رسالة روسية إلى جنيف 2 عبر مسيحيي سوريا

السبت 2013/10/19

تحمل الرسالة المفاجأة، التي سلمها نحو 50 ألف «سوري مسيحي»، إلى وزارة الخارجية الروسية، يطلبون فيها منحهم الجنسية الروسية دلالات عديدة، تبدأ في شكل الرسالة ولا تنتهي مع مضمونها وأهدافها العميقة.

الموقعون المفترضون على الرسالة، على ما قالت الخارجية الروسية، هم من سكان منطقة القلمون، وهي منطقة تقع شمال مدينة دمشق. في محاولة واضحة من جانب معدي «المسرحية» للربط مع الأحداث التي شهدتها مدينة معلولا ذات الغالبية المسيحية مطلع الشهر الماضي، بدخول كتائب الجيش الحر إلى البلدة، وادعاء الإعلام السوري بوقوع حوادث سرقة وتخريب للكنائس، ليتضح لاحقا، وبعد انسحاب الجيش الحر، أنها كانت جزءا من ماكينة الهراء والخديعة التي عودنا عليها النظام السوري.

وبالعودة إلى الرسالة، يدفع هذا العدد الضخم من الموقعين المفترضين على الاعتقاد بأن العملية برمتها مرتبة بشكل مسبق بين النظام السوري والنظام الروسي. إذ يبلغ عدد جميع سكان معلولا نحو 14 ألف نسمة، ونحن نتحدث عن رسالة ضمت 50 ألف شخص «سوري مسيحي»، تحتاج إلى مثابرة ومخاتلة وجدناهما دوما لدى النظام السوري. لكن ولسوء حظ هذا الأخير، غالبا ما تعود مخاتلته عليه بالفضائح وبمزيد من وضوح طبيعته الفاشية. فنادرا ما مارس هذا النظام كذبا مبطنا ومحكما، على العكس من ذلك، برع دوما في الكذب الصريح والمباشر، وبأسلوب ركيك يبعث على السخرية.

هكذا يبدو أن الهدف من العدد الكبير من الإمضاءات في الرسالة، هو إضفاء أبعاد إنسانية وشعبية يفتقدها نظاما روسيا وسوريا. فحاولا تصوير القضية باعتبارها مطلبا «شعبيا» للأقليات، وإعطاء الرسالة بعدا عاما. أرادا بدهاء مفضوح، تحويلها إلى عريضة شعبية تمثل الرأي العام للأقليات في سوريا. بل قل وثيقة تاريخية، تشهد لهما بحماية الأقليات في مواجهة «الإرهابيين».

تأتي لغة الرسالة لتعزز ذلك الاتهام، إذ تقول إن «روسيا تواصل اتباع سياسة حازمة لحماية سوريا وشعبها ووحدة أراضيها»، وتذهب الرسالة باتجاه معرفة ناجزة يبديها «مسيحيو الشرق» منذ قرون، وتتلخص في أن «لا أحد يحمي مصالحهم أكثر من روسيا»، لذا أقدموا، برسالة تاريخية، على طلب الجنسية الروسية، خصوصا وأن القانون السوري يسمح بالجنسية المزدوجة. وتتابع الرسالة، هكذا «ستحمينا روسيا إذا كنا مهددين بالتصفية الجسدية من قبل الإرهابيين». لتعود وتصحح ما قد يفهم على أنه قلة ثقة بالنظام السوري، إذ أن هذا الطلب «لا يعني أننا لا نثق بالجيش السوري وحكومتنا… لكننا نخشى مؤامرة الغرب والمتطرفين الحقودين الذين يشنون حربا عنيفة ضد بلادنا».

الغريب أن الرسالة «الشعبية» «العفوية»، سلمت إلى وزارة الخارجية الروسية عبر «قنوات دبلوماسية»، هكذا قالت روسيا، ثم تكفلت الخارجية الروسية بالإعلان عن الرسالة «غير الرسمية» ببيان منفصل!

يبدو أن روسيا تتماهى مع النظام السوري شيئاً فشيئاً، إذ رفعت مؤخراً من نسق المسرحيات الاستخباراتية ذات الإخراج السيئ من هذا النوع. فقبل ذلك عودنا وزير الخارجية الروسي أن يخرج بين فينة وأخرى في مؤتمر صحفي، مردداً نشرة أخبار تلفزيون الدنيا أو الفضائية السورية، بما تحمله من تبريرات سطحية دفاعاً عن إجرام نظام بات من غير الممكن الدفاع عنه.

إنه قدر السياسة الروسية كما يبدو، إذ أنها، وفي مواجهة الولايات المتحدة، وفي مواجهة الثورة السورية المضادة لمصالحها والعدائية تماماً تجاهها، باتت مجبرة على دعم النظام بالقول والفعل، ما أفشل توقعات الكثيرين في أن تنقلب على النظام في قادم الأيام مع توسع الثورة وضعف النظام. خوفها على النظام دفعها، إلى الامتناع عن توجيه أي انتقاد جاد له ولسياساته. كما لا يبدو أنها تعرف مسارا آخر في دعم النظام يختلف عن المسار البربري الذي تتبعه. فعلى مدار ثلاثين شهرا أثبتت أنها غير قادرة على دعم النظام كنظام لا كأفراد، بل قدمت له الحماية المطلقة، وعجزت عن عقلنته، فواصلت الدفاع عنه بصورة لا عقلانية.

يبقى أن الرسالة بمضمونها، تعزز الخطاب الروسي الذي يواصل تعريف الثورة الشعبية في سوريا على أنها «حرب طائفية» تستهدف الأقليات جميعا دون استثناء. الأهم أنها تدفع باتجاه «الحل الروسي»، وهو الحل الطائفي التحاصصي الذي يريد طمس الوطنية السورية البازغة مع اندلاع الثورة، من أجل تأسيس عملية سياسية تحافظ على مصالح روسيا المستجدة في سوريا، ما يجعلها عملية تحاصصية بالضرورة.

هكذا، تدفع روسيا وبأساليب متعددة باتجاه حلها. مرة عبر التذكير بمؤتمر الطائف اللبناني، وأن صيغة «لا غالب ولا مغلوب» هي «الحل السياسي» المأمول روسيا، وأخرى عبر رسالة مفبركة في أروقة الاستخبارات باعتبارها تمثل الرأي العام للأقليات، وقد أوشكت أن تصبح «مغلوبا»، فتوجبت الحماية الروسية الآن، وستكون واجبة أكثر في «جنيف2».


كاتب فلسطيني

9