رسالة "أصيلة" إلى العالم

بروز التيارات الشعبوية، أثبت أن الحكم الصالح وإقامة العدل وتحقيق دولة القانون، أمور لا تبنى على صناديق الاقتراع، بل تبنى على التسامح وقبول الآخر المختلف.
الأربعاء 2019/06/26
موسم "أصيلة" الثقافي يشكّل فرصة لطرح أسئلة حارقة

لم يحدث في تاريخ البشرية أن حكم الشعب نفسه بنفسه، والحديث عن مدينة أثينا ونظامها الديمقراطي، بوصفه نموذجا لحكم الشعب، يجانب الحقيقة، فمفهوم الشعب في أثينا، لم يكن يحمل نفس الدلالة التي يحملها اليوم. أقل من ربع السكان، كان معنيا بهذا المفهوم.

ديمقراطية أثينا، كانت ديمقراطية نخبوية مفصلة على مقاس النبلاء، مقصيا عنها الغرباء والنساء.. لذلك نجد فيلسوفا مثل جان جاك روسو يقول إن مصطلح الديمقراطية، هو مصطلح مخادع، لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، فحسب روسو “لم توجد ديمقراطية قط، ولن توجد أبدا”، ولم تكن يوما حكما عادلا يشمل الجميع.

النازية والفاشية مثلتا، بشكل أو آخر، نفس مفهوم الديمقراطية الأثينية، أي ديمقراطية الأقوياء.

ما يفرق بين نظام وآخر، ليس اللجوء إلى صناديق الاقتراع، واصطفاف الشعب في طوابير لانتخاب ممثليه، بل إقامة العدل، واحترام حقوق الشعب. وفي هذا قد ينجح نظام وراثي حيث يفشل نظام منتخب.

الحكم الصالح، هو حكم المؤهلين، القادرين على حل مشاكل المجتمع، الأمر الذي يكثر الحديث عنه اليوم عند الإشارة إلى حكومات التكنوقراط.

التحركات الشعبية العربية، التي يشار إليها بالربيع العربي، ووصول “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض، وهو القائل إن “الناس على حق، والنخب الحاكمة على خطأ”، كلها أمور وضعت العالم في حيرة من أمره.

الديمقراطية، وصناديق الاقتراع أوصلت إلى السلطة جماعات وأحزابا لا تحترم حق الاختلاف، وأثارت مخاوف في أوساط النخب السياسية والثقافية.

ما كان لذلك أن يحدث، لولا الثورة التكنولوجية، وما تبعها من انتشار في وسائط التواصل الاجتماعي، التي مكنت رجل الشارع من اتخاذ القرار، والإدلاء برأيه في كل صغيرة وكبيرة، مفرزة ظاهرة تشير إليها النخب بمصطلح “الشعبوية”.

فجأة، تحوّلت الديمقراطية، إلى نظام مريض يستوجب التشخيص.

وفي هذا الاتجاه يشكل موسم “أصيلة” الثقافي، في المغرب، فرصة لطرح أسئلة حارقة، ومحاولة الإجابة عنها، تحت عنوان بارز هو مُساءلة الديمقراطية، والخلاص من عبئها الثقيل، والتكيف مع واقع واحتياجات كل بلد. بحثا عن حلول بديلة تضمن التعايش السلمي والرفاه الاجتماعي وحقوق الإنسان، بعيدا عن الديمقراطية الليبرالية المتوحشة.

بروز التيارات الشعبوية، أثبت أن الحكم الصالح وإقامة العدل وتحقيق دولة القانون، أمور لا تبنى على صناديق الاقتراع، بل تبنى على التسامح وقبول الآخر المختلف. وأن أوراق الاقتراع ليست صكوكا تخوّل لحامليها الحق في إلغاء الآخر.. هذه هي رسالة “أصيلة” إلى العالم.

12