ وهو كم أجد الريف صحيا ومنشطا”.

قيل إنه انتحر لكن باحثين شككوا في رواية انتحاره، فلم يتم العثور على المسدس ولا على أدوات فان جوخ التي كان يستعملها في الرسم. كما أن لوحاته الأخيرة لا توحي بأي اضطرابات عقلية.

15