رسالة إلى فيصل دراج أحد مؤسسي النقد الأدبي

يكمن تفرد فيصل دراج كأهم قلم فكري نقدي أدبي في جيله والجيل الذي جاء من بعده هو أنه تمكن من توطين مفاهيم النقد القادمة من الفكر الإنساني داخل بنيات الخطاب النقدي العربي.
الاثنين 2019/09/09
لا يكتب إلا ما يؤمن به

فيصل دراج، أيها القلم التنويري الإنساني، صباح الخير أو مساؤه.

فيصل دراج، مع حفظ الألقاب، مثقف عميق، أنيق، واضح، مستمع، مسائل، إنساني، هادئ، عنيد، مبتسم، متفائل.

يكتب فيصل دراج دون حرج أو رقيب، يكتب ما يؤمن به ولو إلى حين، لأنه مثقف المراجعات، أي مثقف ضد الإيمان المثقفاتي الديني. ويظل كتاب “نظرية الرواية والرواية العربية” لفيصل دراج واحدا من العناوين التي تسجل بفخر داخل هذه السلسلة الثقافية التنويرية بامتياز.

حين أعود إلى كتب فيصل دراج وإلى مقالاته في النقد الثقافي أو في النقد الروائي أو في أفكاره النظرية حول الإبداع الأدبي أشعر بكثير من الاحترام لما قدمه، ولا يزال يقدمه، هذا الجيل الثقافي والأكاديمي الذي أفرزته هزيمة جوان 67 لما في كتاباتهم من اجتهادات نقدية نظرية وتطبيقية، وأطروحات فكرية بعيدة عن الفكر الانتحاري أو الفكر البائس أو فكر التلذذ بجلد الذات، إنها كتابات مقاومة بعمق وبهدوء.

هو أحد المؤسسين لثقافة النقد التنويري بعد جيل طه حسين ومحمود أمين العالم ورئيف خوري ومحمود المسعدي. وفي مطلع سنوات الثمانينات، حين كنت أحضر أطروحة جامعية، كنت كثيرا ما ألقاه بدمشق في مقر مجلة “الحرية” أو في بيت الشاعر والكاتب بندر عبدالحميد أو في بيت الكاتب الناسك محمد كمال الخطيب. فلا شاغل له في أحاديثه سوى أسئلة الأدب والثقافة والثورة الفلسطينية ودور الثقافة التنويرية النقدية في مقاومة سياسة التهريج وتعرية السياسيين معطوبي الخيال.

يعتبر فيصل دراج من أهم قراء الرواية العربية على الإطلاق، يعرف الكثير من تفاصيلها والكثير من الأعشاب الضارة فيها، وله إمكانية الفرز ما بين الكتابة السردية المثقفة والسردية المنتفخة.

يكمن تفرد فيصل دراج كأهم قلم فكري نقدي أدبي في جيله والجيل الذي جاء من بعده هو أنه تمكن من توطين مفاهيم النقد القادمة من الفكر الإنساني داخل بنيات الخطاب النقدي العربي الذي ظل يعاني ولمدة طويلة، ولا يزال، من أثقال مسطرة النقد الإصلاحي الأزهري والوصفي التوصيفي الخارجي المنشغل بالبلاغة الفارغة المجففة من السؤال الفلسفي.

كان فيصل دراج أول، ربما، النقاد العرب الذي استطاع أن يقرأ لوسيان غولدمان وجورج لوكاتش وبيير زيما ورولان بارط وغيرهم بعين تاريخية محلية وإنسانية في الوقت نفسه، وبالتالي تمكن من توطين مفاهيمهم الفلسفية في العقل العربي النقدي وتوظيفها في تفكيك النصوص دون السقوط في “الاستعراضية الفكرية” الغارقة في النقل الشكلاني دون الفهم.

لم يكتب فيصل دراج نقدا ليستعرض عضلات ثقافته الغربية الأوروبية. ولم يكن انبهاريا ولا استغرابيا وهو يقرأ سلسلة النقد الأوروبي أو وهو يعتمدها في تحليلاته، بل كان يؤمن بأن العالم الواسع “يبدأ من عتبة البيت الثقافي الذي يسكنه” فكان بذلك يقرأ ويستوعب، وهو الصوربوني، هذه الثقافة النظرية والتطبيقية والإبداعية وعينه على ثقافات بلاد الشام وبلاد العرب والأكراد والبربر وأقوام أخرى تعيش في منطقته الجغرافية المتعددة الإثنيات والديانات واللغات.

لقد عمل فيصل درّاج على توطين الفكر الفلسفي الغربي داخل بنية خطاب العقل العربي الأدبي بشكل عام، والنقد الروائي بشكل خاص؛ التوطين من الداخل وليس الترقيع الخارجي، وهو يقوم بهذه العملية التركيبية البنيوية التاريخية المعقدة، كان يحرر الخطاب النقدي الأدبي من “نقد التلخيص” و“نقد التفسير” و“النقد الأخلاقي التربوي” والتي هي عادة ثقافية فقهية إصلاحية نقلية وليست عقلية أصبحت عالة على النقد العربي المتناول للشعرية وللسردية على حد سواء.

كان فيصل دراج وهو يؤنسن النقد الثقافي يقوم بذلك من خلال عمليات إجرائية جديدة، متصلة بـ“المقاربات” السوسيو-أدبية والسوسيو-ثقافية والسياسية-أدبية دون السقوط في الميكانيكية التي خربت النقد الأدبي الجديد الذي نبت على هامش الصفحات الثقافية في منابر إعلامية لأحزاب سياسية يسارية أو قومية.

لقد أنقذ فيصل دراج وبكثير من الذكاء النقد الأدبي من سلطة الفقيه الديني وتوأمه الفقيه السياسي على حد سواء، حرره من الشعارات السياسوية “أي البروباغاندا” مع أنه اشتغل كثيرا على الديني والسياسي وعلاقتهما بالنص الأدبي السردي.

لكن ماذا أصاب هذه البلاد وهذا العالم العربي والمغاربي حين يتجاهل أو يهمش ناقدا بحجم الدكتور فيصل دراج أو يتناساه أو يقلل من أهمية صوته الخالد؟ أعتقد أنه لا يمكن التأسيس لخطاب نقدي دون احترام ما أسميه بالسلسلة التراكمية في الكتابة النقدية، ودون إدراج كتابات فيصل دراج في هذه السلسلة فإن هذه الأخيرة ستظل مبتورة، إنه الحلقة الوازنة في الثقافة النقدية العربية في نهاية القرن العشرين ومطلع الألفية الجديدة، إنه حلقة أساسية في غيابها سيكون هناك عطب في إمكانية استئناف ومواصلة بناء خطاب نقدي تنويري جاد وإنساني، مرتبط بالثقافات العالمية ومنتبه ومنشغل بالثقافات المحلية.

إذا كانت كتابات فيصل دراج من أكثر الكتابات الحاضرة في البحوث الجامعية في العلوم الإنسانية وخاصة في النقد الروائي والنقد الثقافي إلا أن الناقد نفسه ظل بعيدا أو مبعدا عن مؤسسة الجامعات العربية والمغاربية.

أعتقد أن فيصل دراج حرص على حريته أولا إذ كان يعرف أن حرية الأوطان هي من حرية نخبها.

فشكرا دكتور فيصل دراج على هذا الوجود الفعلي والرمزي الذي حرك وفكك المجتمع الثقافي والأدبي الذي نعيش فيه وله.

14