رسالة في إزالة الغلالة عن اللغة العربية

السبت 2014/01/18

فتح مؤخرا بين مثقفي المغرب نقاش حول حال اللغة العربية، والواقع أننا لا نستطيع أن نحدّد زمنا معينا لنوبات الضعف التي أصابت اللغة العربية. وهو أمر محيّر فعلا، حتى لا نظن نحن أبناء القرن الحادي والعشرين أن لغتنا ضعُفت بين أيدينا، نتيجة تأخر تاريخي أو ثقافي أو اقتصادي. فمن العجيب أن الضعف بدأ يدبّ إلى اللغة العربية في القرن الخامس وهي في أوج نهضتها. وكان أول ضعف قد تجلّى في نحوها، وفي مدلول ألفاظها وجملها، وفي ظواهر أخرى شملت التركيب والقول والكناية ودلالة الأساليب.

في لحظة الوهن هذه ظهر رجل اسمه عبد القاهر الجرجاني الذي أشفق على هذه اللغة، فلم يكن ردّه هو تكوين مجموعة من رجال عصره تهتف بالشعارات، بل عكف على تأليف كتاب سيخلد في ذاكرة كل دارس للغة، أو مختص في البلاغة ومختلف ضروب التركيب الأسلوبي، هذا الكتاب هو “دلائل الإعجاز″، ثم أكمله بكتاب آخر هو “أسرار البلاغة”. فمن لحظة الضعف خلق الجرجاني لحظة لغوية كبرى دوّن فيها الأسس العلمية الأولى لعلم البلاغة وقوانين البيان والمعاني، كما وضع قوانين النحو التي كانت ردّا علميا على الخطإ في الإعراب.

ومنذ وقت قريب جدا، قبل ثلاث سنوات، سار محمد عابد الجابري على هدي من خطى الجرجاني، حين قدّم نصيحة لثلة من المثقفين المغاربة حين زاروه في البيت لاستشارته في أمر تأسيس هيئة أو مؤسسة للدفاع عن اللغة العربية، فكان جوابه: لا يمكن للغة العربية أن تعود لقوتها وهيبتها دون إنتاج أدب عربي جيّد وفكر عقلاني وحداثي قوي.

لقد كانت لحظة الجرجاني في حاجة إلى بلاغة القول، وكانت مرحلة الجابري، التي هي مرحلتنا أيضا، هي بلاغة الفكر والعقل. وكل تحوّل لغوي يجب أن يحدث في هذا النطاق: إنتاج أدب جيّد وأفكار كبرى. العربية إذن، حسب هذا التشخيص، في حاجة إلى عودة إلى شيء مسبوق: الابتكار. دون تحميل كلمة عودة أي دلالة ماضوية. فالعودة إلى مسبوق هو إنتاج لملحوق. فمأزق بلاغة القول تمّت معالجته بكتابين، ومأزق بلاغة العقل والفكر يحتاج اليوم إلى ابتكار الأفكار. وهو أمر غائب اليوم.

الشيء الآخر الذي يشكل خطرا على اللغة العربية هو تقديسها. على اللغة المنتجة في مجالي القول والفكر أن تكون متحررة، منفتحة، لادينية، مجادلة، متفاعلة مع اللغات الأخرى عبر الترجمة ومختلف أوجه المثاقفة اللغوية. لقد كانت اللغة العبرية لغة صلاة فقط، وكانت ميتة، لكنها حين دخلت عصر الإنتاج الفكري والأدبي والترجمي أصبحت لغة عالمية كبرى تُتلقّى كباقي اللغات العالمية التي تنتج أدبا وأفكارا تقود وتضيء عقل الإنسان وهو يخوض مغامرته الكبرى على هذه الأرض.

إن تحرّك الفكر واجتيازه لمناطق جموده (وينبغي هنا أن نعرف الأهمية الكبرى التي تكتسبها اللغة من حركة الفكر) ينعكس على كل ما يُكتب بلغة ذلك الفكر. ففكر بدون لغة هو فكر بدون أمّ، ولغة بدون فكر هي لغة بدون أب.

الأمر إذن يتعلق بمعركة لغوية فكرية، ينبغي أن ينهزم فيها الفكر واللغة على حدّ سواء، هنا يقول الشاعر الفرنسي “آرتو”، وهو ليس وحده في ذلك: “ينبغي هزم اللغة الفرنسية من دون التخلي عنها”. لو استرسلنا في ذلك، رفقة مفكرين وكتاب آخرين، سنكشف عن العيب نفسه ولو بطرق مختلفة. تقديس اللغة، و”الحفاظ عليها” كما يقال، دون شقها إلى قسمين هو تخريب وتجميد لها.

يقول “بيكيت”: “يُخيّل إليّ أن لغتي هي أشبه بغلالة ينبغي شقها إلى قسمين لكي نتوصّل إلى كشف الأشياء (أو العدم) التي تُحجب خلفها”. ويضيف “بيكيت” في رسالة موجهة إلى “أ.كون”، وتحمل عنوان “الرسالة الألمانية”: إن فعل إزالة الغلالة دفعة واحدة يصعب القيام به دفعة واحدة.

اللغة العربية اليوم هي داخل الغلالة، وفعل شقها إلى قسمين هو فعل أدبي وفكري في آن. فالذي يحدث للكلمات، ونحن نكتبها، شيء قاس، فيه زلزلة إبداعية يزيل الانكماش عنها، يحذف ويعصف بتلك القشرة الخرافية التي تكبلها. لكن على ذلك أن يتم دون شعارات أو إيديولوجيات، دون طبول ولا أعلام أو نفير. ذلك وحده من شأنه أن يقرب لغتنا من دلالات العصر الحديث. وعلى الأدباء أن يطرحوا سؤالا مختلفا ويجيبوا عنه: “ما الذي يجعل اللغة تفقد نورها المعتاد؟”.

كاتب من المغرب

16