رسالة المحتجين إلى الأحزاب الدينية: "علمانية.. لا شيعية ولا سنية"

الشارع العراقي عبّر بعفويته عن اعتقاده الراسخ بأن العلمانية هي الحل الذي يضمن حماية الحريات الدينية للجميع، كما أنها ضمان لعدم استغلال الدين في السياسة.
الجمعة 2018/07/20
العراقيون يصفعون الطائفية السياسية

الاحتجاجات الشعبية في مدن جنوب العراق تكشف حقائق عملت الأحزاب الدينية على إخفائها وهي أن الشعوب لا تستمر في الانقياد إلى من يشحنها طائفيا بيد ويسرق ثرواتها ويجوّعها باليد الأخرى، وأن العلمانية تصبح مطلبا جماهيريا ملحا حين تنكشف ألاعيب التنظيمات الطائفية.

قال الباحث في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة، فنر حداد، إنه “ومع انتهاء الحرب ضد داعش، عادت إخفاقات الطبقات السياسية العراقية في جميع جوانب الحكم والإدارة الاقتصادية بقوة إلى الواجهة”.

على ضوء هذا التوصيف، يمكن للمرء أن يتلمس قراءة ما يحدث من حراك شعبي في محافظات الجنوب العراقي، والذي بدأ منذ ما يقارب الأسبوعين، فبعد نحو ستة أشهر من إعلان السلطات العراقية “النصر” على تنظيم الدولة الإسلامية عقب ثلاث سنوات من معارك دامية دارت على ثلث أراضي البلاد التي كانت خاضعة لسيطرته، عادت المشاكل الاجتماعية لتحتل رأس سلم الأولويات، فعمت الاحتجاجات المطلبية المحافظات الجنوبية بدءا من البصرة، مدينة النفط قبل أن تكون مدينة السنة أو الشيعة.

تكشف هذه الوقائع الميدانية عن معطيات أساسية أهمها أن أولوية محاربة الإرهاب لا يمكن أن تحجب قضايا معيشية وأساسية تتعلق بكرامة الناس، ولا ينبغي لها أن تكون شماعة يبرر بها الفشل في تسيير الدولة وإدارة الحكم، كما أن قتال داعش لا يعطي الحق في استعباد البشر وإشاعة الظلم.. ثم إن هذا القتال لا “يجبّ” ما قبله وما سوف يأتي بعده من فساد.. الفساد الذي أكدت الوقائع، بما لا يدع مجالا للشك، أنه توأم للإرهاب وحليف له، سواء كان ذلك عن قصد أو عن غير قصد.

 أحزاب الإسلام السياسي قد تنجح في بداياتها، وبشكل ملحوظ، في تعبئة وشحن بسطاء الناس بشعارات دينية وطائفية تغطي بها على فسادها وتلهي من خلالها عن قضايا الناس، لكن الشعوب ليست على هذه الدرجة من الاستلاب حتى تسلّم بكامل وعيها للأحزاب الدينية وتلحق بها نحو الهاوية.

 “علمانية علمانية.. لا شيعية ولا سنية”، هذا الشعار الذي رفع في الاحتجاجات العراقية الأخيرة، يعطي الدليل الواضح والصريح على أن المواطن البسيط ليس مغفلا، ولا ظاهرة صوتية تردد ما يصل إليها من محاولات التعبئة الطائفية التي من شأنها أن تلهيه عما يعيشه من واقع مزر.

ويكاد يتفق جميع المحللين والمراقبين لموجة الاحتجاجات العارمة التي تجتاح محافظات جنوب العراق منذ ما يقارب الأسبوعين، على أن سياسات الإفقار والتجويع المتعاقبة التي مارسها ساسة العراق بكل خلفياتهم الطائفية وارتباطاتهم الخارجية ضد شعب العراق بجميع أطيافه، هي التي وحدت الجموع المحتجة وأجبرتها على الخروج إلى الشارع.

