"رسالة إلى أمي" لجورج سيمونون بين كتاب ومسرح

الأحد 2014/08/17
روبير بونوا أبدع وهو يعيد إحياء رواية جورج سيمونون على خشبة المسرح

بعد النجاح الكبير الذي حققته مسرحية “رسالة إلى أمي” لروبير بونوا بالمهرجان الوطني للأنشطة الثقافية بمدينة أفينيون الفرنسية لموسم 2013، لقيت المسرحية نفسها، وهي من إخراج ناتاليا أبيكيشيفا، الإعجاب نفسه لدى إعادتها، مؤخراً، في إطار المهرجان نفسه في تموز/يوليو الماضي 2014..

“ماما العزيزة، ها قد مرت زهاء ثلاث سنوات ونصف على وفاتك في سن الثانية والتسعين، وربما الآن فقط بدأت بالتعرف عليك. لقد عشت طفولتي ومراهقتي معك في المنزل نفسه الذي كنت تسكنين به، وحين تركتك لألتحق بباريس، حوالي التاسعة عشرة من عمري، صرت بالنسبة إليّ شخصا غريبا. على فكرة، عمري ما ناديتك ماما ولكن كنت أناديك أمي، كما أني لم أكن أنادي أبي بابا. لماذا؟ من أين أتى هذا التعامل؟ لست أدري”.

إن هذا النص من السيرة الذاتية لجورج سيمونون هو صرخة ألم لطفل غير محبوب نادم على عدم استطاعته التواصل مع أمه الراحلة، تم إملاؤه في بضعة أيام، ثلاث سنوات بعد وفاة هونرييت برول، والدة سيمونون. يتساءل في بحرها عن صميم علاقاته الملتبسة، المشحونة، غير المتماسكة من حيث حدتها، التي كانت تجمعه بوالدته. عن هذه العلاقة، كتب ماثيو روتان: “في المجمل، إنها تلك العلاقات، الدرامية أحيانا، التي سادت طفولة ومراهقة الكاتب، والتي شكلت تكوينه، هي التي حرضته، ليس فقط على نبذ نمط العائلة، المجتمع، الحضارة أو الثقافة التي تجسدها والدته، بل حملته أيضا على المغادرة، على الهروب من سقف الأمومة”.


ثمانية أيام


في 1970، كان على سيمونون أن يمضي ثمانية أيام بالقرب من والدته السقيمة. لقد لبث تلك المدة بجانب سريرها بمستشفى بافيير (لييج، بلجيكا). وضعية وجها لوجه حادة وغريبة، تسودها قوة النظرات وفصاحة الصمت، تسوق هذين الكائنين إلى منابع شخصيتيهما (القويتين!).

في تعبيره عن تلك اللحظات كتب جورج سيمونون: “إنها في نفس الآن حياة والدتي وحياتي، مع كل الذي كان بيننا من سوء تفاهم، من الحنان أيضا، من العداوة أحيانا”.

لقد وصف بيير أسولين “رسالة إلى أمي” بالمؤلف المؤثر ذي الجودة النادرة وبالكتاب الاستثنائي: “كأنها انتفاضة أخيرة لعبقرية متقاعد من الخيال الرومانسي. إنه كتاب خارج عن التصنيف يتعدى كل المعايير بقوة بلاغته”.

نلمس بالمؤلف الاستحواذ الذي لا مفر منه لنظرة أمّ. لربما نحن بقلب هيمنة غموض سيمونون. بعضهم رأى في ذلك مفتاح شخصيته وسر عبقريته. إنه على أية حال، أسلوب بعيد عن تاريخه الأدبي.

انتفاضة أخيرة لعبقرية متقاعد من الخيال الرومانسي

كوجهة نظر حول المؤلَّف، نشرت أسبوعية “مينوت” (عدد 662، 18 إلى 24 ديسمبر 1974)، تحت عنوان “في البحث عن صورة ضائعة” إنه قد يبدو من المفارقة لكن الأمر هكذا: لقد كان ذلك بعد اعتزاله رسميا الكتابة، حين منحنا جورج سيمونون كتابه الأجمل والأكثر إثارة للمشاعر. لقد سنحت لنا الفرصة ها هنا، أن نفسر ماذا يعني “التوقف عن الكتابة” في الواقع، فلا يتوجب الأخذ بعين الاعتبار، والحالة هذه، الكلمة بما تحمل من معنى. هذا يعني بكل بساطة أن جورج سيمونون، وهو الآن في عقده السابع، قرر التخلي عن الرواية ليتفرغ من الآن فصاعدا إلى الذكريات و التأمل.


الاستسلام للبوح


إنه يريد أيضا أن يقول، وهو يلعب شيئا ما بالكلمات، إنه تخلى عن استعماله الشخصي لأقلامه الصفراء المعهودة ليستسلم للبوح المباشر لآلة التسجيل الصوتي، وإن الأشرطة يتم تفريغ محتواها على الورق من طرف كاتب. لكن كم من العناية تتطلب منه إعادة قراءة ما كتب وتصحيحه للسمو بالأسلوب إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ذلك الصفاء والدقة التي كتب بها “رسالة إلى أمي”، التي تشكل بكل تأكيد كتابه الأكثر صحوة والأكثر عناية في نفس الوقت.

