رسالة إلى اليسار الجذري الأورو- أميركي

الاثنين 2013/12/09

رفاق اليسار الجذري في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، وشيء من هنا الآن، وشرق المتوسط أحياناً. تحيّة نضالية وبعد،أعرف أنكم مُتعبون ومنهكون بفعل الشعور بالذّنب جرّاء ذاكرة جمعية مثقلة بجرائم الاستعمار، وأهوال الإبادة، ومآسي المحرقة، وتدمير البيئة، إلخ. وبالفعل، هي جرائم ليس من النبل نسيانها ولا من المروءة تهوينها، لكن المشكلة أن تتحول الحاجة إلى تجاوز شروط إنتاج تلك المآسي إلى نوع من التأثيم العصابي للذّات. وهذا حالكم الآن.

أقرأ لبعض فلاسفتكم- وأعترف أنّ ضمنهم فلاسفة كبار- فيُخيّل إليّ كأنكم أصبحتم تستمتعون بوخزات تأنيب الضمير الجمعي أكثر ما تسعون إلى التجاوز العقلاني للخطايا. مثل هذا التثبيت العصابي تصطلحون عليه مسميات جميلة: واجب الذاكرة، ضدّ النسيان، صفر تسامح، إلخ!

لكنكم جرّاء ذلك أصبحتم تعانون من حساسية مفرطة من أي توجه نحو خلق معايير دولية للعدالة ولحقوق الإنسان، إلى درجة أنكم تفضلون أحياناً التساهل أو التسامح مع تجارب تطبيق الشريعة (سواء تعلق الأمر بالإسلام أو اليهودية أو بعض الطوائف الغرائبية)، ليس فقط في أفغانستان ومالي حيث استنكرتم الحرب «الغربية» من دون طرح بدائل معقولة لتجاوز واقع الجلد والرّجم وقطع الأعضاء وحرمان المرأة من التعليم والصحة والعمل ونحو ذلك، وإنما حتى داخل كندا وهولندا وبريطانيا، وذلك بدعوى احترام الخصوصيات ونسبية القيم وقطع الطريق على «أشباح الماضي» (الاستعمار والإبادة والمحرقة…) بل، سمعت بعضكم يقول بالحرف: لا يمكن فرض أي معايير دولية للعدالة طالما لا يحقّ لنا أن نطبق العدالة على من لا يرى أنّ ما سنطبقه عليه هو العدالة. بمعنى أنّ العدالة هي فقط أن نطبق على الجماعات وجهة نظرها في العدالة. ويبلغ التعتيم ذروته حين يردد بعضكم بأن المسلمين المهاجرين باتوا جزءا أساسيا من الطبقة العاملة الغربية، ومن ثمة قد تمثل الشريعة عند بعض المسلمين نوعاً من الاحتجاج الطبقي الذي يحتاج فقط إلى شيء من التهذيب!

تعتقدون أن منطقكم إنساني جدّا حين تشرحونه على النحو التالي: لا بد من احترام معايير العدالة ليس بنحو مجرّد وإنما تبعا لوجهة نظر من سنطبق عليهم العدالة، لا سيما إن كان الأمر يتعلق بوجهة نظر المظلومين داخل نظام عالمي غير عادل. وهو منطق ينسى أن الجماعات المظلومة بدورها قد تظلم أفرادها ونساءها وأقلياتها بنحو لا يقل قسوة عن مظالم النظام العالمي. فهل من العدل السكوت عن ضحايا الضحايا؟

إنّ تنسيبكم للعدالة سيقودنا إلى لحظة لن نتمكن فيها من فعل أي شيء إزاء الكثير من الممارسات اللاإنسانية التي يقترفها «المظلومون»، ومثلا سيتعذر علينا منع ختان الفتيات؛ طالما أن الذين يقومون بتلك الممارسة سيعتبرون المنع غير عادل، علاوة على أنهم على الأرجح جزء من الشعوب «المظلومة» (!). ليس هذا فقط؛ فإننا تبعا لنفس المنطق علينا أن نعيد لآكلي لحم البشر (الكانفال) الحق في ممارساتهم والتي كانوا يعتبرونها بالتأكيد عادلة من منظور منظومة قيمهم الداخلية، ولعلهم تعرضوا للإبادة وأصبحوا من ثمة جزءاً من الشعوب المظلومة والتي تستحق الإنصاف!.

رفاقي الأعزاء، إن تنسيب معايير العدالة على النحو الذي تذكرون سيقودنا مباشرة إلى تنسيب مفهوم الجريمة نفسها، بحيث ستبدو الجريمة من خلال معايير ثقافية معينة مجرد إنصاف انطلاقا من معايير ثقافية أخرى. مثلا، هناك ثقافات تعتبر أنّ تزويج الفتاة المغتصبة من مغتصبها نوع من الإنصاف، أو على الأقل نوع من التسوية المنصفة! فما عساكم تقولون؟ زائد، أسئلة كبرى معلقة:

كيف سنطبق نسبية العدالة في مجال الجرائم الاقتصادية داخل اقتصاد معولم؟ بأي المعايير ستتم محاكمة الطغاة والجلادين ومرتكبي الجرائم ضدّ الإنسانية؟ بأي المعايير سنواجه الخلافات الحدوديّة بين الدول؟ ما الموقف من عقوبة الإعدام؟ من تشغيل الأطفال؟ من أسرى الحروب؟ من القرصنة عبر الانترنيت؟ إلخ.

وفعلا لا ننكر هذا، إذ لا تزال المعايير الدّولية للعدالة في طور البناء غير المكتمل، وهي مليئة بالثغرات التي يستفيد منها الطرف الأقوى فيكيل بمكيالين أو أكثر، ولهذا السبب كان هابرماس بليغا في مقولته الشهيرة «الحداثة مشروع لم يكتمل بعد»، لكن إن كانت هشاشة القانون لا تخدم الضعفاء فإن إلغاء القانون لا يخدمهم بتاتاً. إن الجواب عن خرق القانون الدولي يكمن في إصلاحه وتطويره وسد ثغراته وليس إلغائه بدعوى اختلاف أو تنوّع المعايير. وبكل تأكيد، يستعمل أقوياء العالم ازدواجية المعايير في تطبيق العدالة الدولة- وهذا ما تجب مقاومته- غير أن الرد على ازدواجية المعايير لن يكون من خلال تعدّد المعايير أو تشظيها فهذا لن يخدم مظلومي العالم بأي حال. ناهيك عن أنّ عملية تفكيك المعايير قد لا تعرف حدّا معيّنا تقف عنده، طالما أنّ كل الجماعات الثقافية والدينية والعرقية والجنسية واللغوية بدورها تقبل القسمة إلى عدد غير محصور من المرّات.

مشكلتكم أيها الرفاق في اليسار الجذري الغربي أنكم انعكاس لأزمة العقل الغربي في تعاطيه مع الثقافات التقليدية، حيث إنه لا يتجرع مرارتها اليومية، ولذلك يتعامل معها تعاملا فولكلوريا وسطحيا. بل يوشك الكثيرون منكم على النظر إلى تطبيق الشريعة وارتداء الحجاب أو النقاب وتعدّد الزوجات وأعلام الخلافة السوداء كمجرّد مظاهر فولكلورية في إطار التنوع الثقافي العالمي الذي يجب المحافظة عليه، حتى لا تنجح العولمة الرأسمالية في «تنميط العالم»! فأيّ عالم آخر هذا الذي تقولون إنكم تحلمون به؟


كاتب مغربي

8