احتجاجات تنذر إيران ولاية الفقيه وتبشر بعراق دون طائفية
احتجاجات تنذر إيران ولاية الفقيه وتبشر بعراق دون طائفية

وليس الأمر ناتجا عن حراك سياسي أو دعوات حزبية أو طائفية كما قد يظن البعض، وإنما هو انتفاضة جياع بكل ما تعنيه الكلمة، فمعظم العراقيين، ومنذ ما يقارب الربع قرن، لم يعيشوا بحبوحة اقتصادية تليق بأرضهم الخصبة والحاضنة في باطنها لبحار من النفط.

وما زاد الأمر سوءا هو أن الحكومات المحلية التي أنشئت في العراق بعد الاحتلال الأميركي، تتعامل مع الثروات الوطنية داخل حيز سلطتها كغنيمة مشروعة وحق مكتسب. وفي هذا الصدد يقول الكاتب السياسي العراقي فاروق يوسف “إن الحكم المحلي بعد الاحتلال الأميركي، وهو ما لم يعرفه العراق في تاريخه الحديث،  كان ذلك الاختراع مناسبة قامت الأحزاب الدينية من خلالها بالاستيلاء على الثروة الوطنية وتوزيعها على منتسبيها من غير النظر إلى ما يحتاجه الناس في حياتهم اليومية”.

ويضيف يوسف “تعاملت الأحزاب الدينية مع أموال الشعب باعتبارها جزءا من رصيد خاص، يحق لها أن تتصرف به كما تشاء”. التعبئة الطائفية في العراق، وعلى عكس ما أُريد لها، لعبت عاملا محرضا على الاحتجاج وخروج المواطن العراقي في هذه الانتفاضة العارمة، ذلك أن الأحزاب والتنظيمات التي هي على ارتباط وثيق بالأجندة الإيرانية ونظام ولاية الفقيه، أجبرت الشارع العراقي على الغضب والاحتجاج، وزادته تململا بعد أن ضاق ذرعا بالشحن والتجييش الطائفي على حساب خبزه اليومي وكرامته البشرية.

ولم ينس المواطن العراقي، في غمرة معاناته وغضبه من حالات الفساد التي وصلت حدا لا يطاق، أن يذكّر بأنه يحتج على الطائفية المقيتة التي كرستها الأحزاب الدينية، بل وأضاف المواطن إلى جملة مطالبه المعيشية مطلب تحييد الطائفة والمذهب إذا لم نقل المطالبة بـ”العلمانية” بمفهومها العفوي البسيط، والخالي من الأدلجة.

الشارع العراقي عبّر بعفويته عن اعتقاده الراسخ بأن العلمانية هي الحل الذي يضمن حماية الحريات الدينية للجميع، كما أنها ضمان لعدم استغلال الدين في السياسة، هذا الاستغلال الذي يعيش عليه جار العراق الجائر، النظام الإيراني بدوره، ويقود به البلاد، وكذلك محيطه الإقليمي إلى وجهة عنوانها الدمار والخراب.

العراقي أدرك في خضم هذه الموجة الاحتجاجية أن السياسيين الذين طالما رفع صورهم وتشنج وهتف وخاصم لأجلهم، عاجزون عن معالجة أزماته المتتالية، ما دفعه إلى الخروج صارخا ومتوعدا ومتوحدا مع ابن بلده، لا ابن طائفته، دون خلفية مذهبية أو سياسية؛ مدركا أن الفقر وحده هو موحد الجموع ومجيشها وتسقط أمامه كل الشعارات وطرق التعبئة والمتاجرة باسم الدين.

