رسالة "حزب الله" إلى مسيحيي لبنان

الجمعة 2014/05/23

يبدو أنّ على اللبنانيين الانتظار طويلا قبل أن يسمح لهم «حزب الله»، أي إيران، بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. في كلّ الأحوال، طال انتخاب رئيس جديد للبنان أم لم يطـل، يبـدو أن الرسالـة التي يسعى «حـزب الله» إلى إيصالها إلى اللبنانيين، خصوصا المسيحيين منهم، قد وصلت. فعندما يصرّ الحزب على تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، معنى ذلك أنّه يريد تأديب المسيحيين اللبنانيين بعدما سعى إلى تأديب الطوائف الأخرى. نجح أحيانا وأخفق في أخرى، لكنّه ما زال يحاول معتمدا على أنّه الميليشيا الوحيـدة المسلّحة في لبنان، وعلى أنه يمتلك دويلة تتفوق في قوّتها وقدراتها على الدولة اللبنانية.

تأتي عملية تأديب المسيحيين بعدما تبيّن له أنهم لم يتعلّموا الدرس الذي كان مفترضا أن يتعلّموه من خلال تشكيل حكومة برئاسة نجيب ميقاتي مطلع عام 2011 بهدف واضح. يتمثّل الهدف من تشكيل تلك الحكومة في إذلال السنّة والمسيحيين في الوقت ذاته.

لم يتعلّم المسيحيون قبل ذلك، من وجهة نظر “حزب الله”، شيئا من غزوة بيروت والجبل في السابع والثامن والتاسع والعاشر من مايو 2008. أدّت تلك الغزوة عمليا إلى تدجين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي بات همّه محصورا في كيفية المحافظة على طائفته. أمّا المسيحيون، الذين لم تطلهم الغزوة مباشرة، وثمة بينهم -كميشال عون وأنصاره- من راح يشمت بالسنّة، فكان عليهم القبول باتفاق الدوحة الذي أوصل قائد الجيش العماد ميشال سليمان إلى الرئاسة.

اعتقد “حزب الله” أنّ ميشال سليمان سيظّل على الحياد على غرار ما فعله عندما كان قائدا للجيش. سيظّل رئيس الجمهورية في موقف المتفرّج على انهيار مؤسسات الدولة اللبنانية. يرى الحزب أيضا أنّ على الرئيس التفرّج على إرسال «حزب الله» مقاتليه إلى سوريا، تماما كما حصل إبان غزوة بيروت.. أو لدى خرق اتفاق الدوحة بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري بواسطة «القمصان السود» تمهيدا لقيام حكومة برئاسة نجيب ميقاتي.

من يتمعّن في أسماء الوزراء المسيحيين والسنّة في تلك الحكومة، حكومة نجيب ميقاتي، التي كان وراءها سلاح الحزب الإيراني، لا يمكنه إلّا استغراب كيف يمكن فرض مثل هذا الواقع على المسيحيين الذين بات عليهم أن يكونوا طائفة مختطفة، مثلهم مثل الطائفة الشيعية الكريمة التي باتت، في معظمها، رهينة لدى «حزب الله» ومن خلفه إيران.

قاوم السنّة وما زالوا يقاومون. بقيت بيروت، المدينة التي تضمّ لبنانيين من كلّ الطوائف والمذاهب، تقاوم. كان تشكيل الحكومة الحالية، برئاسة شخصية وطنية جامعة هي الرئيس تمّام سلام، دليلا على أن مقاومة اللبنانيين لثقافة الموت، التي يحاول “حزب الله” فرضها عليهم، لم تتوقّفْ ولن تتوقّفَ.

سيقاوم المسيحيون، على غرار ما فعله السنّة، رغم اضطرار سعد الحريري إلى البقاء خارج البلد لأسباب أمنية واضحة ومعروفة في الوقت ذاته، معروفة وواضحة أكثر من اللزوم.

يقاوم المسيحيون حاليا محاولة فرض دور شاهد الزور عليهم. رفض ميشال سليمان في السنتين الأخيرتين من عهده أن يكون شاهد زور. انضمّ، بكل بساطة، إلى المقاومة الحقيقية التي تتصدّى لأدعياء المقاومة الذين يرفضون قراءة نصّ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، رغم موافقتهم على كلّ حرف فيه.

