رسالة أم

هل تكفي بضع كلمات تحملها رسالة باردة لتكون دفئا للصغيرين في ليالي الغياب الطويلة؟
السبت 2018/03/24
ما البيد حيلة

ترى، كيف سيكون شعور الأم عندما تعلم بأن أيامها في الحياة أصبحت معدودة بالساعة والثانية، وكيف يمكنها أن تسيطر على مشاعر الحب التي تكنها لأطفالها؛ خوفها عليهم ورغبتها في البقاء معهم، حين تسيطر عليها فكرة الموت وأنها ستجبر على الغياب الأبدي من دون أن يتسنى لها الاطمئنان عليهم أو حتى متابعة نموهم، نجاحهم في المدرسة، أفراحهم، آلامهم وملامحهم وهي تخط أول ابتسامة شباب على وجه المرآة؟

قبل عشرة أشهر من وفاتها، تم إخبار الأم البريطانية سارة (34 عاما) بأنها تعاني من أورام خبيثة في الدماغ، وحين تأكدت من أن أيامها أصبحت رهينة لنوبات الألم الشديد، وأمست لياليها سلسلة من الكوابيس في انتظار شبح الموت المرعب، قررت سارة أن تتجاهل كل ذلك وتستثمر ما تبقى لها من وقت قصير في محاولة أخيرة للتقرب من طفليها الصغيرين، عساها تمنحهما ترياق أمل أخير يعوّضهما عن خسارتها في القريب العاجل.

كانت الرسالة الطويلة التي تركتها سارة للصغيرين إلفي وهيو، وأصغرهما لم يكمل الثالثة من عمره، تتحدث عن الأم التي لم يتح لهما التعرف إليها بصورة كافية وهما في هذه السن الصغيرة كما طفحت الكلمات الرقيقة التي تركتها بالأمل في مستقبل سعيد تتمنى أن تحملهما إليه ذكراها، حتى وإن غيّبها الموت.

كتبت سارة “لن أكون بالقرب منكما لأمتع نظري برؤيتكما وأنتما تكبران لتصبحا شابين وسيمين، يصعب عليّ أن أقول هذا وأرجو أن تتفهما الأمر. أعلم بأن وقتي سيكون قصيرا حتى أغادركما، لكن على الرغم من ذلك، هناك الكثير من الأشياء التي أود أن تعرفاها عني؛ أنا أحب العطور والأزهار كثيرا، أحب المعكرونة بالجبنة كانت دائما وجبتي المفضلة كما أعشق فصل الشتاء فهو يذكرني بالجلسات العائلية الدافئة، أحببت دائما أن أعبّر عن مشاعري بصراحة وأتمنى أن تفعلا مثلي؛ أحبّا الناس واستمتعا بحبهم، فكلمات الحب هي أجمل هدية يمكن أن تحصلا عليها من أحبائكما. اهتمّا بدراستكما، لكن لا تهملا الأشياء الرائعة الأخرى؛ مارسا رياضة تحبّانها، تمرّنا على آلة موسيقية واختارا لغة أجنبية وتعلماها. كونا واثقين من نفسيكما وشجاعين في الدفاع عن قناعاتكما وابحثا دائما عن أسرتكما وأحبائكما ليصبحوا ملاذكما الأخير في الأوقات الصعبة؛ فحياتكما ستكون أكثر سلاسة وسعادة إذا كنتما محاطين بأناس تحبانهم، كونا لطيفين مع والدكما فهو يحبكما كثيرا وطالما انتظر معي قدومكما إلى هذا العالم بحماس وقلّة صبر. أعلم، أن الأمر لن يكون سهلا عليه؛ أن يقوم بتربيتكما ورعايتكما وحده، لكن كونا متأكدين من حبه لكما وإخلاصه لذكراي، أنا متأكدة من أنه سيقوم بواجبه نحوكما على أكمل وجه، فقد وعدني بذلك، سيكون عملا شاقا لكنه سيحصد نتيجته حالما تكبران وتنجحان لتشقا طريقكما في الحياة”.

ترى، هل تكفي بضع كلمات تحملها رسالة باردة لتكون دفئا للصغيرين في ليالي الغياب الطويلة، هل تكفي حروف مخطوطة على ورقة ستبلى لتختصر عمرا بكامله، كان يفترض أن يكون حافلا بالمحبة؟

لكن، ما باليد حيلة، لم تكن سارة تملك شيئا غير الكلمات لتخلّد صورتها في قلبي طفليها. كانت رسالتها الأخيرة بمثابة حضن افتراضي سيجمعهما بالتأكيد في مراحل مختلفة من حياتهما، حضن دافئ يحنو عليهما في أيام نجاحهما وفرحهما، حزنهما ويأسهما، مرضهما وتعبهما، فهذا هو كل ما سمحت به الأقدار ويا لها من أقدار!

21