“موت والدة”، هو من دون شك، موضوع لطالما ألهم الأدباء، محفزا على غرار ما ورد، أحد أجمل كتب روجيه بايريفيت والصفحات الأقل إثارة للأعصاب لسيمون دو بوفوار. هذه اللحظة التراجيدية من الحياة البشرية كانت دائما، بالفعل، تتعدى كل الآلام والتمزقات، إنها لحظة التساؤلات الكبرى، لحظة أسمى التساؤلات.

حين تمت المناداة عليه على عجل لأن والدته تحتضر، وقد وافتها المنية في سن الثانية والتسعين بمستشفى ببلجيكا، بدأت التساؤلات تتواتر بذهنه، تساؤلات لعل أهمها: أكان يعرف والدته حقا؟ هل لديه أصلا ما يكفي من القدرة للتعرف عليها؟، الآن، ساعة موتها؟

ومع التساؤلات تثور وتنبجس الذكريات. للإجابة على السؤال الأكبر يعيد التاريخ نفسه ويعاد تكوين الحكاية بالتدريج جزيئا جزيئا، بلمسات خفيفة ودقيقة أكثر فأكثر، تماما كما يفعل عالم آثار، مثيرة للإعجاب بطريقة تفكيك ألغازها وبقوة ما تفصح عنه، لكن، كما يشير الكاتب نفسه، مع فراغات بيضاء، فراغات يستحيل ربما ملؤها بالكامل.

لقد وصف بيير أسولين رسالة إلى أمي بالمؤلف المؤثر ذي الجودة النادرة و بالكتاب الاستثنائي: كأنها انتفاضة أخيرة لعبقرية متقاعد من الخيال الرومانسي


معالم صورة


غير أنه، بتقدم عملية البحث، على طول 120 صفحة، تتراءى وتتوضح معالم صورة، نحسها حقيقية لدرجة تدفعنا إلى الصراخ من الانبهار. بهذه الصورة، يُبعث حوله من جديد عالم بأكمله: مدينة لييج عند بداية القرن، الأزقة القديمة، الفقر الذي نراه ملائما، الخوف من البؤس الشديد، صور، روائح وأحاسيس. كل الموهبة الرائعة لدى سيمونون لعرض الأماكن، الناس والأجواء من خلال بعض الكلمات، لكن لكم هي منقحة، مركزة حول البحث المتعطش لشخصية: هذه المرأة الممددة الآن فوق سرير المستشفى، لكنها في العالم الآخر.

كذلك قصة هذا الطفل ذي السبعين سنة وهو في بحث مستميت ليفهم والدته أخيرا، والصراع المستمر، المر، القاسي أحيانا، الذي كانت عليه حياة هذه الأخيرة، تشد القارئ منذ الجملة الأولى ولا تُسرحه أبدا. دون إفراط، دون إسهاب أو تهويل، دون كلمة زائدة، إنها تفرض نفسها، وسرعان ما يخالجنا إحساس أننا نعيشها بنفس الوثيرة، بنفس الزخم على غرار سيمونون نفسه، هذا الهدوء المُقَنّع الذي لطالما اعتصر الوعي بتعقيد الكائنات والحياة.

لربما لم يبلغ سيمونون هذه الدرجة من البوح الذي جاد به في هذا السرد القصير. ولكن أبدا، بكل تأكيد، لم يفعل ذلك بتلك الدرجة من الاستحياء العميق تحت قساوة ودقة صراحته، التي تبدو، منذ “لما كنت عجوزا”، أنها أصبحت توجه ريشته.


اقتباس مسرحي


باقتباس محبوك للمخرجة ناتاليا أبيكيشيفا، أدى روبير بونوا وحده على الخشبة مسرحية “رسالة إلى أمي”، لكن سرعان ما سيكتشف المتفرج أن الأمر لا يتعلق برسالة، بل بشبه تصفية حساب. إنه تحقيق بوليسي حيث، ابتداء من الفصل الأول، سيقوم والد العميد “ميغري” بتشريح الجثة: “لم نكن أبدا نحب بعضنا لما كنت على قيد الحياة، تعرفين ذلك جيدا. نحن الاثنان كنا نتصنع (…) لكي أمحو كل الأفكار الخاطئة التي كونتها عنك، لكي أسبر حقيقة كيانك ولكي أحبك، فإني أتأملك، أقوم بتجميع بقايا ذكريات وأفكر”.

للإشارة فإن جورج سيمونون كاتب بلجيكي يعد من أغزر الأدباء بشكل استثنائي، بـ192 رواية، 158 رواية قصيرة، العديد من السير الذاتية، العديد من المقالات والريبورتاج التي صدرت باسمه، أما التي صدرت تحت أسماء مستعارة ففي رصيده 176 رواية، العشرات من الروايات القصيرة، العديد من القصص الطريفة والمقالات التي نشرت تحت 27 اسما مستعارا.

12