ما نشهده حاليا من منع انتخاب لرئيس جديد للجمهورية لا يستهدف تصفية الحسابات مع ميشال سليمان فحسب، بل إن الأمر يتعدّى ذلك بكثير أيضا.

هناك من يريد إعطاء درس للمسيحيين. فحوى الدرس أن عليهم التصرّف بصفة كونهم تابعين لـ«حزب الله» على غرار النائب ميشال عون الذي ليس في واقع الحال سوى أداة من أدوات الحزب وتابع من توابعه. يعرف عون، قبل غيره، أنّه ليس شيئا دون “حزب الله” وأنّ كتلته النيابية الكبيرة كانت ستقتصر على بضعة أعضاء لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد لولا الحزب…

هل المسيحيون في لبنان مجرّد شاهد زور عليه التصفيق لـ”حزب الله” وتجاهل دوره في نشر ثقافة الموت في كلّ أرجاء الجمهورية اللبنانية، السعيدة سابقا؟ هل على المسيحيين الإشادة بجهود “حزب الله” الهادفة إلى التوسع في المناطق اللبنانية، عن طريق شراء الأراضي، على حسابهم وعلى حساب الدروز؟ هل على المسيحيين التصفيق لمشاركة «حزب الله»، إلى جانب ميليشيات شيعية عراقية في الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه من منطلق مذهبي بحت؟

باختصار شديد، بات مطلوبا من المسيحيين اللبنانيين خصوصا القيام بما يرفضون القيام به، أي الدخول في حلف الأقلّيات الذي يعني أوّل ما يعني المشاركة بطريقة أو بأخرى في دعم النظام السوري كجزء من الحلف المذهبي الممتد من طهران إلى مارون الراس في أقصى أقصى جنوب لبنان.

لم يستطع ميشال سليمان في السنتين الأخيرتين من عهده الرضوخ لمشيئة “حزب الله” والذين يقفون خلفه. هذا كلّ ما في الأمر. عبّر الرئيس اللبناني، الذي تنتهي ولايته في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، عمّا يجول في خاطر كلّ لبناني، بمن في ذلك الكثير من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة الذين ولاؤهم الأوّل والأخير للبنان ولثقافة الحياة فيه. هؤلاء اللبنانيون يعرفون أن لبنان يُعاقب عبر ميشال سليمان، وعبر منع مجلس النوّاب من انتخاب رئيس جديد للجمهورية بطريقة ديمقراطية تحترم فيها الأقلّية رأي الأكثرية. هذا يعني في طبيعة الحال خوض كلّ فريق لبناني الانتخابات بالمرشّح الذي يرى أنّه يعبّر عن تطلعاته لا أكثر. عندئذ لينجح من ينجح، ويسقط من يسقط بعيدا من السلاح والتهديدات بفرض فراغ رئاسي كمقدّمة لبلوغ المثالثة بديلا عن المناصفة بين المسيحيين والمسلمين كما أقرّها اتفاق الطائف.

هل كثير على لبنان أن يكون فيه رئيس منتخب ديمقراطيا في مجلس النوّاب، أم المطلوب تأديب المسيحيين ومنعهم من أن يكونوا موجودين في أي موقع مسؤول، بما في ذلك رئاسة الجمهورية؟

يبدو أنّ على اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا، تلاوة فعل الندامة يوميا والاعتراف بأنّ بلدهم صار مستعمرة إيرانية، وأنّه مجرّد ذَنَب للمحور الإيراني- السوري الذي بات يمرّ بالعراق في ضوء استسلام حكومة نوري المالكي لطهران، وقبولها تمرير السلاح وإرسال المقاتلين إلى الأراضي السورية.

هذا هو لبنان، كما يراه “حزب الله”، هذا هو لبنان الذي لم يعد مسموحا فيه انتخاب رئيس جديد للجمهورية يعتبر أنّ ما قام به ميشال سليمان في السنتين الأخيرتين من عهده، كان أقلّ ما يستطيع القيام به رئيس يمتلك ضميرا حيّا، نسبيا، وأقسم على احترام الدستور والمحافظة عليه حماية منه للبنانيين وللبلد.


إعلامي لبناني

9