ومهما كانت المقاربات بين ما يحدث اليوم في مدن الجنوب العراقي، وبين يوم 14 يوليو أي الذكرى الستين لثورة العام 1958 في العراق، والتي أطاحت بالمملكة العراقية الهاشمية التي أسسها الملك فيصل الأول تحت الرعاية البريطانية، فإن الأمر هنا يختلف على جميع الأصعدة، وذلك لسببين رئيسيين: الأول لأن المحرض المعيشي هو الأساس في تصدر أسباب هذا التحرك، والثاني هو أن الإسلام السياسي حاضر اليوم أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن العراق لم يعرف الطائفية بهذه الشراسة والعنف إلاّ مع الميليشيات المعومة إيرانيا والمدججة بشتى شعارات الكراهية، كما أن أنذل وأحط أنواع الكراهية أن يختفي الطائفيون تحت شعارات إنسانية لأجل تكريس الطائفية في أسوء أشكالها، وهو ما نشاهده في النموذج الإيراني المعربد في المنطقة.

استغلال الدين في السياسة أمر يعيش عليه النظام الإيراني، ويقود به البلاد، وكذلك محيطه الإقليمي إلى وجهة عنوانها الدمار

القراءات التي تصب في مصلحة السياسة الإيرانية تحذر من أن تكون أحداث حراك جنوب العراق بداية لـ”ربيع مشؤوم” يعود من خلاله الدواعش، وتسعى هذه القراءات إلى المزيد من التهويل والتخويف متناسية أن ما بلغه سكان العراق من مهانة في ظل أحزاب الإسلام السياسي، أقسى بكثير مما كان ومما يمكن أن يكونوا عليه بأي حال من الأحوال.

الفشل هو مصير كل الأحزاب الدينية كما أثبتت التجارب في دول ما يعرف بـ“الربيع العربي”، وبناء على ذلك فإن من المستحيل إعادة خداع الجماهير وإقناعها بأن “زيدا” من الإسلام السياسي هو أفضل من “عمرو”، أي أن الأمر لا يتعلق بـ”خصوصية شيعية” كما يحلو لبعض المحللين تسويقه، ذلك أن سبب هذه المحنة التي يمر بها سكان العراق الآن هو محاولة تجميل هذه “الخصوصية الشيعية” بمساحيق إيرانية تنفذها أصابع عراقية من قادة هذه الميليشيا أو تلك.

محاولات الزج بالحركة الاحتجاجية العراقية الحالية في أتون اتجاهات مراوغة وتفسيرات واهمة هي بدورها محاولات أخرى لاستغباء الشعب العراقي عبر شعارات طائفية واستدعاء مظلوميات تاريخية وإلباسها لبوس الحاضر وفق تفصيلات إيرانية.

محللون يرون أن النظام الإيراني يستمر في محاولة شل السلطة في بغداد حتى تصبح عاجزة عن توفير ما يكفي من متطلبات أساسية كالماء والكهرباء، وعاجزة أيضا عن إخراج الميليشيات التي تمارس التسلط على المدن، وعاجزة عن تأمين الوظائف، وعاجزة أيضا عن وقف تدخلات إيران وميليشياتها في شؤون جنوب العراق وهي الأسباب التي أدت إلى المظاهرات.

الأحداث في مدن جنوب العراق، والتي تسببت في سقوط ضحايا من المدنيين، هي محل تشاؤم كما هي محل تفاؤل، فهي من جهة تنذر بالكثير من العواقب جراء استفحال الدور الإيراني الشرير في الداخل العراقي، ليبقى هكذا مجرد ساحة لمغامرات حكومة الولي الفقيه، وهي من جهة ثانية تبشر بيقظة لما “أنجزه” التدخل الإيراني من خراب سياسي واقتصادي، ولما يضمره هذا النظام للعراقيين ولبلادهم سنة وشيعة، عربا وكردا من العداوة والأحقاد التاريخية، وتدعو العراقيين ليستلوا أشواكهم بأنفسهم ويتجاوزوا خلافاتهم المفتعلة، ويوحدوا كلمتهم بوضع أيديهم بأيدي أشقائهم العرب.

13