رسالة الجندي المجهول

الأحد 2016/03/06

برشلونة فريق مهاب و"كتيبة" لا تقهر، برشلونة يسير بخطى ثابتة وحثيثة نحو الحصول من جديد على لقبي الدوري والكأس المحليين، بل هو أكبر المرشحين لنيل لقب دوري الأبطال الأوروبي للعام الثاني على التوالي، ببساطة يبدو أن الفريق الكاتالوني مقبل على حصد كل الألقاب الممكنة مرة أخرى.

برشلونة يستمد قوته والكل يعلم ذلك من الثالوث الهجومي المرعب ميسي ونيمار والهداف سواريز، وهو الفريق صاحب أكبر معدلات في التهديف، ولا وجود لفريق قوي يبدو قادرا على الصمود والوقوف أمام ثورة "الثور" الكاتالوني الهائج الذي أتى على "الأخـضر واليـابس".

في هذا الخضم من المديح والتمجيد لقوة برشلونة المستمدة منذ الوهلة الأولى من هذا الثالوث المميز الساعي إلى تحطيم كل الأرقام القياسية، فإن الحديث عن مصادر قوة وهيبة الكتيبة الكاتالونية لا يجب أن يكون منحصرا على أداء هؤلاء اللاعبين فحسب، بل يتعين أيضا الفحص والبحث عن أحد أقوى أسرار استقرار نتائج برشلونة ومستواه منذ سنوات طويلة.

هي معطيات تاريخية معيّنة جعلت من أسلوب لعب متصدر الدوري الأسباني بهذه القوة، حيث نشأ برشلونة منذ السبعينات من القرن الماضي على أمل تكوين فريق يعتمد على الأسلوب الهولندي، أي "الكرة الشاملة" التي يشارك في تطبيقها كل اللاعبين على حد سواء، وتوصل المدرب السابق للنادي يوهان كرويف إلى ترسيخ هذا الأسلوب خلال حقبة التسعينات، قبل أن يبدأ قطف ثمار هذا التوجه منذ حوالي عشر سنوات ليستفيد الفريق من ظهور جيل رائع واستثنائي من اللاعبين بقيادة فلتة زمانه ليونيل ميسي.

أسباب تاريخية وأخرى فنية جعلت من برشلونة أقوى فريق في العالم على امتداد هذه العشرية، لكن ما يجب تأكيده هو أن وجود ميسي لم يكن كافيا لتنفيذ مشروع وحلم “الكرة الشاملة”، بل كان قوام العمل الناجع يرتكز أساسا وبالضرورة على منح الفرصة كاملة لأبناء مدرسة “لاماسيا” التابعة للنادي والمتخصصة في إنجاب اللاعبين الموهوبين، فبرز ضمن هذا السياق عدد لا يستهان به من اللاعبين مثل تشافي وإينييستا، فهذان اللاعبان شكلا على امتداد السنوات الماضية نقطة ارتكاز في قوة برشلونة ليضيفا على عبقرية ميسي مسحة من اللعب الجماعي الجميل، قبل أن يأخذ بعد ذلك نيمار وسواريز المشعل.

ومع ذلك، فكل هذه المعطيات قد لا تكفي لوحدها عند البحث عن مكامن قوة برشلونة، فكم من جندي مجهول صنع تاريخا مجيدا مع الفريق ولم ينل حظه؟ وكم من لاعب موهوب خفت بريق نجوميته في حضرة سلطة الأضواء الساطعة لميسي؟

ومن بين هؤلاء يبدو من الإنصاف والعدل الحديث عن سيرجيو بوسكيتس الذي لم ينل شهرة واسعة ولم يكن بالمرة جالبا لأضواء النجومية، رغم أنه يبدو دوما رمانة ميزان الفريق ككل وأحد أهم وأقوى “أسلحته” الخفية والفتاكة.

هو فعلا الجندي المجهول الذي لم ينل حظه، ومن عبث الأقدار أنه يعيش في ظلّ ميسي، رغم أنه يعتبر أحد أهم مصادر قوة النجم الأرجنتيني.

سيرجيو متوسط ميدان برشلونة وصمام الأمان بامتياز، هو من يقطع الطريق أمام كل لاعبي الفرق المنافسة، هو من يتولى حلقة الربط بين الدفاع والهجوم، هو من يملك أعلى نسبة تمريرات ناجحة في الفريق، هو من تتشكل حوله “فلسفة” برشلونة، أي “التيكي تاكا” الشهيرة المبنية على ضرورة التبادل السريع للكرة، هو من منح الأمان سابقا لإينييستا وتشافي وحاليا لميسي وبقية عناصر الفريق، وفي المقابل، لا يُتحدث كثيرا عن ابن مدرسة “لاماسيا”؟

والد سيرجيو كان الحارس الأول لبرشلونة في بداية التسعينات، فتعلّم منه حب برشلونة والوفاء لها، تتلمذ على أيدي أبرز المدربين في أصناف الشباب بالفريق، فبرز في سنواته الأولى قبل أن يمنحه المدرب السابق لبرشلونة بيب غوارديولا ثقته الكاملة كي يكون أحد أبرز عناصر فريق الأحلام الذي لا يقهر، ولهذا السبب بات منذ سنة 2008 حجر زاوية في تركيبة “برشلونة” الجديد وعنصرا لا غنى عنه.

سيرجيو صاحب الثامنة والعشرين ربيعا، يعتبر أكثر اللاعبين مشاركة مع الفريق وقلّما تعرض للإصابات، قال عنه ميسي إنه اللاعب الأكثر جودة ودقة في التمرير، وبوجوده في وسط الميدان لا يخاف كثيرا عندما تفتك الكرة منه.

في هذا الموسم شارك سيرجيو في أغلب المباريات التي خاضها برشلونة في الدوري المحلي ودوري الأبطال، بل إن مشاركاته فاقت مشاركات ثالوث “الرعب” ميسي ونيمار وسواريز، وكان مستواه دوما رائعا ومميزا للغاية، حتى أن لويس إنريكي مدرب الفريق أكد أن سيرجيو هو أبرز لاعب وسط في العالم، إنريكي قال أيضا إنه عندما يختار تشكيل الفريق في كل مباراة لا يفكر البتة في وضعه على دكة البدلاء، عكس كل اللاعبين الآخرين.

وإذا أراد برشلونة أن يواصل تفوقه على الجميع عليه أن يفكر منذ الآن في تجديد عقد سيرجيو الذي يريد غوارديولا “اختطافه” وضمّه لمانشستر سيتي، فإن رحل الجندي المجهول، ربما فقد ميسي والبقية طعم الأمان.. ساعتها سيقول سيرجيو “لا تسألني من أكون؟ أنا من ساهم في صنع أمجاد ميسي وتشافي وإينييستا والبقية”.

كاتب صحافي تونسي

23